المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رواية الشفق / twilight ستيفاني ماير


ألم الخريف
07-15-2010, 09:09 PM
السلااااااااااااااااااااام عليكم ورحمة الله وبركاته


الشفق قصة رااااااااااااائعة جدا في منتهى الرومانسية


وهي من اكثر القصص اللي حبيتها ولاحظت ان كثيرين يبغو الرواية وانا حوفرها لكم

الشفق
ستيفاني ماير
twilight
تمهيد

لم يسبق لي أن فكرت كثيرا في كيفية موتي رغم توفر ما يكفي من أسباب لذلك في الآونة الأخيرة؛ لكني ما كنت لأتوقع موتي على هذا الشكل, حتى لو فكرت فيه.

حدقت في الغرفة الطويلة دون أن أتنفس. حدقت في عيني الصياد القاتمتين فرد بنظرة سرور.

يقينا إنها طريقة جيدة للموت, أن أموت بدلا من شخص آخر, بدلا من شخص أحبه. بل هي طريقة نبيلة أيضا. لابد أن لهذا قيمة!

كنت أعرف أني لو لم أذهب إلى فوركس لما واجهت الموت الآن. لكني لم اكن لأستطيع الأسف على هذا القرار رغم شدة خوفي. عندما تتيح لك الحياة حلما يمضي بك أبعد من آمالك كلها لا يكون منطقيا أن تحزع عندما يصل الحلم إلى نهايته.

ابتسم الصياد ابتسامة ودية وهو يتقدم وئيدا حتى يقتلني.



انا عارفة اني كتبت قليل لكني منتظرة ردودكم عشان أكمل مو بعد ما أخلص القصة ألاقي طناش !!!!

nona22
07-15-2010, 09:23 PM
قشطة يا دودو
تسلمى عالرواية
واكيد عاوزين باقى الرواية كلها
انتى متشبطناش وبعدين تخلعى اية هههههههههههههه
وانا رجعالك من تاانى

صباح
07-15-2010, 09:44 PM
انو طناش ديو احنا معك يا عمري

وهاتي كل اللي عندك واحنا بانتظار

ألم الخريف
07-15-2010, 09:47 PM
الفصل الأول :بارت:1:

النظرة الأولى

أخذتني أمي بالسيارة إلى المطار.كانت نوافذ السيارة مفتوحة. كانت درجة الحرارة 23 درجة في فينيكس. وكانت السماء زرقاء تماما خالية من الغيوم. وكنت أرتدي قميصي المفضل, قميص أبيض مخرم بلا أكمام. لقد ارتديت هذا القميص على سبيل الوداع فقط. أما ما كنت سأرتديه بعد ذلك فهو سترة من الفرو لها قبعة.

في شبه جزيرة أولمبيك عند أقصى شمال غرب ولاية واشنطن, وتحت غطاء دائم من الغيوم تقبع بلدة صغيرة تدعى فوركس. يهطل من الأمطار في هذه البلدة عديمة الأهمية أكثر مما يهطل في أي مكان آخر من الولايات المتحدة الامريكية. ومن هذه البلدة و ظلالها الكالحة في كل مكان هربت امي بي عندما كان عمري بضعة أشهر فقط. وفي هذه البلدة كنت مجبرة على قضاء شهر كل صيف إلى أن بلغت الرايعة عشرة. إنها السن التي صار لي فيها راي؛ ففي الأصياف الثلاثة الماضية جاء أبي,تشارلي, ليمضي معي عطلة تمتد لأسبوعين في كاليفورنيا بدلا من ذهابي إليه في فوركس.

والآن أنفي نفسي إلى فوركس؛ وهذا ما أقدمت عليه بخوف شديد. . . أنا أكره فوركس.

لقد أحببت فينيكس. أحببت الشمس و الحرارة المرتفعة. أحببت هذه المدينة النشطة الممتدة في كل اتجاه.

قالت أمي لي قبل أن أصعد إلى الطائرة. . . كانت تلك الرة الألف: "بيلا ! لست مضطرة إلى فعل هذا".

أمي تشبهني في كل شيء إلا في شعرها القصير و الخطين اللذين يرتسمان على وجهها عندما تضحك. شعرت بنوبة من الرعب عندما حدقت في عينيها الواسعتين الطفوليتين. كيف لي أن أترك أمي المحبة الطائشة غريبة الأطوار حتى تتدبر أمرها بنفسها؟ إن فيل بصحبتها الآن, أي أن الفواتير ستسدد على الأرجح, و سيكون في البراد طعام, وسيكون لديها وقود في سيارتها و شخص تتصل به إذا تاهت, لكن مع ذلك. . .

كذبت قائلة:" أريد أن أذهب!". . . لم اكن أحسن الكذب أبدا, لكني كررت هذه الكذبة كثيرا في الفترة الأخيرة إلى حد جعلها شبه مقنعة الآن.

"بلغي سلامي إلى تشارلي".

"سأفعل".

أصرت أمي قائلة:" أراك قريبا. يمكنك أن تأتي إلى البيت متى أردت. سأحضر فورا بمجرد أن تحتاجي إلي".

قلت لها:" لا تقلقي علي. سيكون الأمر رائعا. أحبك أمي".

احتضنتني بقوة مدة دقيقة كاملة ثم صعدت إلى الطائرة. . . و ذهبت أمي.

تستغرق رحلة الطائرة أربع ساعات من فينيكس إلى سياتل, تليها ساعة أخرى بطائرة صغيرة حتى بورت آنجلس, ثم ساعة بالسيارة حتى فوركس. الطيران لا يزعجني؛ أما الساعة التي سأمضيها في السيارة مع تشارلي فكنت قلقة منها بعض الشيء.

كان تشارلي لطيفا حقا. وقد بدا عليه سرور حقيقي بمجيئي للعيش معه مدة طويلة للمرة الأولى. لقد سجلني في المدرسة الثانوية. وسوف يساعدني في الحصول على سيارة.

لكني متأكدة من أن الوضع سيكون غريبا عندما أعيش مع تشارلي. ما كان أحد ليستطيع وصف أي منا بأنه كثير الكلام مع أني لم أكن أعرف ما الذي يمكنني الحديث عنه. أعرف أنه ارتبك بعض الشيء بسبب قراري فأنا لم أكن أحتفظ بكرهي بفوركس سرا. . . مثلما فعلت امي من قبلي.

كان المطر يهطل عندما حطت الطائرة في بورت آنجلس. لم أر في هذا فأل شؤم بل مجرد أمر لا سبيل إلى تجنبه. لقد ودعت الشمس و داعا أبديا قبل سفري.

كان تشارلي ينتظرني في سيارته الكبيرة. و هذا ما كنت أتوقعه أيضا. يعمل تشارلي رئيس شرطة في خدمة أهل فوركس الطيبين. وقد كان دافعي الأول إلفى شراء سيارة رغم قلى نقودي هو رفضي التجول في البلدة في سيارة عليها أضواء حمراء و زرقاء. لا شيء يبطئ حركة المرور كما يبطئها وجود شرطي.

احتضنني تشارلي على نحو غريب بذراع واحدة عندما نزلت متعثرة من الطائرة.

قال لي مبتسما وهو يمد يده تلقائيا حتى يمسكني ليجنبني السقوط:" لطيف أن أراك يا بيلا! لم تتغيري كثيرا. كيف حال رينيه؟".

قلت:" أمي بخير. لطيف أيضا أن أراك يا أبي". لم يكن مسموحا لي أن أدعوه تشارلي في حضوره.

كانت حقائبي قليلة معظم ملابس أريزونا خفيفة لا تصلح لولابة واشنطن. لقد جمعنا ما لدينا من مال, أنا و أمي, حتى أستكمل ملابسي الشتوية. لكنها ظلت قليلة رغم ذلك. . . اتسع صندوق السيارة لجميع حقتئبي بكل سهولة.

عندما جلسنا في السيارة وربطنا الأحزمة قال أبي:" وجدت سيارة جيدة من أجلك. إنها رخيصة حقا".

شعرت بالريبة من طريقة قوله (سيارة جيدة من أجلك) بدلا من الاكتفاء بعبارة (سيارة جيدة), فقلت:" وما نوعها؟".

"حسن, إنها شاحنة صغيرة في الواقع من نوع تشيفي!".

"و أين وجدتها؟".

"هل تتذكرين بيلي بلاك الذي كان في لا بوش؟". (لا بوش هي المحمية الهندية الصغيرة على الساحل).

"لا!".

قال تشارلي محاولا تذكيري:" كان يذهب إلى صيد السمك معنا في الصيف".

هذا يوضح سبب عدم تذكري هذا الرجل فأنا ماهرة في حجب الأشياء المزعجة غير الضرورية عن ذاكرتي. تابع تشارلي عندما لم أجبه:" إنه يستخدم كرسيا متحركا الآن ولم يعد يستطيع قيادة السيارة فعرضها علي بسعر بخس".

"وما سنة صنعها؟".

كان واضحا لي من تغير تعبير وجهه أن هذا هو السؤال الذي كان يرجو أن لا أطرحه.

"حسن, لقد اشتغل بيلي كثيرا على المحرك. . . عمرها سنوات قليلة في الحقيقة".

هل يستهين بي إلى درجة تجعله يظن أنني سوف أتوقف عن السؤال عند هذا الحد ؟ قلت:" متى اشتراها؟".

"أظن أنه اشتراها في عام 1984".

"وهل اشتراها جديدة؟".

أجابني مذعنا:"لا! أعتقد أنها كانت جديدة أوائل الستينات أو أواخر الخمسينات على أبعد تقدير

والآن مع الجزء الثاني من الفصل الأول


"آه. . . أبي, أنا لا أعرف شيئا عن السيارات. ولا أستطيع إصلاحها إذا تعطل شيء فيها. ولا أستطيع دفع أجور ميكانيكي لإصلاحها. . . ".

"حقا يا بيلا, إه هذا الشيء يعمل بشكل ممتاز. لم يعودا يصنعون سيارات مثلها الآن".

هذا الشيء! فلت في تفسي. . . ثمة احتمالات هنا. . .لعله الاسم الذي يطلقونه عليها تحببا على الأقل.

"قلت إنها رخيصة, فكم هي رخيصة؟ بعد كل حساب, هذا هو الأمر الذي لا أستطيع المساومة عليه".

استرق تشارلي نظرة جانبية إلي و الأمل باد على وجهه:" يا عزيزتي, لقد اشتريتها بالفعل. . . اشتريتها من أجلك. اعتبريها هدية بمناسبة مجيئك".

أوه. . . مجانا!

"لم يكن عليك أن تفعل هذا يا أبي. كنت اعتزم شراء سيارة بنفسي".

"لا مانع عندي. أريدك أن تكوني سعيدة هنا".

كان يتظر إلى الطريق أمامه عندما قال هذه الكلمات. لم يكن تشارلي يرتاح للتعبير عن مشاعره علنا. لقد ورثت هذا الأمر منه. لذلك رحت أنظر إلى الطريق أمامي عندما أجبت:"هذا لطيف منك حقا يا أبي. شكرا لك. . . أشكرك فعلا".

لا حاجة للقول إن من المستحيل أن أكون سعيدة في فوركس. ما كان عليه أن يعاني معي. وما كنت لأرفض سيارة مجانية مهما يكن وضعها.

غمغم أبي وقد أحرجه شكري:" طيب! أهلا بك الآن".

تبادلنا عبارات قليلة عن الطقس الرطب. . . كان ذلك كل حديثنا, ثم رحنا نحدق من النوافذ صامتين.

كان المنظر جميلا طبعا. وما كان لي أن أنكر جماله. . . كل شيء أخضر اللون: الأشجار و جذوعها التي تغطي الطحالب و تتدلى من أغصانها, و الأرض المغطاة بالسراخس. بل إن الهواء نفسه كان يمر أخضر اللون عبر أوراق الأشجار.

كان ذلك كله أخضر أكثر مما يجب. . . يا له من كوكب غريب!

وصلنا أخيرا إلى منزل تشارلي. ما زال يعيش في المنزل الصغير الذي فيه غرفتا نوم و الذي اشتراه مع أمي أول أيام زواجهما. ما كان في زواجهما كله إلا تلك الأيام. . . أيامه الأولى. و أمام المنزل الذي لم يتغير أبدا كانت شاحنتي الصغيرة الجديدة تقف في الشارع. . . لا بأس, إنها جديدة بالنسبة لي. كان لونها الأحمر باهتا ولها مصدات كبيرة منحنية و مقصورة محدبة. فوجئت بأنني أحببتها. لم أكن أعلم إن كانت تسير فعلا لكنني رأيت نفسي جالسة فيها. كما أنها من تلك السيارات الحديدية الصلبة التي لا يلحق بها الأذى أبدا. . . سيارة تراها في الحوادث وقد أصابت الخدوش طلاءها بينما تتناثر من حولها قطع السيارة التي اصطدمت بها.

"لقد أحببتها يا أبي. شكرا لك!".

الآن, سيصبح يومي المخيف غدا أقل رعبا بقليل فلن أقف محتارة أمام خيار المشي مسافة ميلين تحت المطر إلى المدرسة أو قبول الركوب في سيارة رئيس الشرطة.

قال تشارلي بصوت أجش وقد أصابه الحرج من جديد:" يسعدني أنك أحببتها".

حملنا جميع امتعتي إلى الطابق الأعلى دفعة واحدة. أخذت غرفة النوم الغربية المطلة على ساحة المنزل الامامية. كانت الغرفة مألوفة لي فهي غرفتي منذ ولادتي. الأرضية الخشبية و الجدران الزرقاء الفاتحة و السقف المدبب و الستائر المصفرة المخرمة تحف بالنافذة من الجانبين. كان هذا كله جزء من طفولتي. لم يغير تشارلي شيئا في الغرفة وأنا أترعرع إلا أن وضع سريرا بدلا من المهد و أضاف طاولة للكتابة. تحمل هذه الطاولة الآن حاسوبا مستعملا يمتد منه خط الهاتف على الأرض إلى أقرب مأخذ في الجدار. كان الكرسي الهزاز من أيام طفولتي ما يزال موجودا في الزاوية.

في المنزل حمام صغير واحد عند قمة السلم كان علي أن أستعمله مع تشارلي. ولم يكن من السهل التآلف كثيرا مع هذه الحقيقة.

كم أفضل الأشياء في تشارلي هو أنه لا يتلكأ كثيرا في مكانه. لقد تركني وحيدة حتى أرتب أشيائي و أشعر بالاستقرار في الغرفة. إنه أمر فريد من المستحيل تماما أن يبدر من أمي. لطيف أن أظل وحدي الآن دون اضطرار إلى أن أبتسم أو أبدو سعيدة؛ ومريح أيضا أن أنظر مكتئبة من النافذة لأرى المطر المتواصل الغزير و أسمح لبعض الدموع بأن تفلت من عيني. لم اكن في مزاج مناسب لنوبة بكاء حقيقة فوفرتها حتى آوي إلى فراشي ويكون علي أن أفكر في الصباح الآتي.

في مدرسة فوركس الثانوية عدد مخيف من الطلاب يبلغ ثلاث مئة وسبعة و خمسين طالبا فقط ( ثلاثة مئة و ثمانية و خمسين الآن) . في مدرستي السابقة كان في الصف الاول الثانوي وحدة أكثر من سبعمئة شخص. لقد ترعرع جميع الاولاد هنا معا؛ و كان أجدادهم يلعبون صغارا معا أيضا. وسوف أكون الفتاة الجديدة القادمة من المدينة الكبيرة. سأكون فرجة في المدرسة؛ شخصا عجيبا.

لو كنت أبدو كما يجدر بفتاة من فينكس أن تبدو لكان بوسعي أن استخدم هذا لمصلحتي. لكنني لم أكن لأناسب أي مكان من ناحية مظهري الجسدي. يجب أن أكون شقراء رياضية لوحتها الشمس. . . لاعبة كرة طائرة أو ربما مشجعة فريق رياضي. . . أي كل تلك الأشياء التي تتناسب مع العيش في وادي الشمس.

والآن منتظرة ردودكم الحلوة

مع اننا لسة في البداية ولسة مافي أحداث ^__________^

nona22
07-15-2010, 09:48 PM
http://up.arjwan.com/upfiles/E4i31511.jpg

ملك
07-15-2010, 10:16 PM
مشكووووووره والله يعطيك الف عافيه حبيبتي ديوفان في انتظار التتمه

ألم الخريف
07-15-2010, 10:17 PM
الجزء الثالث من الفصل الأول


لكن جلدي أبيض باهت بلون العاج؛ وليس لدي حتى عينان زرقاوان أو شعر أحمر رغم الشمس الدائمة. كان جسمي رشيقا على الداوم. لكنه كان رخوا على نحو ما؛ مؤكد أنه ليس رياضيا. ولم يكن لدي التنسيق الضروري بين اليد و العين الذي لا بد منه حتى أستطيع ممارسة الألعاب الرياضية دون إذلال نفسي أو دون إيذاء نفسي و كل من يقف قريبا مني.

عندما أنهيت وضع ملابسي في خزانة خشب الصنوبر القديمة أخذت حقيبة ضروريات الحمام وذهبت إلى الحمام المشترك حتى أنظف نفسي بعد السفر. نظرت إلى وجهي في المرآة ومررت أصابعي في شعري المبلل المتشابك. لعل الضوء هو السبب. لكنني بدوت أكثر شحوبا و أقل عافية . يمكن أن يكون جلدي جميلا فهو نقي جدا, بل يبدو كأنه شفافا, لكن الأمر يعتمد كله على اللون. لم يكن لجلدي لون.

كنت مضطرة و أنا أواجه صورتي الشاحبة في المرآة إلى الاعتراف بأنني أكذب على نفسي. لا تنحصر مشكلتي في المظهر الجسدي وحدة؛ إن كنت غير قادرة على العثور على ملاذ لي في مدرسة فيها ثلاثة آلاف طالب, فما هي فرصي هنا؟

لم اكن اجيد التواصل مع الذين في عمري. بل لعل الحقيقة هي انني لم اكن اجيد التواصل مع الناس من مختلف الاعمار. حتى امي نفسها التي كنت اقرب اليها من اي شخص آخر في العالم لم تكن على وفاق معي؛ و كأننا لم نكن على الموجة نفسها تماما. كنت أتساءل أحيانا ما كنت أتساءل أحيانا ما إذا كانت عيناي تريان الامور ذاتها التي تراها عيون بقية الناس. لعل ثمة خلل في دماغي. لكن السبب ليس هو المهم! ما يهم هو الأثر. وسوف يكون الغد نقطة البداية.

لم انم جيدا طيلة الليل حتى بعد أن انتهيت من البكاء. ولم يتلاشى صوت المطر و الريح على السطح. غطيت رأسي باللحاف القديم الباهت ثم أضفت إليه الوسادة أيضا بعد قليل. لكنني لم أستطع النوم حتى تجاوزت الساعة منتصف الليل و تحول المطر أخيرا إلى رذاذ هادئ.

لم أستطع ان ارى غير الضباب الكثيف من نافذتي في الصباح و بدات أشعر برهاب الاماكن الضيقة يتسلل إلي شيئا فشيئا. لا يمكن ابدا رؤية السماء هنا؛ إن المكان أشبه بقفص مغلق.

كان تناول الفطور مع تشارلي حدثا هادئا. تمنى لي حظا طيبا في المدرسة فشكرته عارفة أن أمنيته هذه امر مستحيل. كان الحظ الطيب يميل إلى تجنبي. انطلق تشارلي قبلي ذاهبا إلى قسم الشرطة الذي كان بمثابة زوجة و أسرة له. بعد ذهابه جلست إلى طاولة خشب البلوط العتيقة المربعة على واحدة من الكراسي الثلاث غير المتشابهة ورحت أتفحص مطبخ تشارلي الصغير بجدرانه الخشبية القاتمة و خزائنه الصفراء اللامعة و أرضه السيراميك البيضاء. لم يتغير في هذا المطبخ شيء. لقد قامت أمي بطلاء خزائنه قبل ثمانية عشر عاما محاولة إضفاء لمسة من أشعة الشمس على هذا المنزل. وفي غرفة المعيشة المجاورة الضئيلة كان فوق الموقد الصغير صف من الصور. في البداية صورة زفاف تشارلي و أمي في لاس فيغاس, ثم صورة لنا نحن الثلاثة التقطتها ممرضة خدومة في المستشفى عقب ولادتي, ثم تأتي سلسلة من صوري المدرسية حتى آخر عهدي هنا. كان النظر إلى هذه الصور محرجا. . . علي التفكير فيما يمكن أن أفعله حتى أجعل تشارلي يضعها في مكان آخر. . . أثناء إقامتي هنا على الأقل.

بوجودي في هذا المنزل كان من المستحيل أن لا ألاحظ أن تشارلي لم ينس أمي أبدا. وقد جعلني هذا غير مرتاحة.

لم أكن أرغب في الوصول إلى المدرسة أبكر مما يجب, لكني لم أعد أطيق البقاء في المنزل أكثر. ارتديت معطفي الثقيل الذي يشبه المعاطف المستخدمة عند الكوارث البيئية و انطلقت تحت المطر.

كان مطرا ناعما لا يكفي لإغراقي ريثما أجد مفتاح المنزل الذي نخبئة دائما تحت إفريز الباب. و كان صوت حذائي الجديد المقاوم للماء مزعجا. لقد افتقد صوت قرقعة الحصى تحت قدمي عندما أمشي. لم أستطع التوقف قليلا حتى أتأمل شاحنتي الجديدة رغم رغبتي في ذلك. كنت أتعجل الهرب من ذلك البلل الضبابي الذي يتطاير حول رأسي و يعلق بشعري تحت القبعة.

كان الجو لطيفا جافا داخل السيارة. من الواضح أن بيلي أو تشارلي قد نظفها, لكن المقاعد المدبوغة المنجدة لا تزال تفوح برائحة خفيفة من التبغ و البنزين والنعنع الحار. ارتحت لأن المحرك اشتغل سريعا, لكن صوته كان عاليا فقد زمجر أولا ثم هدأ قليلا إنما ظل يدور بأقصى سرعة. لا بأس, لا بد من وجود عيب في شاحنة بهذا العمر. اشتغل الراديو العتيق ايضا فكان مفاجأة لطيفة لم أتوقعها.

لم يكن العثور على المدرسة صعبا مع أني لم أذهب إليها من قبل. فالمدرسة تقع على الطريق العام مثل معظم الأشياء. لم يكن ظاهرا عليها أنها مدرسة, لكن لافتة أعلنت أنها مدرسة فوركس الثانوية, فجعلتني أتوقف عندها. بدت المدرسة مثل مجموعة من البيوت المتشابهة المبنية بالقرميد الأحمر. و كانت الأشجار و الأجمات كثيرة إلى حد منعني من رؤية حجم المدرسة في البداية. تساءلت و الحنين إلى مدرستي القديمة يغمرني: أين هو الإحساس بالمؤسسة؟ أين هي الأسيجة المصنوعة من السلاسل الحديدية, و أين هي أجهزة كشف المعادن؟

أوقفت السيارة أمام المبنى الأول الذي فوق بابه لافتة كتب عليها المكتب الأمامي. لم أرأي سيارة واقفة هناك مما جعلني متأكدة من أن هذا المكتب خارج حدود المدرسة. لكنني قررت أن أستفهم في الداخل عن كيفية التحرك بدلامن التجول هنا و هناك تحت المطر مثل الحمقى. خرجت من السيارة غير راغبة في مغادرة المقصورة الدافئة. مشيت عبر ممر صغير مرصوف تحف به أحجار داكنة. أخذت نفسا عميقا ثم فتحت الباب

assy9090
07-15-2010, 10:22 PM
واوووووووووووووووووووووووووووووووووووووووووو
ايه يا دودو الشغل الجامد ده
طبببببببببعا كملى ودى فيها كلام يا سكر
فكرة تجنن ومعاكى للنهاية

ألم الخريف
07-15-2010, 10:23 PM
الجزء الرابع من الفصل الاول

كان المكان شديد الاضاءة من الداخل و أكثر دفئا مما كنت أتوقع. و كان المكتب صغيرا مع فسحة بسيطة للانتظار فيها مقاعد قابلة للطي وسجادة تجارية منقطة بالبرتقالي. وعلى الجدران تناثر عدد من الاوراق و الملاحظات و ساعة جدارية ضخمة تصدر تكتكة مسموعة. وكانت النباتات تنمو ضمن أوعية بلاستيكية ضخمة موزعة في كل مكان كما لو أن الخضرة في الخارج لا تكفي. كانت طاولة طويلة تقسم الغرفة نصفين عليها سلال شبكية مملوءة بالاوراق و على مقدمة كل منها لصاقة ملونة. أنا خلف الطاولة الطويلة فكانت ثلالثة مكاتب موزعة تجلس إلى احداها امرأة ضخمة حمراء الشعر تضع نظارات و ترتدي قميصا قرمزيا قصير الأكمام جعلني أشعر أن ملابسي أكثر مما يجب.

رفعت المرأة حمراء الشعر رأسها و نظرت إلي:" هل أستطيع خدمتك؟".

"اسمي إيزابيلا سوان".

فهمت من عينيها أنها تعرف اسمي. كانوا يتوقعون قدومي فلا شك في أنه موضوع جيد للقيل و القال هنا. ابنة زوجة رئيس الشرطة السابقة, الطائشة, تعود أخيرا.

قالت المرأة:" طبعا!" ثم راحت تقلب كدسا من الوثائق على مكتبها حتى وجدت ما تبحث عنه وقالت:" لدي برنامج دروسك هنا إضافة إلى خريطة المدرسة".

وضعت على الطاولة عددا من الأوراق حتى أراها.

قرأت لي برنامج دروسي كله و علمت على الخريطة أفضل السبل للذهاب إلى كل قاعة ثم أعطتني بطاقة حتى يوقع عليها جميع المدرسين. وكان علي إعادتها إلى المكتب في نهاية اليوم. ابتسمت لي تمنت. مثل تشارلي, أن أكون مرتاحة و مسرورة هنا في فوركس. رديت على ابتسامتها بابتسامة مقنعة قدر ما استطعت.

كان بعض الطلاب قد بدأوا يصلون إلى المدرسة عندما عدت إلى شاحنتي. قدت الشاحنة حول المدرسة خلف رتل من السيارات. سررت إذ رأيت أن معظم السيارات قديمة مثل سيارتي و لم يكن بينها أي سيارة تلفت الأنظار. لقد كنت أعيش في واحد من الأحياء القليلة منخفضة الدخل المتضمنة في منطقة باراديس فالي. ومع ذلك كان شيئا عاديا أن ترى سيارة مرسيدس أو بورش جديدة في موقفسيارات الطلاب. أما أفخم سيارة هنا فكانت سيارة فولفو لامعة؛ و كانت تقف بعيدا عن غيرها. رغم ذلك كله أطفأت المحرك بمجرد وصولي إلى منطقة الوقوف حتى لا يجذب هدير المحرك الشديد الأنظار إلي.

نظرت إلى خريطة المدرسة و أنا أدخل السيارة محاولة أن أحفظها غيبا الآن. و كنت آمل أن لا أضطر إلى السير هنا و هناك و أنا أحملها أمام أنفي طيلة النهار. وضعت كل شيء في حقيبتي وعلقت الحقيبة على كتفي و استنشقت نفسا عميقا. أستطيع أن أفعل هذا! كذبت على نفسي بضعف. لن يعضني أحد. زفرت أخيرا و نزلت من السيارة.

أبقيت وجهي مشدودا إلى الخلف حتى يختبئ داخل قبعتي بينما مشيت إلى الرصيف المزدحم بالمراهقين. لاحظت براحة أن معطفي الأسود العادي لم يكن متميزا عن غيره.

عندما انعطفت حول الكافيتريا كان من السهل علي تحديد المبنى رقم ثلاثة. كان الرقم (3) مكتوبا بالدهان على مربع أبيض عند زاوية البناء الشرقية. شعرت أن تنفسي تسارع كثيرا عندما اقتربت من البوابة. حاولت أن أحبس أنفاسي بينما كنت أعبر البوابة في إثر معطفين مطريين.

كانت غرفة الصف صغيرة. وقف الشخصان السائران أمامي داخل الباب حتى يعلقا معطفيهما على صف طويل من المشاجب. فعلت كما فعلا. كانا بنتين إحداهما شقراء, بشرتها بيضاء كالبروسلين والثانية شاحبة أيضا لها شعر بني فاتح. على الأقل لن يكون لون جلدي مستغربا هنا.

أخذت البطاقة إلى المدرس الذي كان رجلا طويلا بدأ الصلع يغزو رأسه. كانت على مكتبه بطاقة باسم السيد ماسون. حدق إلي بطريقة بلهاء عندما ذكرت له اسمي. . . ليس هذا برد فعل مشجع. . . و بالطبع احمر وجهي فجاة مثل البندورة. لكنه أرسلني لأجلس على مقعد فارغ في آخر الغرفة من غير ان يقدمني إلى الصف. كان من الصعب على زملاء صفي الجديد أن يحدقوا إلي وانا خلفهم, لكنهم نجحوا في ذلك بطريقة من الطرق. أبقيت عيني مسبلتين أنظر في قائمة المواد المطلوبة قراءتها التي أعطاني إياها المدرس. كانت أعمالا كلاسيكية فعلا: برونتي و شكسبير و تشوسر و فولكنر. لقد سبق لي ان قرأتها كلها. كان هذا مريحا . . . ومملا أيضا. فكرت فيما إذا كانت أمي يمكن ان ترسل لي ملف المواضيع القديمة التي كتبتها, او لعلها تعتبر ذلك نوعا من الغش. دارت في رأسي جدالات كثيرة بيني و بينها في حين كان المدرس يتحدث و يتحدث.

عندما قرع الجرس, وكان صوته مثل أزيز صادر من الأنف, انحنى نحوي عبر الممر بين المقاعد ولد يشبه شكله أفراد العصابات بشعره الأسود الناعم و جلده ذي البثور.

"أنت إيزابيلا سوان, صحيح!".

لقد بدا لي مثل الاولاد الخدومين اكثر مما يجب في نادي الشطرنج فصححت قائلة:" اسمي بيلا".

استدار كل من كان ضمن دائرة قطرها ثلاثة مقاعد ناظرين إلي

الجزء الخامس من الفصل الاول


سالني الولد:" أين هي حصتك التالية؟".

كان علي أن أنظر في حقيبتي:"همم, إنها حصة سياسية مع جيفرسون في المبنى رقم6".

لم اكن لأستطيع النظر في أي اتجاه دون أن تصادف عيناي أعينا فضولية.

كان بالتاكيد خدوما أكثر مما يجب:" أنا ذاهب إلى المبنى رقم 4. أستطيع أن أريك الطريق. اسمي إريك".

ابتسمت مترددة وقلت:" شكرا".

أخذنا معاطفنا و خرجنا إلى المطر الذي زادت شدته. أستطيع أن أقسم أن عدة أشخاص كانوا يسيرون خلفنا على مقربة شديدة تسمح لهم باستراق السمع. رجوت أن لا تكون الهواجس قد استولت علي.

سألني:" إذن, الأمر هنا مختلف كثيرا عن فينيكس, هاه؟".

"كثيرا".

"إنها لا تمطر كثيرا هناك, صحيح؟".

"ثلاث أو أربع مرات في السنة".

تساءل متعجبا:" واو! ما عسى ذلك ان يكون؟".

"كثير من الشمس".

"لا يبدو عليك أن الشمس قد لوحتك كثيرا".

"أمي من أصول انكليزية!".

نظر إلى وجهي نظرة متفحصة, فأطلقت زفرة. يظهر أن الغيوم و المزاج الفكاهي لا يجتمعان. يكفيني عدة أشهر على هذا النحو حتى أنسى كيف أتحدث بخفة و بسخرية.

سرنا حول الكافتيريا و مررنا بجانب الصالة الرياضية متجهين إلى المباني الجنوبية. أوصلني إريك إلى الباب تماما مع أن رقم المبنى كان مكتوبا عليه بوضوح.

عندما لمست مقبض الباب قال إريك:" حظا طيبا! ثم أضاف بصوت بدا عليه الأمل: ربما يكون لدينا دروس مشتركة أخرى".

ابتسمت له ابتسامة شاردة و دخلت المبنى.

مضت بقية ذلك الصباح على النحو نفسه. كان مدرس مادة المثلثات, السيد فارنر الذي كنت ساكرهه على أي حال بسبب المادة التي يدرسها, الشخص الوحيد الذي جعلني أقف أمام الصف كله لأقدم نفسي. تعلثمت واحمر وجهي و تعثرت بحذائي و أنا أعود إلى مقعدي.

بعد حصتين بدات اتعرف على عدد كبير من الوجوه في كل صف. كنت أرى دائما شخصا أكثر شجاعة من الآخرين يقدم نفسه و يسألني أسئلة عما إذا كنت أحب فوركس. حاولت أن أكون دبلوماسية, و كذبت كثيرا في معظم الحالات. لكنني لم أكن بحاجة إلى استخدام الخريطة على الأقل.

جلست إحدى الفتيات بجانبي في درسي المثلثات و اللغة الإسبانية. و سارت معي إلى الكافيتريا وقت الغداء. كانت ضئيلة؛ اقصر مني بنحو عشرة سنتيمترات مع أن طولي لم يكن يتجاوز 162 سنتيمترا, لكن شعرها الداكن المجعد عوض عن قدر كبير من فارق الطول بيننا. لم أستطع تذكر اسمها, لذلك ابتسمت و أومأت لها برأسي وهي تثرثر عن المعلمين و الصفوف. . . لم أحاول متابعة ما تقول.

جلسنا إلى طرف طاولة عليها عدد من أصدقائها الذين قدمتني إليهم. نسيت أسماءهم جميعا بمجرد أن انتهت من تعدادها. بدا أصدقاؤها متأثرين بشجاعتها في التحدث معي. أما ذلك الصبي من صف اللغة الانكليزية, إريك, فقد لوح لي بيده من الناحية الأخرى للقاعة.

هناك حيث كنت أجلس في غرفة الطعام محاولة فتح حديث مع سبعة أشخاص غرباء. . . هناك رأيتهم للمرة الأولى.

كانوا يجلسون في زاوية الكافيتريا, أي في ابعد مكان عن النقطة التي كنت أجلس فيها. كانوا خمسة. وما كانوا يتحدثون أو ياكلون مع أن صينية من الطعام كانت أمام كل واحد منهم. وما كانوا يحدقون إلي خلافا لمعظم التلاميذ الآخرين. لذلك كان من الآمن أن أنظر إليهم دون خوف من ملاقاة أعين تبدي اهتماما مفرطا. لكن ما جذب اهتمامي لم يكن أي شيء من هذا كله.

ما كانوا متشابهين أبدا. فمن بين الاولاد الثلاثة كان صبي ضخم مفتول العضلات مثل رباع حقيقي و له شعر داكن مجعد. كان الثاني أطول منه و أرشق جسدا لكنه مفتول العضلات أيضا وكان شعره أشقر بلون العسل. وكان الثالث طويلا نحيلا له شعر برونزي كشعث. كان شكله أكثر صبيانية من الآخرين اللذين يمكن أن يوحي شكلهما بأنهما في الجامعة, أو حتى بأنهما معلمين لا طالبين.

كانت الفتيات عكس الاولاد تماما. كانت الطويلة اشبه بتمثال. . . قوام جميل من ذلك النوع الذي تراه على غلاف مجلات ملابس السباحة أي من النوع الذي يجعل كل فتاة من حولها تفقد جزءا من ثقتها في نفسها لمجرد وجودها معها في غرفة واحدة. كان شعرها ذهبي اللون تمتد تموجاته الناعمة حتى منتصف ظهرها. و كانت الفتاة القصيرة ذات مظهر عابث. . . شديدة النحول دقيقة القسمات لها شعر أسود فاحم قصير يشير في كل اتجاه.

لكنهم كانوا جميعا متشابهين تماما. كانوا شاحبي اللون كالطبشور, بل كانوا اكثر شحوبا من جميع الطلاب في هذه البلدة التي لا تعرف الشمس. كانوا أكثر شحوبا مني, أنا البريطانية! كانت عيونهم داكنة رغم تفاوت الوانها. و كانت لهم جميعا ظلال تحت اعينهم. . . ظلال مزرقة قليلا كأنها كدمات. كانوا مثل من يعاني آثار ليلة من الأرق أو من يتماثل أنفه المكسور للشفاء. لكن أنوفهم وملامحهم كلها كانت جميلة متناسقة تامة.

ألم الخريف
07-15-2010, 10:25 PM
الجزء السادس من الفصل الأول ....

لكن هذا كله لم يكن هو ما جعلني لا أستطيع رفع أنظاري عنهم.

كنت أحدق إليهم لأن وجوههد المختلفة جدا, المتشابهة جدا, كانت كلها جميلة جدا على نحو غير بشري. وجوه لا يتوقع المرء أن يراها إلا على صفحات مجلات الأزياء أو في صور الملائكة التي رسمها فنانون كبار قدماء. كان يصعب تحديد الاجمل بينهم. . . لعلها تلك الشقراء الرائعة أو الصبي ذو الشعر البرونزي.

كانت أبصار كل منهم تتجه بعيدا. . .بعيدا عن بقية المجموعة. . . بعيدا عن بقية الطلاب. . . بعيدا عن أي شيء محدد. هذا ما رأيته على الأقل. فيما كنت أنظر إليهم نهضت الفتاة القصيرة حاملة صينيتها. . . علبة صودا لا تزال مغلقة, وتفاحة لا تزال سليمة. . . وسارت بعيدا بخطوات سريعة متبخترة كمن يمشي على خشبة مسرح. ظللت أنظر إليها مدهوشة بخطواتها الراقصة الرشيقة حتى وضعت صينيتها و خرجت من الباب الخلفي بأسرع مما تخيلت ذلك ممكنا. عادت عيناي إلى بقية المجموعة فوجدتهم جالسين كما كانوا تماما.

سألت الفتاة التي من صف اللغة الإسبانية. . . نسيت اسمها:" من هم؟".

وبينما كانت تنظر لتعرف من المقصود. . . الأرجح أنها عرفت ذلك من نبرة صوتي. . . نظر إلي فجأة. . . الشاب النحيل ذو الملامح الصبيانية. . . لعله أصغرهم. نظر إلى جارتي لجزء من الثانية ثم اتجهت عيناه الداكنتان إلى عيني.

أشاح بنظره سريعا. ..أسرع مني . . .رغم أنني أسبلت عيني محرجة من فوري . لم يظهر على وجهه أي اهتمام في تلك النظرة الخاطفة . . . كان الأمر كأن جارتي نادت باسمه فنظر عفويا مقررا ألا يجيب.

ضحكت جارتي محرجة وهي تنظر إلى الطاولة مثلي و قالت بصوت خفيض:" إنهم إدوارد و إيميت كولن و روزالي و جاسبر هيل. أما التي ذهبت فهي أليس كولن. إنهم يعيشون كلهم مع د. كولن و زوجته".

ألقيت نظرة جانبية على الصبي الجميل الذي كان ينظر إلى صينيته الآن و يفتت كعكة مستديرة بأصابعه الشاحبة الطويلة. كان فمه يتحرك سريعا جدا من غير أن يفتح شفتيه الرائعتين إلا قليلا جدا. ظلت أنظار الثلاثة الآخرين متجهة بعيدا لكنني شعرت أنه كان يحدثهم بصوت خافت.

قلت في نفسي إنها أسماء غريبة غير شائعة . . . أشبه بأسماء الاجداد و الجدات. لكن لعلها أسماء شائعة هنا . . . في البلدات الصغيرة! أخيرا تذكرت أن جارتي تدعى جيسيكا, وهذا اسم شائع تماما. كانت معي فتاتان باسم جيسيكا في صف التاريخ في أريزونا.

قلت جاهدة في جعل تعبيري أقل مما شعرت به فعلا:" إنهم . . . لطيفوا المظهر جدا".

ضحكت جيسيكا ثانية وقالت:"نعم . . . لكنهم كلهم معا. . . أقصد إيميت و روزالي و جاسبر و أليس. وهم يعيشون معا أيضا".

قلت لنفسي إن صوتها حمل كل ما في هذه البلدة الصغيرة من صدمة و إدانة. لكن, لكن صادقة, علي أن أعترف أن من شأن هذا أن يثير القيل والقال حتى في فينيكس نفسها.

سألتها:" من هم أبناء كولن؟ إنهم لا يبدون إخوة. . ."

"أوه! إنهم ليسوا إخوة. د. كولن ما يزال شابا. إنه في العشرينات أو في أوائل الثلاثينات. إنهم متبنون جميعا. جاسبر و رزالي هيل. . . الأشقران. . . شقيق و شقيقة. . . إنهما توأم. أمهما أخت زوجة د. كولن أو شيء من هذا القبيل. . . لقد عاشا في بيت كولن".

"لكنهما كبيران".

"إنهما كبيران الآن. جاسبر و روزالي في الثامنة عشر. لكنهما يعيشان مع السيدة كولن منذ كانا في الثامنة".

"هذا لطيف حقا. . . لطيف منها أن تهتم بهذين الطفلين على هذا النحو عندما كانا صغيرين جدا".

قالت جيسيكا من غير اهتمام:" أعتقد هذا".

شعرت أنها لا تحب الدكتور ولا زوجته. . . لسبب من الأسباب. لكن كان بوسعي الافتراض من النظرات التي كانت تلقيها على أبنائهما بالتبني أن السبب هو الغيرة. أضافت جيسيكا و كان هذا يقلل من لطافة الأمر:" اعتقد أن السيدة كولن لا تستطيع الإنجاب".

خلال هذا الحديث كله كانت عيناي تلقيان من حين لآخر نظرة خاطفة إلى الطاولة التي جلست إليها تلك العائلة الغريبة. كانوا مستمرين في النظر إلى الجدران دون أن يتناولوا الطعام.

سألتها:" هل كانوا يعيشون في فوركس دائما؟".

لو كانوا في فوركس دائما لرأيتهم بالتاكيد ذات صيف.

قالت جيسيكا بصوت يوحي أن الأمر يجب أن يكون واضحا حتى بالنسبة لقادم جديد مثلي:" لا! جاؤوا من مكان ما في ألاسكا منذ عامين فقط".

غمرتني موجة من الاشفاق. . . ومن الراحة. إشفاق لأنهم كانوا دخلاء ولأن من الواضح أنهم غير مقبولين. . . رغم جمالهم. وراحة لأنني لم اكن الوافد الجديد الوحيد هنا و لأنني لم أكن إثارة للاهتمام. . . بكل تأكيد. . . و بكل المقاييس.

بينما كنت أنظر إليهم التقت عيناي بعيني أصغرهم, أدوارد كولن, و كان الفضول واضحا في تعبيره هذه المرة. وبينما كنت أشيح بوجهي سريعا بدا لي أن نظرته نوعا من توقع لم يتحقق.

"من الصبي ذو الشعر البني المحمر؟".

نظرت إليه خلسة من زاوية عيني فوجدته مستمرا في النظر إلي. لكنه لم يكن يحدق بغباؤ كما فعل بقية الطلاب اليوم. . . كان على وجهه تعبير يوحي بشيء من الإحباط و الغضب. أطرقت برأسي ثانية.


الجزء السابع والثامن

قالت جيسيكا:" إنه إدوارد. إنه رائع طبعا. لكنه لا يواعد الفتيات فلا تضيعي وقتك معه. واضح أنه لا يعتبر أي فتاة هنا جميلة بما يكفي بالنسبة إليه".

إنها حالة واضحة من حالات العنب الحامض.متى خيب أملها يا ترى؟

عضضت شفتي حتى أخفي ابتسامتي ثم نظرت إليه ثانية. كان قد أدار وجهه, لكني شعرت أن وجنته ارتفعت قليلا كما لو أنه يبتسم أيضا.

بعد عدة دقائق نهض الأربعة وغادروا طاولتهم سوية. كانت مشيتهم رشيقة جميلة. حتى ذلك الضخم ذو الشعر البني. كان النظر إليهم معذبا. أما الذي اسمه إدوارد فلم ينظر إلي مرة ثانية.

جلست إلى الطاولة مع جيسيكا و أصدقائها وقتا أطول مما لو كنت جالسة وحدي. خفت أن اتأخر عن صفي في أول أيامي في هذه المدرسة. كانت فتاة من معارفي الجدد ذاهبة إلى صف علم الأحياء 2 مثلي وقد ذكرتني بلطف أن اسمها أنجيلا. مشينا باتجاه الصف صامتتين. لقد كانت خجولة أيضا.

عندما دخلنا الصف ذهبت أنجيلا لتجلس إلى طاولة المخبر ذات السطح الأسود. . . تماما مثل طاولات المخبر التي أعرفها. كان لديها جار على الطاولة. و الحقيقة أن كل الطاولات كانت مشغولة إلا واحدة. وإلى هذه الطاولة, قرب الممر الأوسط, كان يجلس إدوارد كولن بشعره غير المألوف و بجانبه الكرسي الفارغ الوحيد.

مشيت في الممر لأقدم نفسي إلى المدرس وأطلب توقيعه على البطاقة,لكني كنت أراقب إدوارد خلسة. وعندما مررت بجانبه تصلب في مقعده فجأة. حدق إلي ثانية فالتقت عيناه بعيني و كان على وجهه تعبير غريب جدا. . .تعبير غضب وكراهية. ادرت رأسي سريعا و أنا أشعر بصدمة. واحمر وجهي من جديد. تعثرت بكتاب ملقى في الممر فامسكت بطرف إحدى الطاولات حتى لا أقع. . . سمعت ضحك الفتاة الجالسة إليها.

لاحظت أن عينيه سوداوان. . . سوداوان كالفحم.

وقع السيد بانر على البطاقة و أعطاني كتابا دون أن يقول شيئا من تلك السخافات المتعلقة بتقديم نفسي لبقية الطلاب. شعرت أننا سننسجم معا. و بطبيعة الحال لم يكن لديه خيار إلا أن يرسلني لأجلس في المقعد الوحيد الشاغر في منتصف الغرفة. ذهبت لأجلس بجانب إدوارد دون أن أرفع نظري. و كنت محتارة بسبب النظرة المعادية التي رأيتها على وجهه.

لم أرفع نظري وأنا أضع كتابي على الطاولة و أجلس على مقعدي لكني رأيت من زاوية عيني أنه يغير وضعيته. كان يميل بجسمه مبتعدا عني جالسا على حافة كرسيه مشيحا بوجهه كما لو أنه يشم رائحة كريهة. دون وعي شممت شعري. كانت رائحته مثل رائحة الفريز . . .إنها رائحة صابوني المفضل. كانت تبدو رائحة بريئة بالقدر الكافي. تركت شعري يسقط فوق كتفي الأيمن ليصنع ستارة بيننا و حاولت الانتباه للدرس.

و لسوء حظي كانت المحاضرة عن تشريح الخلية و هذا موضوع سبق أن درسته. لكنني سجلت ملاحظاتي بعناية دون أن أرفع رأسي.

لم أستطع منع نفسي من النظر عبر ستارة شعري من حين لآخر إلى ذلك الصبي الغريب الجالس قربي. وخلال الدرس كله لم يخفف أبدا من وضعيته المتصلبة على حافة الكرسي بعيدا عني إلى أقصى ممكن. كان يضم كفه ىعلى ساقه اليسرى بقبضة محكمة. . . كانت العروق نافرة تحت جلد يده الشاحب. لم يرخ قبضته أيضا. كانت أكمام قميصه الأبيض مرفوعة حتى المرفقين. و كان ساعده يبدو صلبا مفتول العضلات تحت جلده إلى حد فاجأني. وما كان أبدا ضئيل الحجم كما بدا لي عندما كان يجلس قرب أخيه الضخم.

لم أشعر بطول ذلك الدرس أكثر من غيره. لعل ذلك لأن اليوم كان يشارف على النهاية أخيرا, أو لعله لأنني كنت انتظر قبضته المشدودة حتى تسترخي؟ لكنها لم تسترخي أبدا. لقد ظل جالسا دون أي حركة حتى كأنه لم يكن يتنفس. ما مشكلته؟ هل هذا هو سلوكه الطبيعي؟ راجعت حكمي بشأن ما رأيته من مرارة جيسيكا وقت الغداء. لعلها لم تكن تكرهه كما ظننت.

لا علاقة للأمر بي إطلاقا. إنه لا يميز بيني وبين أي فتاة أخرى.

استرقت النظر إليه مرة أخرى, لكني ندمت على ذلك. كان يحدق بي ثانية و الاشمئزاز يملأ عينيه السوداوين. ابتعدت عنه بأقصى ما استطعت ملتصفة بمقعدي و مرت بذهني فجأة عبارة( لو كانت النظرات تستطيع القتل !).

رن الجرس عاليا في تلك اللحظة فجعلني اجفل. قام إدوارد كولن من مقعده واقفا بليونة. . . كان أطول بكثير مما ظننت . . .كان ظهره باتجاهي. وخرج من الباب حتى قبل أن ينهض أحد من مقعده.

جلست في مقعدي متجمدة أحدق في إثره بنظرات فارغة. لقد كان وضيعا. ليس الامر عادلا هكذا. بدأت اجمع أشيائي ببطء محاولة كبت الغضب الذي ملأني لأنني خفت أن تفر الدموع من عيني. لسبب لا أعرفه كان مزاجي شديد الارتباط بدموعي. و عادة ما كنت أبكي عند الغضب. . . إنه ميل مخزي.

سمعت صوتا ذكوريا يسألني:"ألست ىإيزابيلا سوان؟".

نظرت فرأيت صبيا ظريفا له وجه طفل. كان شعره الأشقر الشاحب مصففا بالجل على شكل حزم نافرة. و كان يبتسم لي ابتسامة ودية. واضح أنه لا يجد رائحتي سيئة.

صححت قوله مبتسمة :" اسمي بيلا".

"أنا مايك".

"أهلا مايك".

"هل أنت بحاجة إلى مساعدة للعثور على مكان درسك التالي؟".

"أنا ذاهبة إلى قاعة الرياضة في الواقع. أعتقد أنني أستطيع العثور عليها".

"أنا ذاهب إليها أيضا".

بدا مسحور بهذه المصادفة مع أنها ليست مصادفة غريبة في مدرسة صغيرة إلى هذا الحد.

مشينا إلى قاعة الرياضة معا. لقد كان كثير الكلام. . . تولى معظم الحديث بنفسه, وهذا ما جعل الأمر اسهل بالنسبة لي. لقد عاش في كاليفورنيا حتى بلغ العاشرة و لهذا كان يعرف كيف أشعر هنا بسبب غياب الشمس. و اتضح أنه معي في صف اللغة الإنكليزية أيضا. كان ألطف شخص أقابله اليوم.

لكنه سألني بينما كنا ندخل إلى قاعة الرياضة:" هل طعنت إدوارد كولن بالقلم أم ماذا؟ لم أره يتصرف على هذا النحو من قبل".

انكمشت على نفسي خوفا. لست وحدي من لاحظ الأمر إذن. ومن الواضح أن هذا السلوك لم يكن سلوك إدوارد كولن المعتاد. قررت التظاهر بالغباء.

سألته على نحو اخرق:"هل هو الصبي الذي كان يجلس بجانبي في درس الأحياء؟".

"نعم! بدا كأنه متألم. . . أو شيء من هذا القبيل".

"لا أعرف. . . أنا لم أتكلم معه".

تباطأ مايك بجانبي بدل أن يذهب إلى غرفة تبديل الملابس و قال: "إنه شخص غريب. لو كنت محظوظا و جلست بجانبك لتحدثت معك طبعا!".

ابتسمت له قبل أن أذهب إلى غرفة تبديل ملابس الفتيات. كان ودودا. من الواضح أنه معجب بي. لكن هذا لم يكن كافيا لتبديد انزعاجي.

وجد مدرس الرياضة, المدرب كلوب, ملابس رياضية من أجلي لكنه لم يطلب مني ارتداءها في حصة اليوم. في مدرستي السابقة كان درس الرياضة مطلوبا منا سنتين فقط. أما هنا فهو إجباري مدة أربع سنوات. كانت فوركس جحيمي على الأرض بالمعنى الحرفي.

رحت أراقب أربع مباريات في الكرة الطائرة تجري في وقت واحد. و تذكرت كثرة الإصابات التي لحقت بي, و التي ألحقتها بغيري, خلال لعب الكرة الطائرة. شعرت بشيء من الغثيان.

رن جرس الإنصراف أخيرا. مشيت ببطء إلى المكتب حتى أعيد البطاقة. كان المطر قد توقف, لكن الريح كانت أكثر شدة و برودة لففت ذراعي حول جسدي.

عندما دخلت المكتب الدافئ كدت أستدير على عقبي و أخرج فورا.

كان إدوارد كولن واقفا أمامي عند المكتب. لقد عرفته فورا من شعره المشعث البرونزي. لم يبد عليه أنه لاحظ دخولي. وقفت ملتصقة بالجدار خلفه وانتظرت حتى تفرغ موظفة الاستقبال من الحديث معه.

كان يجادلها بصوت منخفض جذاب. وسرعان ما فمهت موضوع جدالهما. إنه يريد تغيير موعد ساعات علم الأحياء الست إلى وقت آخر . . . أي وقت آخر.

لم أصدق أن الأمر يتعلق بي. لابد أن في الأمر شيئا آخر. شيء حدث قبل دخولي صف علم الأحياء. لابد أن تلك النظرة على وجهه كانت بسبب أمر آخر تماما. مستحيل أن يكون هذا الغريب قد اتخذ مني موقف الكره الشديد المفاجئ إلى هذا الحد.

انفتح الباب ثانية واندفعت ريح باردة مفاجئة إلى الغرفة مبعثرة الأوراق فوق المكتب وجعلت شعري يرفرف فوق وجهي. اكتفت الفتاة التي دخلت بأن بلغت المكتب فوضعت ورقة في السلة ثم خرجت. لكن ظهر غدوارد كولن تصلب ورأيته يستدير ببطء و يحدق إلي. . . كان و جهه وسيما على نحو غريب. . .و كانت نظرة الكراهية تملأ عينيه الثاقبتين. ولوهلة . . . شعرت بنوبة من الخوف الحقيقي جعلت شعري يقف. لم تدم تلك النظرة إلا ثانية واحدة لكنها جعلتني أشعر ببرد أشد من برد الريح الصقيعية. استدار إدوارد إلى موظفة الاستقبال وقال متعجلا بصوت مخملي:" لا بأس إذن. أفهم أن الأمر مستحيل. أشكرك كثيرا على مساعدتك".

استدار على عقبيه دون أن يلقي باتجاهي نظرة أخرى و خرج من الباب.

مشيت ببطء إلى المكتب وقد امتقع وجهي بدلا من أن يحمر. ناولتها البطاقة الموقعة فسألتني بصوت أمومي:" كيف كان يومك الأول في المدرسة يا عزيزتي؟".

كذبت قائلة بصوت خافت:" جيد". فلم يبد عليها أي اقتناع.

عندما و صلت إلى سيارتي وجدت أنها آخر سيارة باقية في الموقف تقريبا. شعرت أنها ملاذ آمن لي فهي أقرب شيء إلى منزلي في هذه البقعة الخضراء المشبعة بالرطوبة. جلست داخل السيارة قليلا مكتفية بالتحديق عبر زجاجها على غير هدى. لكنني سرعان ما شعرت بالبرد و بالحاجة إلى تشغيل التدفئة. أدرت المفتاح فانطلق المحرك مزمجرا. قدت السيارة عائدة إلى منزل تشارلي أحاول كبت دموعي طوال الطريق.

ألم الخريف
07-15-2010, 10:27 PM
و بكذا اعزائي تم الفصل الاول ^__^


و ان شاء الله انزل الفصل الثاني بكره لو شفت تفاعل منكم

assy9090
07-15-2010, 10:38 PM
طبعا يا دودو كملى الفكرة تجنن
وعلى الموضة كمان
حتى اسالى البوكس اوفيس
ههههههههههههههههههههههههههههههههه

lala905
07-15-2010, 11:05 PM
ششششششششششششششششششكرا اكملي عزيزتي

دلوعهـ
07-15-2010, 11:11 PM
يا سلااام يا سلااام ياسلااام

كنت بحسبك اتهزرى فى التغطيه

بس طلع الكلام جد والحين صار بدك تعليق على باب المنتدى ههههههههههههه

امزح معك يا عسل

مجهووووووودك رااائع والقصه معاك جونااااااااااااااااان

خلاص انا من متابعينك يا ديو لا تخافى

دايما موجوده معك

وكملى يا قمر

بانتظار الفصل التانى

اموااااااااااااااااااااااااااااااه

zanouba
07-15-2010, 11:29 PM
مساء النور
إيه النشاط دة كله يا ديو إيه الروعة دي
كملي الرواية يا قلبي وأحنا كلنا معاك لغاية النهاية
لأن القصة رررررررررررررررائعة وفكرتك أروع
ومستنية الفصل التاني على ناااااااااااااااااااااار:lonely-cry::lonely-cry::lonely-cry::lonely-cry::lonely-cry::lonely-cry::lonely-cry::lonely-cry::lonely-cry::lonely-cry::lonely-cry::lonely-cry::lonely-cry::lonely-cry:

engel_eyes
07-16-2010, 12:05 AM
شكررررررررا ياررررررررروحى انتى على الرواية الرائعة بجد رائعة شكرا ليكى

لوجى
07-16-2010, 12:08 AM
رااااااااااااااااااائع رائع
كملى بسرعه لو سمحت

أم حبيبة 1
07-16-2010, 12:23 AM
شكرا حبيبتى على الرواية وفى انتظار الباقى

hodhod_ali
07-16-2010, 01:29 AM
تسلمى حبيبتى وكملى كملى انا منترا الفصل الثانى على ناااااااااااااااررررررررررررر

تركيه
07-16-2010, 03:16 AM
تسلم ايدك فعلا بجد انا كل اللي بحب اعرفه بلاقيه هنا تلم ايديكوا كلكوا :)

نعنوشة
07-16-2010, 03:31 AM
الله يعطيك الصحة والعافية

روانكوزى
07-16-2010, 03:47 AM
بصراحة انا معرفش القصة ولا من الى طلبوها بس شكرا على تلبية طلبات الاعضاء وعلى المجهود الجبار الى انتى عملاة شكررررررررررررررررا وعجبتنى جدا على الرغم انى ما بحبش القراءة

hanina
07-16-2010, 04:02 AM
يسلمو حبيبتي على المجهود الرائع
القصة حلوة كتيير قرتها بالفرنسي
ترجمتك رائعة يا قلبي

assy9090
07-16-2010, 09:09 AM
ديووووووووووووووووووووووووووووووووووو
انتى لسة نايمة
انا ماصدقت طلع الصبح عشان نكمل
يالا بسرررررررررررررررعة يا قمر

Belqis
07-16-2010, 02:14 PM
راااائعه حبيبتي اكملي بسرعه شوقتنا

ندى الروح
07-16-2010, 02:53 PM
رووووووووووووووووعه الروايه
انا حضرتها فلم
وكان حلو كتير
بس قراءتها في تشويق حلو
شكرا يا قمر

ألم الخريف
07-16-2010, 03:11 PM
شكرا اعزائي علي تشجيعكم ليا وكل يوم رح حط فصل كامل

ألم الخريف
07-16-2010, 03:17 PM
الفصل الثاني

الباارت الاول

كتاب مفتوح


كان اليوم التالي أفضل ... أسوأ...
كان أفضل لان المطر لم يبدأ بعد رغم الغيوم الكثيفة القاتمة . وكان أفضل لانني عرفت مالذي يمكنني توقعه في يومي . جلس مايك بجانبي في درس اللغة الانكليزية وسار معي الى مكان درسي التالي تحت أنظار أريك الذي كان يحدق فيه طوال الوقت ... وكان هذا كفيلاً بأن يجعل أي فتاة تشعر بالاطراء . لم يكن الناس ينظرون الي كثيراً كما فعلوا أمس . جلست لتناول الغداء ضمن مجموعة كبيرة كان فيها مايك وأريك وجيسيكا وأشخاص كثيرون أتذكر الان أسماءهم ووجوههم . بدأت أشعر أنني أقفز فوق الماء ولا أغرق فيه .
وكان أسوأ لاني كنت متعبة . كنت ماأزال عاجزه عن النوم وأنا أسمع الريح تصفر حول المنزل . وكان أسوأ لان الاستاذ فارنر طلب مني الاجابة في درس المثلثات مع أنني لم أرفع يدي فكانت أجابتي خاطئة . وكان يومي بائساً لاني اضطررت الى لعب الكرة الطائرة ، وعندما لم أفر من طريق الكرة... ضربتها فأصابت زميلتي في رأسها . ظهرتُ بمظهر فظيع ... رغم جبني ...
لكنني عندما دخلت الى الكافتيريا مع جيسيكا وأنا أمنع عيني عبثاً من مسح المكان بحثاً عنه رأيت أفراد مجموعته الاربعة جالسين معاً على الطاولة نفسها . أما هو فلم يكن معهم .
لاقانا مايك وأخذنا الى طاولته . بدت جيسيكا مستمتعته بهذا الاهتمام . وسرعان ماانضم أصدقاؤها الينا أيضاً . لكنني كنت غير مرتاحة أبداً رغم محاولتي الاصغاء الى ثرثرتهم... لقد كنت أنتظر لحظة وصوله متوترة . وكنت أمل أن يتجاهلني عند دخوله فيثبت عدم صحة شكوكي .
لكنه لم يأت وراح توتري يتزايد مع مرور الوقت . ذهبت الى درس البيولوجيا وأنا أشعر بثقةٍ أكبر لانه لم يظهر حتى نهاية ةقت الغداء .
مشى معي مايك الذي كان يتخذ هيئة المنقذ الوفي أكثر فأكثر . حبست أنفاسي عند الباب ، لكن أدوارد كولن لم يكن هناك أيضاً . تنفست الصعداء ومضيت الى مقعدي . سار مايك خلفي متحدثاً عن الرحلة الموعودة الى شاطىء البحر . وظل يتلكأ عند طاولتي حتى قُرع الجرس . ثم ابتسم لي أبتسامة كئيبة ومضى فجلس بجانب فتاة ذات تسريحة شعر بشعة . شعرت أن علي أن أفعل شيئاً بشأن مايك ...
وأن هذا الشيء لن يكون سهلاً . في بلدةٍ مثل هذه ، حيث يعيش الناس في أحتكاك كبير تكون الدبلوماسية أمراً جوهرياً . لم أكن شديدة البراعة في هذة النقطة ، ولم تكن لي خبرة في التعامل مع صبيان يكثرون التودد لي.
شعرت بالراحة لاني كنت وحدي على الطاولة ولان أدوارد كان غائباً . قلت ذلك لنفسي مراراً . لكنني لم أستطع التخلص من ذلك الشك الملح الذي جعلني أظن أنني كنت السبب في عدم وجوده هناك . أنه أمر سخيف .. أناني .. أن أعتقد أنني يمكن أن أؤثر على أي شخص بتلك القوة . هذا مستحيل .
عندما أنتهى يومي المدرسي أخيراً ... وعندما خف احمرار وجهي بسبب تلك الحادثة في ملعب الكرة الطائرة ، بدلت ثيابي بسرعة فارتديت بنطلون الجينز والسترة الزرقاء وخرجت مهرولة من غرفة تبديل الملابس مسروره لاني نجحت في تفادي صديقي المنقذ في تلك اللحظة . خرجت مسرعة الى موقف السيارات . كان المكان مزدحماً بالطلاب المغادرين . جلست في شاحنتي الصغيرة ورحت أبحث في حقيبتي لاتأكد من أن فيها مايلزمني .

الفصل الثاني

الباارت الثاني

أدركت في الليلة الماضية أن تشارلي ماكان يستطيع طبخ أي شيء يجاوز البيض المقلي مع اللحم . لذلك طلبت منه أن أتولى مايتعلق بالمطبخ خلال فترة إقامتي معه . أعجبه ذلك فناولني مفاتيح غرفة الطعام . وقد أكتشفت أيضاً أن البيت خالٍ من الطعام . لذلك وضعت قائمة تسوق وأخذت بعض النقود من علبة في الخزانة كتب عليها (( نقود الطعام )) . وكان علي الان أن أذهب إلى متجر ثريفتواي .
شغلت محرك سيارتي الذي يصم الاذان متجاهلة تلك الرؤوس التي استدارت باتجاهي وتراجعت بالسيارة فجعلتها تقف في صف السيارات التي تنتظر الخروج من الموقف . وبينما كنت أنتظر محاولة التظاهر بأن ذلك الضجيج المخيف كان يأتي من سيارة شخص غيري شاهدت الاخوين كولن والاخوين هيل يركبون سيارتهم . كانت سيارتهم هي تلك الفولفو اللامعة . نعم ، طبعاً . لم أكن قد لاحظت ملابسهم من قبل لانني كنت مذهولة بوجوههم . أما الان فرأيت بوضوح أن ملابسهم كانت جيدة على نحو استثنائي . كانت ثياباً بسيطة لكنها توحي بوضوح بأنها من صنع مصمم معروف . وحتى لو كانوا يرتدون خرقاً وأسمالاً لما قللت من حسنهم ومن جمال حركتهم . بدا لي أن من المبالغة أن يجمعوا الحسن والمال معاً . لكن الحياة تكون هكذا معظم الاوقات ، حسب معرفتي . يبدو أن ذلك كله لم يستطع أن يحقق لهم القبول هنا .
لا ، لم أكن أعتقد ذلك تماماً . لابد أن تلك العزلة جاءت بسبب رغبتهم هم أنفسهم . لم أكن لاتخيل أن باباً يمكن أن يظل موصداً في وجه هذا الجمال كله .
عندما مررت بجانبهم نظروا إلى سيارتي ذات الضجيج ، تماماً كما كان الجميع ينظرون اليها . ظللت أنظر أمامي وشعرت بالراحة عندما غادرت أرض المدرسة أخيراً .
لم يكن متجر ثريفتواي بعيداً عن المدرسة بل كانت شوارع قليلة تفصله عنها إلى جنوب الطريق السريع . شعرت بالراحة عندما دخلت ، لقد بدا المكان عادياً . كنت أقوم بالتسوق عندما عشت مع أمي . وسرعان مااندمجت في هذه المهمة المألوفة . كان المتجر كبيراً إلى حد جعلني لاأسمع صوت المطر على سقفه لاتذكر أين أنا .
عندما عدت إلى المنزل أفرغت مشترياتي الكثيرة من الاطعمة في كل مكان . آمل أن لايمانع تشارلي في هذا . لففت بعض حبات البطاطا برقائق الالمنيوم ووضعتها في الفرن ثم غلفت شرائح اللحم ووضعتها فوق صندوق البيض في البراد .
وعندما انتهيت حملت حقيبة كتبي إلى الاعلى . وقبل أن أبدأ مراجعة دروسي بدلت ثيابي ورفعت شهري المبلل فلففته فوق رأسي وتفقدت بريدي الالكتروني للمرة الاولى . كانت لدي ثلاث رسائل .
كتبت أمي :
(( بيلا ! إكتبي لي فور وصولك . أخبريني كيف كانت سفرتك بالطائرة . هل تمطر عندكم ؟ اشتقت إليك منذ الان . أكاد أفرغ من حزم حقائبي من أجل الذهاب إالى فلوريدا ، لكنني لم أجد قميصي الوردي . هل تعرفين أين وضعته ؟ تحية من قبل . أمك ))
تنهدت ومضيت إلى الرسالة التالية فوجدت أن أمي أرسلتها بعد ثماني ساعات من إرسال الاولى .
(( بيلا ... لماذا لم تجيبي على رسالتي حتى الان ؟ لماذا تنتظرين ؟ أمك ))
أما الرسالة الثالثة فكانت واردة هذا الصباح :
(( إيزابيلا ... إذا لم أتلق منك شيئاً حتى الخامسة والنصف بعد ظهر اليوم فسوف أتصل بتشارلي ))
نظرت إلى الساعة فوجدت أنها تقارب الرابعة والنصف . لكني كنت أعرف طبع أمي العجول . فكتبت :
(( أمي ... اهدائي ... سأكتب لك فوراً . لاتتسرعي . بيلا ))
أرسلت هذه الرسالة ثم بدأت الكتابة من جديد .
(( أمي
الامور على أحسن مايرام . إنها تمطر طبعاً كنت أنتظر أن يحدث شيء حتى أكتب لك عنه . المدرسة ليست سيئة باستثناء بعض التكرار الممل . قابلت أولاداً وبناتاً لطيفين يجلسون معي وقت الغداء .
قميصك الوردي في محل تنظيف الملابس ... كان يجب أن تأخذيه يوم الجمعة .
لقد اشترى تشارلي لي سيارة ، شاحنة صغيرة ... فهل تصدقين هذا ؟ لقد أحببتها . إنها قديمة لكنها قوية فعلاً ، وهذا أمر جيد بالنسبة لي كما تعرفين .
اشتقت إليك أيضاً . وسأكتب لك قريباً ، لكنني لن أتفقد بريدي كل خمس دقائق . تنفسي بعكق واسترخي ... أحبك
بيلا ))
قررت أن أقراأ (( مرتفعات ويذرينغ )) ( الرواية التي ندرسها الان في صف اللغة الانكليزية ) . لكنني كنت أقرأها لانني استمتعت بها ... هذا ماكنت أفعله عندما عاد تشارلي إلى المنزل . لم أنتبه إلى الوقت طيلة قراءتي . أسرعت إلى الاسفل وأخرجت البطاطا من الفرن ووضعت شرائح اللحم فيه .
صاح أبي عندما سمعني أهبط درجات السلم : (( بيلا ! ))
ومن غيري ؟ قلت في نفسي .
(( أهلا أبي ، أهلا بعودتك )) .
(( شكراً ))
علق أبي حزام مسدسه وخلع حذاءه الطويل بينما كنت أعمل في المطبخ . لم يسبق له أن استخدم مسدسه في عمله ، حسب علمي ! لكنه كان جاهزاً دائماً . عندما كنت أتي إلى هنا وأنا صغيرة كان أبي يفرغ المسدس من الطلقات فور دخوله المنزل . أعتقد أنه يعتبرني الان كبيرة إلى حد يحميني من إطلاق النار على نفسي مصادفة ، وأظن أنه لايراني مكتئبة إلى حد يجعلني أطلق النار على نفسي عمداً .
سألني بحذر : (( ماذا لدينا من أجل الغداء ؟ )) . كانت أمي طباخة مبدعة ، لكن تجاربها لم تكن مقبولة دائماً . لقد فوجئت ، وشعرت بالحزن لانه بدا وكأنه يذكر ذلك الزمن البعيد .
أجبته : لدينا بطاطا مع شرائح اللحم . فبدا عليه الارتياح .
أحسست أنه يشعر بعدم الارتياح بسبب ووفه في المطبخ دون أن يفعل شيئاً . ذهب إلى غرفة المعيشة ليشاهد التلفزيون بينما كنت أعمل في المطبخ . الوضع هكذا أكثر راحة لي وله . حضرت السلطة ريثما تنضج شرائح اللحم ، ثم أعددت طاولة الطعام .
ناديته عندما صار الطعام جاهزاً فقال باستحسان واضح وهو يدخل غرفة الطعام : (( رائحة شهية يابيلا )) .
(( شكراً )) .
بدأنا نتناول الطعام وطللنا صامتين عدة دقائق . ماكان هذا ازعجني . وماكان أحد منا يكره الهدوء . على نحو ما ، كنا نصلح للعيش معاً .
سألني وهو يعدل ملء صحنه : (( هل أحببت المدرسة ؟ وهل صار لك أصدقاء فيها ؟))
(( لدي عدة دروس مع فتاة اسمها جيسيكا . وأنا أجلس مع أصدقائها وقت الغداء . تعرفت على ولد اسمه مايك ، وهو ودود جداً . يبدو الجميع في غاية اللطف )) . مع وجود استثناء بارز وحيد .
(( لابد أنه مايك نيوتن . ولد لطيف ... أسرة لطيفة . يملك والده محل المعدات الرياضية عند مدخل البلدة . وهو يحقق دخلاً جيداً من جميع هؤلاء الرحالة الذين يمرون ببلدتنا )) .
سألته مترددة : (( هل تعرف أسرة كولن ؟ ))
(( أسرة الدكتور كولن ؟ طبعاً ! الدكتور كولن رجل عظيم )).
(( إنهم ... أبناؤه ... مختلفون قليلاً . يبدو أنهم غير منسجمين تماماً في المدرسة )) .
فاجأتني نظرة الغضب التي بدت على وجه تشارلي .
دمدم قائلاً :(( ياللناس في هذه البلدة ! الدكتور كولن جراح لامع . ولعله يستطيع العمل في أي مستشفى في العالم فيجني عشرة أضعاف راتبه هنا )) . وتابع يقول بصوت أعلى : نحن محظوظون لانه موجود معنا ... محظوظون لان زوجته قبلت العيش في هذه البلدة الصغيرة . إنه رصيد ثمين في مجتمعنا . وجميع أبنائه مهذبون لطيفون . كانت لدي بعض الشكوك عندما جاؤوا إلى البلدة ... كل هؤلاء المراهقين المتبنين . وظننت أنهم يمكن أن يسببوا بعض المشاكل . لكنهم ناضجون جداً . وهذا مالا أستطيع قوله عن أبناء بعض الناس الذين يعيشون في بلدتنا منذ أجيال . إن أسرة كولن متماسكة كما ينبغي للاسرة أن تكون ...
يذهبون في رحلة تخييم كل أسبوعين ... لكن الناس يكثرون الكلام لمجرد أنهم وافدون جدد .
كان ذلك أطول حديث أسمعه من تشارلي في حياتي كلها . لابد أنه منزعج من كلام الناس .
سايرته قائلةً : (( لقد بدوا لطيفين بالنسبة لي لكنني لاحظت أنهم منعزلون لايخالطون الاخرين . وهم جذابون جداً )) . قلت العبارة الاخيرة محاولة إظهار إعجابي بهم .
قال تشارلي ضاحكاً : (( يجب أن تري الدكتور كولن . لحسن حظنا أنه متزوج وسعيد مع زوجته . إن أكثر الممرضات في المستشفى يجدن صعوبة في التركيز على العمل عندما يكون موجوداً معهن )) .
عدنا إلى الصمت ثانيةً فيما كنا ننهي طعامنا . قام تشارلي بتنظيف الطاولة بينما كنت أجلي الصحون . ثم عاد إلى التلفزيون . وبعد أن انتهيت من الجلي بيدي ( ليس لدينا جلاية صحون ) صعدت إلى غرفتي لاعمل على واجب الرياضيات . شعرت أن نوعاً من التقليد بدأ يتكون بيننا .
كانت هذه الليلة هادئةً أخيراً . غفوت بسرعة لانني كنت مرهقة جداً .
بقية الاسبوع مرت من غير أحداث . رحت أعتاد تكرار الدروس . ومع حلول الجمعة صرت قادرة على معرفة جميع طلاب المدرسة ، وإن ليس بالاسم . أما في الصالة الرياضية فقد فهم أفراد فريقي أنهم يجب الا يرموا الكرة باتجاهي وأن عليهم المرور من أمامي بسرعة فائقة اذا حاول الفريق الخصم الاستفادة من ضعفي ... كنت سعيدة بذلك .
لم يعد إدورد كولن إلى المدرسة .
وفي كل يوم كنت أجلس قلقة أراقب بقية أبناء كولن وهم يدخلون إلى الكافتيريا من دونه . عند ذلك كنت أسترخي وأشارك الناس الحديث على طاولة الغداء . كان أكثر الكلام يتركز على الرحلة بعد أسبوعين إلى منتزه لابوش على ساحل المحيط ، وهي الرحلة التي كان مايك يرتبها .
كنت مدعوة! وقد وافقت على الذهاب أدباً لا رغبة ... يجب يكون الشاطئ حاراً وجافاً .



وبحلول يوم الجمعة صرت أشعر براحة تامة عندما أدخل صف البيولوجيا . ولم أعد قلقة من وجود إدوارد فيه . ظننت أنه ترك المدرسة . وحاولت عدم التفكير فيه . لكنني لم أستطع أن أتخلص تماماً من فكرة كانت تقلقني ، مهما تكن سخيفة وهي أنني السبب في غيابه .
مرت عطلة الاسبوع الاولى من دون أي حادث . أما تشارلي الذي لم يكن معتاداً على قضاء الوقت في المنزل الذي يكون فارغاً عادة فقد أمضى معظم العطلة في العمل . نظفت المنزل وأنجزت معظم واجباتي المدرسية وكتبت رسالة أكثر بهجة لامي . ثم ذهبت بالسيارة إلى المكتبة العامة يوم السبت لكنني وجدتها فقيرة إلى درجة جعلتني لا اهتم بالحصول على بطاقة ارتياد المكتبة . علي تحديد موعد قريب لزيارة أولمبيا أو سياتل لابحث عن مكتبة جيدة . فكرت في استهلاك سيارتي من البنزين . وجعلني ذلك أرتجف خوفاً .
ظل المطر يهطل طيلة العطلة لكنه كان خفيفاً هادئاً فاستطعت أن أنام جيداً .
وفي صباح الاثنين حياني الطلاب عند موقف السيارات في المدرسة . لم أكن أعرف أسماءهم كلهم ، لكنني رددت تحية الجميع وابتسمت لهم . كان الطقس أكثر برودة هذا الصباح ، لكنني سررت لانها لم تكن تمطر . وفي درس اللغة الانكليزية جلس مايك قربي كعادته .
كان لدينا أختبار سريع عن رواية (( مرتفعات ويذرينغ )) كان اختباراً بسيطاً ... سهلاً جداً . على وجه الاجمال كنت أشعر بقدر من الراحة أكبر بكثير مما توقعته عند هذه النقطة . بل أكثر مما توقعته في هذه البلدة . عندما خرجنا من الصف كانت ندف بيضاء تحوم في الهواء . سمعت الناس يتصايحون مستثارين . صفعت الريح الباردة وجنتي وأنفي .
قال مايك : (( واو ! الثلج يهطل )) .
نظرت إلى تلك الندف القطنية البيضاء الصغيرة التي تتجمع على الممرات وتحوم عشوائياً أمام وجهي .
(( آه ! )) إنه الثلج . هكذا ضاع نهاري الجيد .
نظر مايك إلي مستغرباً : (( الا تحبين الثلج ؟))
(( لا . هذا يعني أن الجو صار بارداً جداً وأن المطر لن يهطل بعد الان )) . هذا واضح . (( كنت أظن أن الثلج يجب أن يهطل على شكل ندف كبيرة . كما تعلم ، ندف متماثلة ... أما هذه الندف فهي مثل النقاط )) .
سألني غير مصدق : (( ألم تري ثلجاً يهطل من قبل ؟))
(( رأيته طبعاً )) . توقفت لحظة ثم قلت : في التلفزيون .
ضحك مايك . ثم أصابت مؤخر رأسه كرة طرية من الثلج . استدرنا معاً لنرى من أين جاءت . شككت في إريك الذي رأيته يسير مبنعداً عنا في غير اتجاه صفه . من الواضح أن الفكرة نفسها خطرت في بال مايك فانحنى وبدأ يجمع حفنة كبيرة من الثلج .
تابعت السير وقلت : (( أراك وقت الغداء . أنا أذهب إلى الداخل عندما يبدأ الناس رمي كرات الثلج ))
لم يجبني الا بهزة من رأسه فيما كانت عيناه معلقتان بإريك .
وفي خلال الصباح كله كان الجميع يتحدث بحرارة عن الثلج . من الواضح أن هذا أول هطول للثلج في السنة الجديدة . لكنني احتفظت بفمي مغلقاً . صحيح أن الثلج أكثر جفافاً من المطر ... حتى يبدأ الذوبان في جوربيك .
ذهبت إلى الكافيتريا مع جيسيكا بعد درس اللغة الاسبانية . كنت متوترة حذرة لان كرات الثلج كانت تتطاير في كل مكان . كنت أحمل بيدي دفتراً حتى أحمي به وجهي عند الضرورة . ظنت جيسيكا أنني فرحة جداً بالثلج ، لكن شيئاً في تعبير وجهي منعها من أن ترميني بكرة ثلج هي أيضاً .
لحق بنا مايك عندما كنا على وشك دخول الكافيتريا . كان ضاحكاً ، وكان الثلج يذوب في شعره . وبينما كنا نقف في الدور لشراء الطعام راح مايك يتحدث بحرارة مع جيسيكا عن اللعب بالثلج . ألقيت نظرة خاطفة إلى الزاوية ... بحكم العادة . وعندا وقفت متجمدة في مكاني . كان على تلك الطاولة خمسة أشخاص .

ألم الخريف
07-16-2010, 03:21 PM
الجزء الثاني ..

الباارت الثالث ..


جذبتني جيسيكا من ذراعي وقالت : (( بيلا . ماذا تريدين ؟))
أطرقت براسي . شعرت بالحرارة في أذني . ورحت أذكر نفسي أن مامن شيء يدعو إلى القلق ... لم أفعل شيئاً خاطئاً .
سأل مايك جيسيكا : (( ماذا بها ... بيلا ؟))
أجبته : (( لا شيء . لاأريد الا صودا اليوم )) . وقفت في آخر صف المنتظرين .
سألتني جيسيكا : (( ألست جائعة ؟))
قلت لها ونظري مازال إلى الارض : أشعر أنني لست على مايرام .
انتظرت حتى أخذوا طعامهم ثم مشيت خلفهم إلى الطاولة وأنا أنظر إلى قدمي .
بدأت أرتشف الصودا بهدوء وأنا أحس بتقلصات معدتي . سألني مايك مرتين ، باهتمام لا ضرورة له ، أن كنت أشعر بتحسن .
قلت له أن الامر عارض لا يستحق القلق ، لكنني كنت أتساءل : أليس من الافضل أن أمضي في لعبتي هذه وأهرب إلى غرفة الممرضة فأمضي فيها الساعة القادمة ؟
ماأسخفني ! ... لماذا أهرب ؟
قررت أن أسمح لنفسي بنظرة سريعة إلى طاولة أسرة كولن . اذا كان ينظر إلي فسأهرب من درس البيولوجيا . هكذا أنا ... جبانة !
نظرت من خلال أهدابي دون أرفع رأسي . لم يكن أحد منهم ينظر في هذا الاتجاه . رفعت رأسي قليلاً .
كانوا يضحكون . كان شعر إدوارد وجاسبر وإيميت مشبعاً بالثلج الذائب . وكانت أليس وروزالي تميلان مبتعدتين عن إيميت الذي راح يهز شعره المبتل بالماء باتجاههما . كانوا مستمتعين بذلك اليوم المثلج ... تماماً مثل الجميع ... الفارق فقط هو أنهم كانوا مثل مشهد من فيلم سينمائي ... ليس مثلنا !
لكن ، كان ثمة شيء مختلف ، بصرف النظر عن الضحك والبهجة . ولم أستطع تحديد ذلك الشيء المختلف . تفحصت إدورد بدقة أكبر . كان لون جلده أقل شحوباً ( لعل هذا بسبب اللعب بالثلج ) وكانت الدوائر الداكنة تحت عينيه أقل ظهوراً . لكن ، كان هناك شيء آخر .رحت أحدق فيه مفكرة ، محدقة ، محاولة تمييز ذلك الشيء .
تدخلت جيسيكا وهي تتعقب نظراتي بعينيها : (( بيلا ! ماالذي تحدقين فيه ؟ ))
في تلك اللحظة تحديداً رفع نظره فالتقت عيناه بعيني .
أطرقت برأسي سريعاً فغطى شعري وجهي . كنت واثقة ، رغم قصر لحظة التقاء أنظارنا ، أنه لم ينظر إلي نظرة قاسية غير ودية كما كان الامر عندما رأيته آخر مرة . بدا الفضول في نظرته فحسب ... بدا كأنه يريد أن يعرف شيئاً .
قالت جيسيكا في أذني ضاحكةً : (( إدوارد كولن ينظر إليك ! ))
لم أستطع منع نفسي من سؤالها : (( هل يبدو غاضباً ؟))
((لا! )) قالت جيسيكا مستغربة سؤالي : (( لماذا يكون غاضباً ؟))
قلت بصوت خافت : أعتقد أنه لايحبني . مازلت أشعر بالغثيان وضعت رأسي على ذراعي .
(( أولاد كولن لايحبون أحداً ... إنهم لا يلاحظون وجود أحد حتى يحبونه . لكنه مازال ينظر إليك )) .
همست : كفي عن النظر إليه .
ضحكت ضحكة مكبوتة ، لكنها أشاحت بنظرها عنه . رفعت رأسي بالقدر الكافي حتى أتأكد أنها لم تعد تنظر إليه ... فكرت في استخدام العنف إن لم تستجب .
قاطعنا مايك في تلك اللحظة ... كان يخطط لمعركة تراشق بالثلج في موقف السيارات بعد المدرسة وأرادنا أن نشترك فيها . وافقت جيسيكا متحمسة . كانت طريقة نظرها إلى مايك لاتترك مجالاً للشك في أنها توافق على كل مايقترحه . بقية صامتة. كان علي أن أختبىء في الصالة الرياضية حتى يخلو موقف السيارات من الناس .
حرصت خلال مابقي من فترة الغداء على إبغاء نظري ممراً إلى الطاولة . قررت الوفاء بما قطعته على نفسي . بما أن الغضب لايبدو عليه فسوف أذهب إلى درس البيولوجيا . شعرت بتقلصات الخوف في معدتي لفكرة جلوسي قريبة منه مرة أخرى .
لم أكن أرغب في الذهاب إلى الصف برفقة مايك كما تعودنا ( كان يبدو هدفاً مرغوباً لدى رماة كرات الثلج ) . وعندما ذهبنا إلى الباب شهق الجميع معاً .. الا أنا ! كان المطر يهطل غاسلاً بقايا الثلج . كانت خطوط من الماء المثلج تجري على امتداد الممر . رفعت قبعة سترتي فوق رأسي محاولة إخفاء سروري . صرت الان حرة في الذهاب إلى المنزل فور انتهاء درس الرياضة .
ظل مايك يشتكي ويتذمر طيلة الطريق إلى المبنى رقم 4 .
وعندما دخلنا الصف شعرت براحة عندما رأيت طاولتي ماتزال فارغة . كان الاستاذ بانر يسير في القاعة ويوزع المجاهر وعلب شرائح العينات على الطاولات . لن يبدأ الدرس الا بعد عدة دقائق .
وكانت الغرفة تضج بالكلام . امتنعت عن النظر إلى الباب ورحت أعبث بحافة دفتري من غير هدف .
سمعت حركة الكرسي الذي بجانبي بوضوح شديد لكن نظري ظل متركزاً على الدفتر .
(( مرحباً ! ... قالها صوت موسيقي هادىء .
رفعت رأسي وقد فاجأني حديثه معي . كان يجلس بعيداً عني بالقدر الذي تسمح به الطاولة ، لكنه كان يميل نحوي بكرسيه . كان الماء يقطر من شعره المشعث . ومع ذلك كان يبدو كمن فرغ قبل قليل من تصوير إعلان عن مستحضرات الشعر . كان وجهه بالغ الجمال يبدو ودوداً متفتحاً . وكانت ابتسامتة خفيفة تظهر على شفتيه . لكن نظرته كانت حذرة .
قال : (( أسمي إدوارد كولن . لم تسنح لي الفرصة تقديم نفسي في الاسبوع الماضي . لابد أنك بيلا سوان )).
كان الارتباك يعصف رأسي . هل اخترعت الامر كله بنفسي ؟ كان علي أن أنطق ... لقد كان ينتظر . لكن شيئاً مما يقوله الناس عادةً لم يخطر ببالي .
قلت متلعثمة : (( كــ....كيف تعرف اسمي ؟))
ضحك ضحكة موسيقية خافتة : ((آه ! .. أعتقد أن الجميع يعرفون اسمك . لقد كانت البلدة كلها تنتظر وصولك )).
قطبت وجهي ... كنت أعرف أن الامر هكذا .
لكنني ظللت على إصراري الغبي : (( لا! أقصد لماذا تدعوني بيلا ؟))
بدا عليه الارتباك : (( هل تفضلين اسم إيزابيلا ؟))
(( لا ، أنا أفضل بيلا . لكنني أظن أن تشارلي ... أقصد والدي ... يدعوني إيزابيلا عندما يتحدث مع الاخرين ... وهذا هو الاسم الذي يبدو أن الجميع يعرفونه هنا )) . هكذا رحت أشرح له وأنا أشعر بغباء تام .
لم يواصل إدوارد هذا الحديث . فأشحت بنظري بعيداً .
لحسن الحظ ، بدأ الاستاذ بانر الدرس في تلك اللحظة . حاولت التركيز على شرحه للتجربة التي كنا على وشك إجرائها اليوم . كان في صندوق الشرائح مجموعة غير مرتبة من العينات . وكان على كل زوج منا أن يفرز شرائح خلايا جذور البصل إلى مجموعتين حسب طور انقسام الخلايا وأن يكتب اسم الطور على الشريحة . لم يكن يحق لنا أن نستعين بالكتاب . أعطانا الاستاذ عشرين دقيقة يقوم بعدها بالتجول بيننا ليرى من فرز العينات على نحو صحيح .
قال الاستاذ : (( ابدأوا )).
سألني إدوارد : (( السيدات أولاً ياشريكتي ؟)) ... نظرت فرأيته يبتسم ابتسامة خبيثة كانت جميلة جداً إلى درجة جعلتني أحدق فيه مثل البلهاء .
خبت ابتسامته وقال : (( يمكنني أن أبدأ اذا أحببت ! )) ... لاشك في أنه كان يتسأءل مااذا كنت سليمة عقلياً .
شعرت أنني احمررت خجلاً ، وقلت : (( لا! سأبدأ أنا )) .
كنت أقوم بنوع من الاستعراض ... قليلاً . لقد أجريت هذه التجربة من قبل . وكنت أعرف ماالذي يجب النظر إليه للتمييز بين الخلايا . كان الامر سهلاً . سحبت الشريحة الاولى ووضعتها في مكانها تحت المجهر ثم ضبطت العدسة على درجة التكبير 40 . تفصحت الشريحة لحظة ثم قلت جازمة : (( الطور الاول )) .
(( هل يمكنني أن أنظر ؟)) سألني بينما كنت أمد يدي لاخراج الشريحة . لمست يده يدي حتى توقفها بينما كان يسألني . كانت أصابعه باردة كالثلج كأنه كان يضعها في الثلج قبل الدرس . لكن البرودة لم تكن السبب الذي جعلني أسحب يدي سريعاً . عندما لمسني شعرت بوخزة في يدي كما لوأن تياراً كهربائياً مر فيها .
دمدم قائلاً : (( أنا آسف ! )) .. وسحب يده فوراً . لكن يده الاخرى ظلت ممتدة باتجاه المجهر . رحت أنظر إليه وهو يفحص الشريحة في المجهر وقتاً أقصر من الوقت الذي استغرقته في فحصها .
قال موافقاً : (( الطور الاول )) . وكتب ذلك بخط أنيق في السطر الاول من الورقة . ثم سحب الشريحة الاولى سريعاً ووضع الثانية ونظر إليها نظرة خاطفة وقال : (( الطور الانفصالي )) . ودون ذلك على الورقة أثناء كلامه .
حاولت التحدث بصوت محايد وقلت : (( هل لي أن أنظر ؟ ))
ابتسم ابتسامة متكلفة ودفع المجهر نحوي .
نظرت في المجهر بلهفة ، لكن أملي خاب ! بئس الامر ... لقد كان محقاً .
مددت يدي دون أن أنظر إليه وقلت : (( الشريحة الثالثة )) .
ناولني الشريحة وبدا أنه حرص على عدم لمس جلدي ثانية .
نظرت في المجهر بسرعة لم أتخيل أنني قادرة عليها وقلت : (( الطور البيني )) . ثم دفعت المجهر باتجاهه قبل أن يتمكن من المطالبة به . كنت أريد تسجيل طور هذه الشريحة قبل أن يفرغ من النظر في المجهر لكن خطه الجميل أخافني . لم أجرؤ على تشويه الورقة بخطي الاخرق .
انتهينا من فحص الشرائح قبل الجميع بفترة طويلة . وكنت أستطيع رؤية مايك وشريكه يقارنان شريحتين مرة بعد مره . ورأيت مجموعة أخرى تفتح الكتاب تحت الطاولة .
لم يبق لدي شيء أفعله الا محاولة عدم النظر إليه ... لكنني فشلت . نظرت إليه فرأيته يحدق بي ... إنها نظرة الانزعاج الغريبة في عينه . وفجأة عرفت سبب ذلك التغير الطفيف في شكل وجهه .
قلت من غير تفكير : (( هل تضع عدسات لاصقة ؟ ))
بدت عليه الحيرة من سؤالي غير المتوقع وقال : (( لا )) .
غمغمت قائلة : (( آه ! ظننت أن ثمة شيء غريب في عينيك )) .
ابتسم ثم نظر بعيداً .


لكنني كنت واثقة من وجود شيء مختلف . لقد تذكرت بوضوح ذلك اللون الاسود القاتم في عينيه عندما حدق إلي آخر مرة . .. كان ذلك السواد على تضاد حاد مع شحوب وجهه واحمرار شعره . أما اليوم فكان لون عينيه مختلفاً تماماً : لون بني محمر غريب أغمق من لون السكر المحروق لكن له تلك اللمعة الذهبية نفسها . لم أفهم كيف يمكن أن يحدث هذا التحول دون عدسات لاصقة الا اذا كان يكذب لسبب من الاسباب ... أو لعل فوركس جعلتني مجنونة فعلاً !
نظرت إليه فرأيت قبضتيه مشدوتين كما في المرة الماضية .
جاء الاستاذ إلى طاولتنا ليعرف سبب جلوسنا من غير عمل . ثم نظر من فوق أكتافنا فرأى الورقة مكتملة . عند ذلك صار أكثر اهتماماً بالتحقق من إجابتنا .
قال بانر : (( ماذا يا إدوارد ؟ ألم تعط إيزابيلا فرصة للنظر في المجهر ؟ ))
قال إدوارد مصححاً على نحو تلقائي : (( بيلا! ... الواقع أنها حددت ثلاثةً من الشرائح الخمس )) .
نظر الاستاذ بانر إلي في تلك اللحظة ... كانت نظرة شك .
وسألني : (( هل أجريت هذه التجربة من قبل ؟ ))
ابتسمت مذعنة وقلت : (( لم أجرها على خلايا جذور البصل )) .
(( الخلايا الجنينية في الاسماك البيضاء ؟ ))
(( نعم )) .
أومأ الاستاذ برأسه وقال : (( هل منت في صف متقدم في فينيكس ؟ ))
(( نعم ! ))
قال بعد لحظة من الصمت : (( لابأس . أعتقد أن شراكتكما في المخبر أمر جيد )) .ثم غمغم بكلمات لم أسمعها وهو يبتعد عنا . عدت إلى العبث بدفتري من جديد بعد أن ذهب .
سألني إدوراد : (( من المؤسف جداً أن الثلج توقف ، أليس كذلك ؟ ))
شعرت أنه يفسر نفسه على الحديث معي . غمرتني الرهبة ثانيةً . هل سمع حديثي مع جيسيكا وقت الغداء ، وهل يحاول الان أن يثبت أنني مخطئة ؟
قلت له صادقةً بدلاً من التظاهر بأنني طبيعية مثل الاخرين : (( الحقيقة ، لا ! )) ...كنت لا أزال أحاول الخلص من شعور الشك السخيف ولم أستطع التركيز .
(( أنت لاتحبين البرد ! )) ... لم يكن هذا سؤالاً .
(( أو الرطوبة ! ))
ثم تساءل : لابد أن فوركس مكان يصعب عليك العيش فيه ! .
قلت بانقباض : ليست لديك فكرة عن مدى الصعوبة .
بدا مسحورأ بما قلت ...لسبب لم أستطيع أن أتخيله . كان وجهه جذاباً جداً إلى درجةً جعلتني أحاول عدم النظر إليه أكثر مما تقتضي اللياقة .
(( فلماذا أتيت إلى هنا ؟ ))
لم يسبق أن سألني أحد هذا السؤال ... ليس بهذه الصراحة المتطلبة المباشرة .
(( إنه أمر ... معقد )) .
ألح قائلاً : (( أعتقد أنني قادر على الفهم )) .
بقيت صامتة لحظة طويلة ثم ارتكبت خطيئة ملاقاة نظراته الثابتة . اربكتني عيناه الذهبيتان القاتمتان فأجبت من غير تفكير : (( لقد تزوجت أمي ! )) .
قال غير مواقف على حكمي : لايبدو هذا شديد التعقيد . لكنه سرعان مابدا متعاطفاً : (( متى حدث ذلك ؟ ))
(( في أيلول الماضي )) . بدا صوتي حزيناً حتى في أذني .
استنتج إدوارد : (( وأنت لاتحبين زوجها )) . مازالت نبرة صوته لطيفة . (( لاأبداً ! فيل شخص ممتاز . لعله أصغر مما يجب ، لكنه لطيف فعلاً )) .
(( ولماذا لم تبقي معهما ؟))
لم أكن قادرة على سير غور اهتمامه هذا ، لكنه واصل التحديق إلي بنظرة ثاقبة كما لو كانت قصة حياتي المملة شديدة الاهمية في نظره .
قلت مبتسمة نصف ابتسامة : (( فيل يسافر كثيراً . إنه يكسب عيشه من لعب الكرة )) .
سألني وهو يبتسم رداً على ابتسامتي : هل يمكن أن أكون قد سمعت باسمه ؟.
(( على الاغلب لا ؟ ! ... ليس فيل لاعباً كبيراً . وهو لايلعب الا في دوري الدرجة الثالثة . إنه يسافر كثيراً )) .
(( أرسلتك أمك إلى هنا حتى تستطيع الفر معه )) . قال هذا بنبرة تقريرية من جديد ... لم يكن سؤالاً .
شعرت بذقني ترتجف قليلاً : لا ، لم ترسلني إلى هنا . أنا أرسلت نفسي )) .
قال مقطباً حاجبيه : (( لاأفهم ! وبدا عليه انزعاج لامبرر له .
تنهدت قائلة في نفسي : لماذا أشرح له هذا كله ؟ .
واصل النظر إلي بفضول واضح .
(( ظلت معي أول الامر ... لكنها اشتاقت إليه . وهذا ماجعلها تشعر بتعاسة ... لذلك قررت بنفسي أن الوقت حان لقضاء فترة من الزمن مع تشارلي )) ... ظهر الغم على صوتي قبا أن أنهي جملتي .
قال : (( لكنك لست سعيدة الان ! ))
قلت بنبرة متحدية : وماذا أيضاً ! .
ابتسم وقال : (( هذا لايبدو عادلاً )) . لكن نظرته ظلت متوترة .
ضحكت ضحكة فاترة : ألم يقل لك أح هذا من قبل ؟ الحياة ليست عادلة ! .
وافقني بجفاف : (( أعتقد أنني سمعت هذا في مكان ما )) .
قلت بنبرة مصرة : هذا هو الامر كله ... لم أفهم لماذا ظل ينظر إلي بتلك الطريقة .
صارت نظراته موحية بالتقدير الان ... قال متمهلاً : (( أنت تمثلين جيداً ، لكنني أراهن على أنك تعانين أكثر مما تظهرين )) .
أجبته بتكشيرة وأنا أقاوم رغبتي في أن أمد له لساني كما يفعل ولد في الخامسة ... ثم أشحت بوجهي .
(( هل أنا مخطىء ؟))
حاولت تجاهله.
قال بحزن : (( لم أكن أظن هذا )) .
سألته منزعجة : ولماذا يهمك الامر ؟ .... لم أنظر إليه بل رحت أتابع الاستاذ يتجول في القاعة .
همس بصوت منخفض إلى حد جعلني أتساءل إن كان يتحدث مع نفسه : (( هذا سؤال وجيه فعلاً )) .
لكنني قررت بعد ثوانٍ من الصمت أن تلك هي الاجابة الوحيدة التي سيسمعها مني .
تنهدت ورحت أحدق ببلاهة في السبورة .
سألني : (( لعلك منزعجة مني ؟ )) بدا المرح في صوته .
التفت إليه من غير تفكير .... وقلت الحقيقة من جديد...

ألم الخريف
07-16-2010, 03:22 PM
وبكذا أنتهى الفصل الثاني ..

وأنتظروني في الفصل الثالث .. غدا بأذن الله

قراءه ممتعه ..

nona22
07-16-2010, 04:35 PM
قشطة يا دودو الرواية جميلة اووووووووووووى بجد
واحنا مستنين الفصل التااااالت على ناااااااااااااااااااااااااار

http://twilightguide.com/tg/wp-content/gallery/wallpaper/twilight-woods-wp.jpg

venus
07-16-2010, 04:38 PM
شكرا يا قلبى على الرواية الجامدة والرومانسية اللى كلنا حبيناها

sonice
07-16-2010, 04:42 PM
thank you very mutch . i like the movie but i like the novle more.

zanouba
07-16-2010, 05:14 PM
يسلمووووووووو ياديو بررررررررررررررافو:img-ok::img-ok::img-ok::img-ok::img-ok::img-ok::img-ok::img-ok::kalpzk0wl5::kalpzk0wl5::kalpzk0wl5::kalpzk0wl5 ::kalpzk0wl5:
مستنية المزيد

دلوعهـ
07-16-2010, 06:32 PM
ديو يا راويتنا الجديده

ابدعتى

حبيتها كثير منك هالروايه

توووحفه

والوصف ايجننن

يسلموو

بس لا تتاخرى فى الفصل الثالث يا عسل

منتظراكى

assy9090
07-16-2010, 07:56 PM
وااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااا ااو
ديو انتى بجد مالكيش حل
احساس القراءة مختلف تماما عن المشاهدة
القصة فيها هدوء غريب واثارة اغرب
كملى يا قمر
مستنيين الباقى

Cancoon
07-18-2010, 11:43 AM
وااااااااااااااااااااااااااااااااااااااو يعطيك أأأأأأأأألف عافية

روعة يا قلبي
بانتظار المزيد

hodhod_ali
07-18-2010, 12:22 PM
يا دودى وينك احنا منترين الفصل الثالث على نار لاتغيبى علينا

لوبيتا
07-18-2010, 01:51 PM
يسلمووووووووووووووووووووووووو
شو هيدا شي بجنن

ألم الخريف
07-18-2010, 08:02 PM
الفصل الثالث

ظاهرة


عندما فتحت عيني في الصباح شعرت بشيء مختلف .
إنه الضوء . كان هو ذاته ذلك الضوء الرمادي المخضر ... ضوء يوم غائم في غاية ... لكنه كان أنقى. أدركت أن الضباب ماعاد يجلل نافذتي .
قفزت من السرير لانظر إلى الخارج فشعرت بالرعب . كانت باحة البيت مغطاة بطبقة رقيقة من الثلج . وكان الثلج يغطي سيارتي كالغبار ويجعل الطريق أبيض اللون . لكن هذا لم يكن أسوأ مافي الامر . لقد تجمد مطر الامس كله فرسم أشكالاً غريبة رائعة على أوراق الاشجار وجعل الطريق شديد الانزلاق . الا يكفيني ما ألاقيه من متاعب حتى لا أقع عندما أمشي على أرض جافة ؟ ... لعل من الافضل أن أعود إلى السرير الان !
عندما نزلت من غرفتي وجدت تشارلي قد ذهب إلى عمله . من نواح كثيرة ، كان عيشي مع تشارلي يشبه العيش وحدي في هذا المكان ... وجدت نفسي سعيدة بوحدتي بدلاً من الشعور بثقل الوحدة .
وضعت بعض رقائق الحبوب في الصحن وصببت فوقها بعض عصير البرتقال . شعرت باالاثارة لانني ذاهبة إلى المدرسة ... وهذا ما أرعبني . كنت أعرف أن ما يجذبني إلى المدرسة ليس جوها التعليمي المشجع ، وليس رؤية أصدقائي الجدد . لو كنت صادقة مع نفسي لعرفت أنني مشتاقة إلى المدرسة لانني سأرى إدوارد كولن . كان هذا شيئاً غبياً جداً ... جداً .
يجب أن أتفاداه بعد ثرثرتي الحمقاء المحرجة يوم أمس . كنت أشك فيه أيضاً ... فلماذا كذب بشأن لون عينيه ؟ وكنت لا أزال خائفة من تلك العداوة التي أحسها فيه أحياناً ... وكنت لا أزال أشعر أن لساني ينعقد كلما تصورت وجهه الرائع . كنت أعرف تماماً أننا ننتمي إلى مجموعتين لاتلتقيان ... إذن ، لايجدر بي أن أفكر في احتمال رؤيته اليوم .
كنت بحاجه إلى كل مالدي من تركيز حتى أصل إلى السيارة دون أنزلاق . وكدت أفقد توازني عندما وصلت إليها ، لكنني أفلحت في الامساك بالمرأة الجانبية فأنقذت نفسي من السقوط . من الواضح أن هذا اليوم سيكون كابوساً .
قدت السيارة إلى المدرسة وأنا أفكر في مايك و إريك وفي مدى اختلاف ردة فعل الصبيان المراهقين تجاهي هنا ... ذلك حتى أبعد ذهني عن خوفي من السقوط ، وعن التفكير في إدوارد كولن . كنت واثقة من أن مظهري هنا لم يكن يختلف عن مظهري في فينيكس . لعل الامر هو أن الصبيان هناك شاهدوا مروري بمختلف مراحل المراهقة العجيبة ومازالوا يحملون هذه الصورة عني في أذهانهم . لعلهم يهتمون بي هنا لانني جديدة حيث يندر أي شي جديد . ولعلهم رأوا في خراقتي الفظيعة شيئاً وجيهاً لا شيئاً يدعو إلى الرثاء ... آنسة بحاجة إلى المساعدة . مهما يكن السبب ... كان يربكني تصرف مايك مثل مثل الكلب وفي ومحاولة إريك الواضحة لمنافسته . لاشك أنني كنت أفضل أن يتجاهلني الجميع .
لم تعان سيارتي أي مشكلة مع الجليد الذي يغطي الطريق . قدت السيارة ببطء شديد رغم ذلك لانني لم أكن أريد التسبب في أي مشاكل على الطريق الرئيسية .
عندما غادرت سيارتي في المدرسة فهمت سبب عدم معاناة سيارتي من الجليد . لفت نظري شيء فضي فمضيت إلى مؤخرة السيارة ممسكة حافتها بحذر حتى لاأقع ونظرت إلى العجلات الخلفية . كانت العجلات مغطاة بشبكة معدنية متصالبة . لقد استيقظ تشارلي في وقت مبكر جداً حتى يضع سلاسل الجليد على العجلات . شعرت بالتوتر في حنجرتي . لم أكن معتادة على هذه الرعاية . وقد فاجأني اهتمام تشارلي الصامت .
كنت أقف عند زاوية سيارتي الخلفية محاولة التغلب على موجة العاطفة التي سببتها سلاسل الجليد ... عندها سمعت صوتاً غريباً .
كان ذلك صريراً حاداً ... وكان يقترب مني بسرعة شديدة . أجلفت ونظرت من حولي .
رأيت عدة أشياء دفعة واحدة . لم أر شيئاً يتحرك تلك الحركة البطيئة التي نراها في الافلام . بدلاً من ذلك بدا لي أن اندفاع الادرينالين جعل عقلي يعمل بسرعة كبيرة فتمكنت من رؤية التفاصيل الواضحة لعدة أشياء في وقت واحد .
كان إدوارد كولن يقف على مسافة أربع سيارات مني ناظراً إلي بخوف . ميزت وجهه بين بحر من الوجوه كانت تحمل تعبير الصدمة نفسه الذي على وجه إدوارد . لكن الاهم هو تلك الشاحنة الصغيرة الزرقاء تنزلق نحوي زاعقة بعجلاتها بسبب الفرامل . مانت تدور حول نفسها على جليد ساحة وقوف السيارات . كانت على وشك الاصطدام بزاوية سيارتي الخلفية . وكنت أقف بينهما . لم يكن لدي وقت حتى لان أغمض عيني .
قبل لحظة واحدة من سماعي صوت اصطدام السيارتين شعرت بصدمة تصيبني ... صدمة شديدة ... لكنها لم تأتي من الاتجاه المتوقع اصطدم رأسي بالارض المغطاة بالجليد وشعرت بشيءٍ بارد صلب يثبتني إلى الارض . كنت ممددة على الرصيف خلف السيارة البنية التي أوقفت سيارتي أمامها . لكنني لم أستطع ملاحظة أي شيء آخر لان الشاحنة الصغيرة كانت ماتزال تنزلق صوبي . اصطدمت بزاوية سيارتي لكنها واصلت الدوران والانزلاق ... كانت على وشك إصابتي من جديد .
سمعت صوتاً منخفضاً جعلني أدرك وجود شخص معي . وكان من المستحيل أن لا أميز ذلك الصوت . اندفعت أمامي ذراعان طويلتان لحمايتي ثم توقفت الشاحنة على مسافة قدم واحدة من وجهي . وتركت تلك اليدان الكبيرتان أثراً عميقاً على جانب السيارة الشاحنة .
سرعان ماتحركت اليدان بسرعة البرق . وفجأة رأيت إحداهما تدخل تحت الشاحنة وكانت الاخرى تجذبني إلى الخلف وتزيح ساقي جانباً كأنهما ساقا دمية قماشية حتى لمستا عجلة السيارة البنية . سمعت صوت اصطدام معدني أصم أذني ورأيت الشاحنة تتوقف وزجاجها يندفع منكسراً فوق الاسفلت ... تماماً حيث كانت ساقي قبل ثانية واحدة .
خيم صمت مطبق طيلة ثانية كاملة قبل أن أسمع زعيق الناس . وفي ذلك الصخب الشديد استطعت تمييز عدة أصوات تنادي اسمي . لكنني سمعت صوت إدوارد كولن الخافت المتوتر في أذني أوضح من تلك الصيحات كلها .
(( بيلا ! هل أنت بخير ؟ ))
(( أنا بخير )) . بدا صوتي غريباً ... حاولت الجلوس فأدركت أنه مازال يمسكني إلى جانبه بقبضة من حديد .
حذرني عندما رحت أقاوم قبضته : (( انتبهي ! أعتقد أنك أصبت راسك إصابة شديدة )) .
انتبهت إلى ذلك الالم النابض فوق أذني اليسرى .
فوجئت بذلك الالم فصحت : (( أوه! ))
(( هذا ماظننته )) . أدهشني أن صوته كان كمن يحاول كتم ضحكته .
هززت رأسي محاولة استعادة صفاءه : (( كيف ... كيف وصلت هنا بهذه السرعة ؟ ))
قال بصوت جدي : (( كنت أقف بجانبك يابيلا ))
استدرت وجلست فلم يمنعني بل ارخى قبضته عن وسطي وابتعد عني بالقدر الممكن في ذلك الحيز الضيق بين السيارتين . نظرت إلى تعبير وجهه القلق البريء فشوشتني من جديد عيناه الذهبيتان . ماذا كنت أسأله ؟
في تلك اللحظة وجدونا . اندفع حشد من الوجوه التي تنصب الدموع من أعينها ... وتتبادل الصيحات ... وتصيح بنا أيضاً .
قال صوت آمر : (( لاتتحركوا ))
صاح صوت آخر : (( أخرجوا تايلر من الشاحنة )) .
كان صخب شديداً حولنا . حاولت الوقوف لكن يد إدوارد الباردة دفعت كتفي إلى الاسفل .
(( لاتتحركي الان )).
قلت متذمرة : (( الارض باردة )) . فاجأتني ضحكته الصغيرة ... كان فيها شيء من الخرية .
فجأة تذكرت فقلت : لقد كنت هناك ! .. فتوقفت ضحكته ... كنت بجانب سيارتك ! .
اكتسى وجهه تعبيراً قاسياً وقال : لا لم أكن هناك .
(( لقد رأيتك ! ))
كانت الفوضى شديدة من حولنا ... سمعت أصوات أشخاص كبار يصلون إلى المكان . لكنني واصلت إصراري . لقد كنت مصبية وعليه أن يقر بذلك .
(( بيلا ! كنت أقف بجانبك وسحبتك من طريق الشاحنة )) . كان يستخدم قوة عينيه كلها كما لو أنه يحاول إيصال شيء شديد الاهمية .
قلت له بأصرار : لا !.
توجهت عيناه الذهبيتان وقال : من فضلك بيلا ! .
قلت متسأئلة : لماذ ؟ .
رجاني بصوته الناعم الطاغي : ثقي بي .
سمعت صوت سيارة الاسعاف . وقلت : هل تعدني بأن تشرح لي كل شيء في وقت لاحق ؟ .
قال بصوت ساخط فجأة : (( جيد! ))
فأجبته غاضبة : (( جيد! ))
قام ستة من طاقم سيارات الاسعاف واثنان من المدرسين ( الاستاذ فارنر ومدرب الرياضة ) بتحريك الشاحنة مسافة تكفي لادخال النقالات إلى حيث كنا . رفض إدوارد استخدام النقالة ... حاولة أن أرفض مثله ، لكن الخائن قال لهم إن رأسي مصاب ومن المحتمل أنني أصبت بأرتجاج دماغي . كدت أموت من إحساسي بالاهانة عندما وضعوا طوقاً حول رقبتي . بدا كأن المدرسة كلها قد اجتمعت هناك وأن الجميع كانوا ينظرون إلي بينما كانت توضع في سيارة الاسعاف . أما إدوارد فجلس في مقدمة السيارة ... شيء يبعث الجنون .
وحتى يكتمل المشهد وصل مدير الشرطة سوان قبل أن تنطلق سيارة الاسعاف .
صاح خائفاً عندما رأني على النقالة : بيلا! .
قلت : (( أنا بخير تماماً ياتشار... ياأبي . لم يصبني أي سوء )) .
استدار أبي إلى أقرب عناصر الاسعاف ليتأكد من كلامي فتركته يفعل ذلك لافكر في تلك الصور المتشابكة غير المفهومة التي انبثقت في رأسي من غير أنتظام . عندما أبعدوني عن السيارة رأيت تشوهاً عميقاً في مصدم السيارة البنية ... كان شبيهاً جداً كتفى إدوارد ... كما لو أنه أسند كتفه إلى تلك السيارة بقوة كافية لتشويه العارضة الحديدية ...
ورأيت أيضاً وجوه أسرته تنظر من بعيد وعليها تعبير تراوح بين الغضب والاستياء ، لكن أياً منها لم يكن يوحي بأي قلق على سلامة إدوارد .
حاولت التفكير في حل منطقي يفسر ماشاهدته ... حل يستبعد افتراض أنني مجنونة !
بطبيعة الحال ، رافقت الشرطة سيارة الاسعاف حتى المستشفى . شعرت بالاحراج عندما أنزلوني من سيارة الاسعاف . أما ما زاد الامر سوءاً فهو أن إدوارد دخل بنفسه عبر باب المستشفى الزجاجي ماشياً على قدميه . شددت على أسناني غضباً .
وضعوني في غرفة الاسعاف وهي غرفة طويلة فيها صف من الاسرة تفصلها ستائر قصيرة . وضعت ممرضة مقياس الغضط على ذراعي ووضعت ميزان الحرارة تحت لساني . وبما أن أحداً لم يهتم بأرخاء الستائر حتى يعزلني عن الانظار فقد قررت أنني غير مضطرة إلى وضع طوق الرقبة ذي المظهر الغبي . عندما ابتعدت الممرضة فككت الطوق بسرعة وألقيته تحت السرير .
دخلت دفعة جديدة من العاملين في المستشفى تحمل نقالة أخرى توجهوا بها إلى السرير المجاور . رأيت تايلر كراولي ، وهو معي صف السياسة ، وكان رأسه مغطى بضمادات مشبعة بالدم . لكنه كان ينظر إلي بقلق .
(( أنا آسف جداً يابيلا ! ))
(( أنا بخير يا تايلر ... لكن منظرك مخيف .. هل أنت بخير ؟ ))
بينما كنا نتحدث بدأت الممرضات بفك الضمادات عن رأسه فظهر كثير من الجروح الطولانية غير العميقة على جبهته وخده الايسر .
قال متجاهلاً كلامي : ظننت أنني قتلتك ... كنت أسير أسرع مما يجب ثم ضغط على المكابح بشكل خاطىء ... ، ثم أجفل عندما بدأت إحدى الممرضات تمسح وجهه .
(( لاتقلق بشأني ... أنت لم تصبني ))
كيف استطعت الابتعاد بهذه السرعة ؟ كنت هناك ... ثم ابتعدت في لحظة واحدة ...
(( آه ... لقد سحبني إدوارد من طريقك ))
بدت عليه الحيرة : من ؟
(( إدوارد كولن ... كان يقف بجانبي )) أعرف أنني كاذبة فاشلة ... لم أكن مقتنعة أبداً .
كولن ؟ لم أره أبداً ... أعتقد أن الامر كان سريعاً جداً . هل هو بخير ؟
أعتقد ذلك ! ... إنه هنا في مكان ما في المستشفى لكنهم لم يضعوه على نقالة .
أعرف أنني لست مجنونة .فما الذي حدث؟ لم يكن لدي تفسير لما شاهدته .
بعد ذلك دفعوا سريري من أجل تصوير رأسي بأشعة إكس . قلت لهم أنني لا أشكو شيئاً ... وكنت محقة ... لم يكن لدي ارتجاج دماغي . سألتهم إن كنت أستطيع الذهاب فقالت الممرضة إن علي رؤية الطبيب أولاً . وهكذا تركوني أنتظر في غرفة الاسعاف وأتحمل اعتذارات تايلر المتواصلة المزعجة ووعوده بالتعويض علي . لقد استمر في تعذيب نفسه رغم محاولتي المستمرة لاقناعه أنني بخير . أخيراً ، أغمضت عيني وتجاهلته . لكنه واصل غمغمته الاسفة .
سمعت صوتاً موسيقياً يسأل : هل هي نائمة ؟ ففتحت عيني .
كان إدوارد يقف بجانب السرير مبتسماً . نظرت إليه بغضب ... لم يكن ذلك سهلاً ... كان الطبعي أن أرمقه بنظرة حب .
بدأ تايلر يقول : أنا آسف حقاً يا إدوارد .
رفع إدوارد يده ليسكته وقال مبتسماً ايتسامة كشفت عن أسنانه البيضاء : (( لا إصابة ... لا مشكلة ! )) ثم أنتقل إلى الجلوس على حافة سرير تايلر فصار قبالتي تماماً . ثم ابتسم من جديد .
سألني : حسناً ! ماهي النتيجة ؟
قلت متذمرة : لامشكلة عندي إطلاقاً ، لكنهم لايتركوني أذهب .
كيف لم يضعوك على سرير مثلنا ؟
فأجاب : (( الامر متعلق بمعارفك في المستشفى . لكن لاتقلقي ... لقد جئت لافاجئك )).
جاء الطبيب فأدهشني مظهره . لقد كان شاباً ، وكان أشقر الشعر ... وكان أكثر وسامة من أي نجم سينمائي رأيته في حياتي . كان شاحب اللون رغم ذلك . وكان يبدو عليه التعب . وكانت تحت عينيه دوائر قاتمة . لابد أنه والد إدوارد فهكذا وصفه تشارلي .
قال دكتور كولن بصوت جذاب جداً : إذن ، كيف تشعرين يا آنسة سوان ؟
قلت : (( أنا بخير )) راجية أن تكون المرة الاخيرة التي أضطر إلى قول هذه العبارة .
مضى الطبيب إلى اللوحة المعلقة فوق رأسي وأشعل الضوء لينظر إلى صورة الاشعة وقال : (( صورة الاشعة تبدو ممتازة . هل يؤلمك رأسك ؟ قال إدوارد إن رأسك أصيب بصدمة شديدة )).
كررت متنهدة وأنا أرمق إدوارد بنظرة سريعة غاضبة : رأسي بخير .
جست أصابع الطبيب جمجمتي برقة ولاحظ تكشيرتي عندما ضغطت أصابعه على نقطة بعينها فقال : هل يؤلمك هنا ؟
(( هذا ليس ألماً ! )) ... أصبت بما هو أسوأ من هذا سابقاً .

سمعت صوتاً يضحك فنظرت لارى ابتسامة على وجه إدوارد .
(( عظيم ! والدك في غرفة الانتظار ... تستطيعين الذهاب معه إلى المنزل الان . وأرجو أن تعودي اذا شعرت بدوار أو باضطراب في الرؤية )).
سألته وأنا أتخيل تشالي محاولاً الاهتمام بي : (( الا أستطيع العودة إلى المدرسة ؟ )).
(( الافضل أن ترتاحي اليوم ))
نظرت سريعاً إلى إدوارد : هل عليه أن يعود إلى المدرسة ؟
قال إدوارد مبتسماً : ((يجب أن يذهب أحد حتى يخبرهم أننا نجونا ))
قال دكتور كولن مصححاً : الواقع أن معظم الطلاب في غرفة الانتظار الان .
(( آه ... لا! )) ... زفرت قائلة وغطيت وجهي بيدي الاثنتين .
نظر الطبيب إلي مستغرباً : هل تريدين البقاء هنا؟
(( لا. لا! ) قلت بأصرار وقذفت بساقي فوق حافة السرير قافزة إلى الارض . كانت قفزة سريعة جعلتني أترنح فأمسك بي الدكتور كولن .
وبدا عليه القلق .
أكدت له من جديد : أنا بخير! ... لاحاجة لان أخبره أن مشكلات سوء التوازن عندي لا علاقة لها بأصابة رأسي .
قال الطبيب وهو لايزال ممسكاً بي : تناولي بعض المسكنات من أجل الالم .
فقلت بأصرار : إن الالم بسيط جداً .
قال الدكتور كولن : يبدو أنك كنت محظوظة جداً . ثم وقع على أوراقي مبتسماً ابتسامة عريضة .
قلت مصححة : من حسن الحظ أن إدوارد كان يقف بجانبي تماماً . وألقيت نظرة حادة باتجاه إدوارد .
وافقني الدكتور كولن قائلاً : (( آه . طبعاً . نعم ! )) ... ثم انشغل فجأة بالاوراق التي أمامه . وبعد ذلك نظر إلى تايلر ومضى باتجاهه . لمع حدس في رأسي : كان الطبيب يعرف شيئاً عن الامر .
سمعت الطبيب يقول لتايلر وهو يتفحص جراحه : أعتقد أن عليك البقاء معنا بعض الوقت .
فور استدارة الطبيب باتجاه تايلر مضيت إلى إدوارد وقلت هامسة : هل أستطيع التحدث معك دقيقة واحدة ؟ تراجع إدوارد خطوة إلى الخلف وشد على أسنانه فجأة . ثم قال : والدك ينتظرك ! .
نظرت باتجاه تايلر والدكتور كولن وقلت بأصرار : أريد أن أتحدث معك على انفراد ، فهل تمانع ؟ .
رماني بنظرة غاضبة ثم استدار على عقبيه وخرج سريعاً من الغرفة .
كنت مضطرة إلى الجري تقريباً حتى الحق به . وفور انعطافنا حول الزاوية ودخولنا إلى الممر القصير التفت ثانية وواجهني : ماذا تريدين ؟
سألني بصوت منزعج ... كانت عيناه باردتين .
أخافتني هذه العدوانية . خرجت الكلمات من فمي بحدة أقل مما أردت : عليك أن تشرح لي ما حدث .
(( لقد أنقذت حياتك ... ليس علي الان أن أشرح أي شيء )).
أجفلتني الكراهية البادية على صوته فقلت : لقد وعدتني .
قال بنبرة قاطعة : لقد أصيب رأسك يابيلا . وأنت لاتعرفين عن أي شيء تتحدثين .
أجتاحني الغضب فحدقت فيه متحدية : رأسي لم يصبه شيء .
أجاب نظرتي بمثلها وقال : ماذا تريدين مني يابيلا ؟ .
(( أريد أن أعرف الحقيقة . أريد أن أعرف ما الذي يجعلني أكذب من أجلك )) .
قال بسرعة : وما الذي حدث برأيك ؟ .
أتت إجابتي سريعة : كل ما أعرفه هو أنك لم تكن تقف قربي ... تايلر لم يشاهدك أيضاً ... لذلك لاتقل لي إن رأسي أصيب بصدمة شديدة . كانت تلك الشاحنة على وشك أن تسحقنا معاً ... لكنها لم تسحقنا ... وقد تركت يداك أثراً على جانبها ... وأنت لم تصب بأذى ... كان يجب أن تحطم الشاحنة ساقي لكنك رفعتها بيدك ... لم أستطع الاستمرار أكثر من ذلك فقد شعرت بمدى جنون ماقلته ... كنت غاضبة جداً وشعرت أنني على وشك البكاء . حاولت مقاومة دموعي بأن أطبقت أسناني بشدة .
كان ينظر إلي غير مصدق . لكن وجهه كان متوتراً ... دفاعياً .
تعتقدين أنني رفعت الشاحنة عن ساقيك ! . كانت نبرته تستفهم عن سلامة عقلي ، لكن هذا زاد شكوكي . كان ما قاله يشبه عبارة يؤديها ممثل ماهر .
اكتفيت بأيماءة من رأسي وظللت أكز على أسناني .
(( لن يصدقك أحد ... أنت تعرفين هذا ! )) كان صوته يحمل بعض السخرية الان .
(( لن أخير أحداً بهذا ))... قلت كل كلمة من هذه العبارة ببطء شديد وأنا أسيطر على غضبي بحذر .
ظهرت الدهشة على وجهه : فما أهمية الامر إذن ؟ .
قلت بأصرار : الامر مهم عندي . لا أحب أن أكذب ... ومن الافضل أن يكون لدي سبب وجيه اذا كذبت .
(( الا تستطيعين أن تشكريني ثم تتجاوزي الامر كله ؟ ))
(( شكراً لك ! )) ثم انتظرت رده والغضب يغلي داخلي .
(( أنت لن تتركي هذا الامر . أليس كذلك ؟ ))
((لا ! ))
(( إذن ... آمل أن تستمعي بخيبة الامل )).
رحنا نتبادل النظرات الغاضبة صامتين . وكنت أول من تكلم بعد ذلك ... حاولت أن أحافظ على تركيزي ... كنت أحاذر أن يتشتت انتباهي بسبب وجهه الشاحب البهي . كان الامر يشبه إشاحة النظر عن ملاك مدمر غاضب .
سألته ببرود : ولماذا يهمك الامر أصلاً ؟
صمت برهة وبدا تعبير وحهه ، للحظة قصيرة ، هشاً على نحو غير متوقع . همس قائلاً : لا أعلم .
ثم أدار لي ظهره ومضى سريعاً .
كنت غاضبة جداً ولم أستطع الحركة الا بعد عدة دقائق . وعندما تحركت توجهت ببطء إلى المخرج عند نهاية الممر .
كان الوضع في غرفة الانتظار أسوأ مما توقعت . بدا لي أن كل الوجوه التي أعرفها في فوركس كانت موجودة في تلك الغرفة ... تنظر إلي . اندفع تشارلي إلى جانبي ، رفعت يدي وأكدت له بوقار : لم يصبني سوء! . مازال الغضب يملؤني . وماكان مزاجي يسمح بالحديث .
(( ما الذي قاله الطبيب ؟ ))
(( رأني الدكتور كولن وقال أنني بخير وإن بوسعي الذهاب إلى المنزل )) . كان مايك وجيسيكا وإريك واقفين هناك وقد أوشكوا أن يطبقوا علي فقلت لوالدي : فلنذهب .
وضع تشارلي ذراعه خلف ظهري دون أن يلمسني تقريباً وقادني إلى باب الخروج الزجاجي . لوحت بيدي لاصدقائي آملة أن يفهموا أن لا مبرر لقلقهم . شعرت براحة هائلة عندما دخلت سيارة تشارلي ... إنها المرة الاولى التي أعرف فيها هذا الشعور .
مضت السيارة وبقينا صامتين . كنت غارقة في أفكاري إلى درجة أنستني وجود تشارلي . كنت واثقة من أن سلوك إدوارد اندفاعي في تلك القاعة كان تأكيداً للاشياء الغريبة التي لاأكاد أصدق أنها حدثت معي .
عندما وصلنا إلى المنزل نطق تشارلي أخيراً : هم! ... عليك أن تتصلس برينيه . ثم طأطأ رأسه كما يفعل المذنب .
صحت غاضبة : هل أخبرت أمي ؟
(( أنا آسف ! ))
خرجت من السيارة وصفقت بابها بأعنف مما يجب .
لا شك أن أمي في حالة هستيرية الان . على أن أقول لها أنني بخير ثلاثين مرة على الاقل حتى تهدأ . رجتني أن أعود إلى المنزل (( ناسية أن المنزل كان خالياً في تلك اللحظة )) ... لكن مقاومة رجاءها كانت أسهل مما توقعت . كنت مشغولة البال تماماً بالغموض الذي سببه إدوارد . وكنت مشغولة البال قليلاً ، بل أكثر ، بإدوارد أيضاً . غبية ... غبية .... غبية . لم أعد الان أتوق إلى الفرار من فوركس كما ينبغي .. كما ينبغي لاي أنسان طبيعي عاقل .
قررت أن أذهب إلى النوم باكراً تلك الليلة . ظل تشارلي يراقبني قلقاً ، وكان هذا يثير توتري . توقفت في طريقي وأخذت ثلاث حبات مسكنة من الحمام ... ساعدتني هذه الحبات ... وعندما هذأ الالم غرقت في النوم .
كانت تلك أول ليلة أحلم فيها بإدوارد كولن .

ألم الخريف
07-18-2010, 08:05 PM
الفصل الرابع
دعوات



كانت الظلمة مخيمة في حلمي ... وأما الضوء الشحيح الذي كان فيه فبدا منبعثاً من جلد إدوارد. لم أستطع رؤية وجهه ... رأيت ظهره يسير مبتعداً فيتركني وحيدة في الظلمة .لم أكن لأستطع اللحاق به مهما أسرعت في الجري . لم يلتفت نحوي مهما صرخت وناديت . قمت عند منتصف الليل مضطرة لم أستطع العودة إلى النوم لزمن بدا طويلاً جداً .بعد ذلك صار يظهر في الحلم كل ليلة تقريباً ... لكنه كان على الهامش دائماً ... ولم أكن لأصل إليه أبداً .
لم يكن الشهر الذي أعقب الحادث سهلاً ... كان متوتراً ... محرجاً في البداية .
وجدت نفسي في مركز الاهتمام بقية ذلك الاسبوع كلها . كان تايلر كراولي لا يطاق ... لا حقني في كل مكان ... كانت تستحوذ علليه فكرة الاعتذار بأي طريقة . حاولت إقناعه أن ما أريده أكثر من أي شيء آخر هو أن ينسى الامر كله ... خاصة لان شيئاً لم يصبني ... لكنه ظل على إصراره . كان يتبعني بين الدروس ... وصار يجلس الان على طاولتنا التي ازدادت ازدحاماً . وكان مايك وإريك يظهران له وداً أقل حتى مما يظهر أحدهما للاخر . وهذا ماجعلني قلقة من احتمال ظهور معجب جديد .
لم يظهر على أحد أي اهتمام بإدوارد رغم أنني شرحت مراراً وتكراراً أنه هو بطل الموقف ... شرحت لهم كيف سحبني من طريق الشاحنة وكيف كادت الشاحنة تسحقه . حاولت أن أكون مقتنعة قدر ما استطعت . لكن جيسيكا ومايك وإريك ، والجميع ، كانوا يقولون دائماً إنهم لم يرونه هناك الا عندما جرى إبعاد الشاحنة .
تساءلت في نفسي : لماذا لم يشاهده أحد يقف بعيداً جداً قبل أن يظهر فجأة ، على نحو غير ممكن ، فينقذ حياتي . وقد كدرني حقاً يقيني بأن السبب المرجح هو أن أحداً لم يكن مهتماً بإدوارد مثلي . لم يكن أحداً ينظر إليه باستمرار كما أفعل أنا ... يالبؤسي !
لم يكن الناس يحيطون بإدوارد متلهفين للاستماع منه إلى تلك القصة . كان الناس يتجنبونه ... كالمعتاد . وكان يجلس مع إخوانه إلى طاولتهم المعهودة دون أن يأكلوا ... كانوا يتحدثون فيما بينهم فقط . ولم ينظر أحد منهم ، إدوارد خاصة، في اتجاهي أبداً .
عندما جلس بجانبي في الصف بعيداً عني بالقدر الذي تسمح به الطاولة ، بدا غير منتبه لوجودي إطلاقاً . ومن حين لاخر فقط ، عندما يشد قبضتيه ... ويغدو الجلد فوق عظامه أكثر بياضاً ... كنت أشك في نسيانه الامر فعلاً .
لعله يتمنى لو لم يبعدني من طريق شاحنة تايلر ... لم أستطع التوصل إلى استنتاج غير هذا .
وددت كثيراً أن أتكلم معه ... وقد حاولت ذلك في اليوم الاول بعد الحادث . كنا غاضبين جداً عندما تلاقينا آخر مرة قرب الصالة الرياضية . كنت ما أزال غاضبة لانه لم يأتمني على الحقيقة رغم عدم إحلالي بالجانب الذي يخصني في اتفاقنا . لكنه أنقذ حياتي حقاً ، ولا يهم كيف فعل ذلك . وفي اليوم التالي خبت نار غضبي فتحولت إلى عرفان بالجميل .
عندما دخلت إلى صف البيولوجيا كان جالساً في مقعده ... وكان ينظر أمامه تماماً . جلست متوقعة أن يستدير نحوي فلم يظهر عليه ما يدل على أنه لاحظ وجودي .
قلت بصوت مرح : مرحباً إدوارد ... حتى يرى أنني أحاول تحسين سلوكي معه .
أدار رأسه قليلاً صوبي دون أن تلاقي عيناه نظراتي وأومأ برأسه ثم أشاح بوجهه بعيداً .
كان ذلك آخر تواصل بيننا مع أنه كان هناك ... على مسافة قدم واحدة مني ... كل يوم . كنت أراقبه أحياناً غير قادرة على منع نفسي من ذلك ... كنت أراقيه من مسافة بعيدة في الكافتيربا أو في ساحة وقوف السيارات . ورأيت لون عينيه الذهبيتين يصبح داكناً أكثر فأكثر كل يوم . أما في الصيف فلم أظهر له أنني ألاحظ وجوده بأكثر مما يلاحظ وجودي . كنت بائسة ... واستمرت أحلامي .
رغم كذباتي المباشرة أدت لهجة رسائلي إلى تنبيه رينيه وهذا ما أصابني بالقنوط ... اتصلت بي قلقة عدة مرات . حاولت إقناعها أن رداءة الطقس هي السبب في انحراف مزاجي .
كان مايك ، على الاقل ، مسروراً بالفتور الواضح بيني وبين شريكي في المختبر . كان واضحاً لي أنه قلق من تأثير جرأة إدوارد في إنقاذي على سلوكي نحوه ... لكنه ارتاح عندما رأى نتيجة معاكسة . وقد ازدادت ثقته فصار يجلس على حافة طاولتي في المختبر ليتحدث معي قبل أن يبدأ الدرس ... كان يتجاهل إدوارد مثلما كان إدوارد يتجاهلنا تماماً .
اختفى الثلج تماماً بعد ذلك اليوم الصقيعي الخطير . وخابت آمال مايك في قيام معارك بكرات الثلج . .. لكنه كان مسروراً لان الرحلة إلى الشاطىء ستغدو ممكنة عما قريب . استمر المطر يهطل غزيراً رغم ذلك ... ومرت أسابيع .
نبهتني جيسيكا إلى حدث آخر يلوح في الافق ... اتصلت في يوم الثلاثاء الاول من شهر آذار فاستأذنتني في أن تدعو مايك إلى حفلة الرقص الربيعية التي تختار فيها الفتاة شريكها ، وكانت بعد أسبوعين .
قلت لها إنني لا أمانع في ذلك أبداً فأصرت قائلة : هل أنت متأكدة من أنك لا تمانعين ... الا تنوين دعوته ؟
أكدت لها : أبداً ياجيسيكا ... لن أذهب إلى الحفلة . كان الرقص خارج مجال قدراتي تماماً .
(( ستكون حفلة ممتعة حقاً )) ... كانت محاولتها لاقناعي غير صادرة من قلبها تماماً . خطر لي أنها تستمتع بشعبيتي غير المفهومة أكثر مما تستمتع بصحبتي فعلاً .
حاولت تشجيعها : (( استمتعي في الحفلة مع مايك )) .
وفي اليوم التالي فوجئت عندما رأيت جيسيكا في درسي المثلثات واللغة الاسبانية فهي لم تكن تلك الفتاة المندفعة التي عرفتها . كانت صامتة عندما مشت بجانبي بين الدرسين . خشيت أن أسألها عن السبب . لو كان مايك قد رفض دعوتها فأنا آخر شخص يمكن أن ترغب في إخباره بذلك .
تعززت مخاوفي أثناء الغداء عندما جلست جيسيكا أبعد ما يمكن عن مايك وراحت تثرثر مع إريك . وكان مايك هادئاً على غير عادته .
ظل مايك هادئاً عندما أوصلني إلى الصف . وكان عدم الارتياح الظاهر على وجهه علامة سيئة . لكنه لم يفتح الموضوع إلى أن جلست في مقعدي وجلس هو على الطاولة , وكما كان الامر دائماً ، كان يكهربني جلوس إدوارد قريباً يكاد يلامسني ... بعيداً حتى كأنه مجرد اختراع من صنع خيالي .
قال مايك ناظراً إلى الارض : طلبت مني جيسيكا مرافقتها إلى حفلة الرقص .

جعلت صوتي منطلقاً متحمساً : عظيم ! سوف تستمتع كثيراً مع جيسيكا .
تردد وهو يدرس ابتسامتي ... كان واضحاً أن استجابتي لم تسعده ... وقال : طيب ! قلت لها إنني سأفكر في الامر .

(( ولماذا قلت لها ذلك ؟)) قلت هذا بنبرة احتجاج ، لكنني كنت مرتاحة لانه لم يرفض دعوتها رفضاً قاطعاً .
احمر وجهه بشدة ونظر إلى الارض فزعزع إشقاقي تصميمي .
(( كنت أتساءل ما اذا ... ما اذا كنت تعتزمين دعوتي ؟))
صمت برهة ، وكرهت موجة الاحساس بالذنب التي غمرتني . لكنني رأيت من زاوية عيني رأس إدوارد يميل نحوي . وقلت : مايك أعتقد أنك يجب أن تقول لها نعم .
(( هل دعوتٍ أخداً ؟ )) ... هل لاحظ إدوارد كيف استقرت عينا مايك عليه وهو يسألني ؟
قلت : لا! لن أذهب إلى الحفلة .
سألني مايك : لماذا ؟
لم أكن أريد التورط في المخاطر التي يجرها الرقص علي . لذلك أسرعت في وضع خطط جديدة : سأذهب إلى سياتل يوم الحفلة . أنا بحاجة إلى الخروج من البلدة على أي حال ... فجأة صار يوم الحفلة هو اليوم المثالي لذلك .
(( ألا تستطيعين الذهاب إلى سياتل في عطلة نهاية أسبوع أخرى ؟))
فقلت : لا! أنا آسفة ... ، لن تجعل جيسيكا تنتظر أكثر مما انتظرت ... إنها فظاظة منك .
غمغم قائلاً : نعم! أنت على حق . ثم استدار مكتئباً ومشى صوب مقعده . أغمضت عيني وضغطت بأصبعي على صدغي محاولة دفع التعاطف والاحساس بالذنب إلى خارج رأسي . بدأ الاستاذ بانر كلامه فتنهدت وفتحت عيني .
كان إدوارد يحدق في بشكل غريب وفي عينيه ، السوداوين الان ، تعبير الغضب والاحباط المألوف نفسه ، لكنه كان أكثر وضوحاً .
نظرت إلية مدهوشة وتوقعت أن يشح بعينيه بعيداً . لكنه واصل التحديق في عيني وكأن عيناه تسيرانهما . ماكنت أستطيع النظر بعيداً أبداً . بدأت يدي ترتجفان .
قال الاستاذ طالباً الاجابة على سؤال لم أسمعه : سيد كولن ! .
أجاب إدوارد وهو يستدير متلكئاً لينظر إلى الاستاذ بانر : أنها دورة كريبس .
نظرت إلى كتابي بمجرد أن أفلتتني عيناه ، وحاولت البحث عن مكان الدرس . وبجبن ، كما أفعل دائماً ، ألقيت بشعري على كتفي الايمن حتى أخفي وجهي . لم أستطع تصديق اندفاع المشاعر في داخلي ... هل هذا فقط لانه نظر إلي مصادفة للمرة الاولى بعد خمسة أسابيع أو ستة؟ ما كان لي أن أسمح له بهذا القدر من التأثير علي . إنه شيء يدعو إلى الاسى ... بل أكثر ... هذا سلوك مريض .
حاولت جاهدة أن أتجاهله تماماً خلال بقية الدرس . ولما كان هذا مستحيلاً قررت ، على الاقل ، أن أجعله لاينتبه إلي إحساسي بوجوده . وعندما قرع الجرس أخيراً أدرت ظهري نحوه حتى أجمع أشيائي وتوقعت أن يغادر القاعة فوراً كعادته .
(( بيلا! )) ... لماذا يبدو صوته مألوفاً عندي إلى هذا الحد ؟ كما لو أنني أعرفه طيلة حياتي وليس منذ أسابيع قليلة فقط .
استدرت نحوه ببطء ... من غير رغبة . لم أكن أريد أن أشعر بما عرفت يقيناً أنني سأشعر به عندما أنظر إلى وجهه الكامل . . لبكامل أكثر مما أحتمل . كان تعبير وجهي حذراً عندما التفت نحوه أخيراً ، وكان تعبير وجهه عصياً على القراءة ... لم يقل شيئاً .
نطقت أخيراً بنبرة نكد لم أقصدها : ماذا ؟ هل تتكلم معي من جديد ؟
قال : لا! ليس تماماً . تجمدت شفتاه وهو يمنعهما من الابتسام . أغمضت عيني واستنشقت الهواء ببطء من أنفي ثم انتهيت إلى أنني كنت أشد على أسناني . وكان ينتظر .
سألته دون أن أرفع نظري إليه ، كان الكلام معه أسهل بهذه الطريقة : ماذا تريد الان يإدوارد ؟
بدا صوته صادقاً وهو يقول : أنا آسف ! كنت فظاً معك ... أعرف هذا . لكن من الافضل أن يكون الامر هكذا .. صديقني .
فتحت عيني ناظرة إليه ... كان وجهه جاداً تماماً .
لا أفهم قصدك ... كان صوتي حذراً .
قال إدوارد : من الافضل أن لا تكون أصدقاء ... ثقي بي ! .
استغربت كثيراً . لقد سمعت هذا من قبل .
همست من خلال أسناني المطبقة : سيء جداً أنك لم تدرك هذا في وقت أبكر . أما كنت توفر على نفسك كل هذا الندم ؟
(( الندم! )) ... من الواضح أن تلك الكلمة ، وطريقتي في قولها ، فاجأته تماماً . (( الند على ماذا ؟))
على عدم ترك تلك الشاحنة الغبية تسحقني .
دهش تماماً ... وحدق في عيني غير مصدق .
عندما تكلم أخيراً بدا أنه يغلي غضباً : تظنين أنني نادم على إنقاذ حياتك ؟
قلت جازمة : أنا متأكدة من ذلك .
كان غاضباً جداً : أنت لا تعرفين شيئاً .
أدرت رأسي بعنف بعيداً عنه مطبقة فمي عن جميع الاتهامات الفظيعة التي كنت أريد أن أصبها عليه . جمعت كتبي ثم وقفت ومشيت نحو الباب . تعمدت أن يكون مشهد خروجي من الغرفة درامياً ، لكن مقدمة حذائي علقت عند عتبة الباب فسقطت كتبي . وقفت هناك لحظة وفكرت في أن أترك الكتب على الارض وأمضي . ثم تنهدت وانحنيت حتى أرفعها . رأيته هناك ... كان قد جمع الكتب كلها . ناولني إياها بوجه متجهم .
قلت ببرود : شكراً لك! ... فتضيقت عيناه وأجابني : أهلاً وسهلاً .
نهضت بسرعة واستدرت ذاهبة إلى قاعة الرياضة دون أن أنظر خلفي .
كان درس الرياضة فظيعاً ... لقد انتقلنا إلى كرة السلة . لم يحاول أفراد فريقي رمي الكرة باتجاهي ... كان هذا أمراً جيداً . لكنني سقطت إلى الارض كثيراً . وكنت أحياناً أجعل غيري يسقط أيضاً . كان وضعي اليوم أسوأ من المعتاد لان رأسي كان ممتلئاً بإدوارد . حاولت أن أركز انتباهي على قدمي لكنه كان يعود فيتسلل إلى أفكاري كلما كنت بحاجة إلى حفظ توازني .
كانت مغادرة القاعة أمراً مريحاً كالعادة . انطلقت إلى سيارتي راكضة تقريباً فرأيت هناك كثيراً من الناس الذين كنت راغبة في تجنبهم . كانت الاضرار التي أصابت السيارة في الحادث بسيطة جداً . كان علي استبدال المصابيح الخلفية ... وكنت أستطيع تولي ما يلزم من دهان بنفسي . أما والدي و تايلر فكان عليهما بيع الشاحنة لتصير قطع تبديل .
كاد قلبي يتوقف عندما التففت حول الزاوية فرأيت شخصاً طويلاً مستنداً على جانب سيارتي . ثم أدركت أنه إريك فتابعت السير من جديد .
قلت له : مرحباً إريك .
(( أهلاً بيلا ))
قلت وأنا أفتح الباب : ماذا حدث ؟ ... لم أنتبه إلى عدم الارتياح في صوته ففاجأئني كلماته تماماً : آه ! .. كنت أتساءل ... هل تودين مرافقتي إلى حفلة الرقص ؟ ... تكسر صوته عند الكلمات الاخيرة .
جعلتني المفاجأة غير قادرة على الحديث بدبلوماسية : ظننت أن الفتاة هي التي تدعو الشاب إلى هذه الحفلة ! .
قال خجلاً : نعم ، صحيح .
استعدت روعي وحاولت أن أبتسم ابتسامة دافئة : شكراً لانك طلبت مني مرافقتك ، لكن علي الذهاب إلى سياتل في ذلك اليوم .
قال : أوه ! طيب ... ربما في المرة القادمة .
طبعا! ... قلت موافقة ثم عضضت على شفتي . لم أكن أريده أن يفهم كلامي حرفياً .
استدار ببطء وعاد باتجاه المدرسة ... وسمعت صوت ضحكة خافتة ،
كان إدوارد يمر أمام مقدمة سيارتي ناظراً أمامه ... كانت شفتاه مغلقتين . فتحت الباب وقفزة إلى السيارة ثم صفقت الباب بعنف خلفي . أدرت المحرك ورجعت بالسيارة إلى الممر . كان إدوارد قد صار في سيارته ... وكانت أمامي بمقدار سيارتين ... وكانت تتراجع إلى الخلف ببطء ... أمامي ... فتغلق طريقي . توقف هناك ... لينتظر بقية أفراد أسرته . رأيت الاربعة يسيرون باتجاهنا ، لكنهم كانوا ما يزالون عند الكافتيريا . فكرت أن أصدم سيارته فأحطم مؤخرتها اللامعة ... لكن الشهود كانوا كثيرين من حولي . نظرت في المرأة فرأيت صفاً من
السيارات خلفي . كان تايلر كراولي خلفي مباشرة في سيارته الجديدة من نوع سنترا ... وكان يلوح لي بيده . لم يكن مزاجي الغاضب يسمح لي بالرد عليه .


بينما كنت أقف هناك ناظرة في كل اتجاه الا في اتجاه السيارة الواقفة أمامي سمعت نقراً على النافذة اليمنى . التفت فرأيت تايلر . نظرت في المرآة منزعجة . رأيت أن محرك سيارته مازال يعمل ... وكان الباب مفتوحاً . ملت إلى اليمين حتى أفتح النافذة . كانت حركة المقبض صعبة ففتحت النافذة نصف فتحة ثم توقفت .
آسفة يا تايلر ... أنا عالقة خلف كولن . كنت أشعر بالضيق ... من الواضح أن هذا التأخير ليس ذنبي .
قال تايلر مبتسماً : أوه ! أعرف هذا ... أردت فقط أن أطلب منك شيئاً ونحن واقفون هنا .
مستحيل ... لا يمكن أن يحدث هذا .
تابع يقول : هل يمكن أن تطلبي مني مرافقتك إلى حفلة الربيع ؟
بدا صوتي حاداً وأنا أقول : لن أكون في البلدة ياتايلر ! . .. لم يكن ذنبه أن مايك وإريك استنفذا كل مالدي من صبر في ذلك اليوم .
أعرف! ... أخبرني مايك بهذا .
إذن ... لماذا ... ؟
ابتسم وقال : كنت أمل أنك قلت له هذا ... لتصريفه عنك .
الان صار الذنب ذنبه هو .
قلت محاولة أن أخفي انزعاجي : آسفة يا تايلر . لن أكون في البلدة فعلاً .
عظيم ! مازال أمامنا حفل نهاية السنة .
قبل أن أتمكن من الاجابة سار تايلر عائداً إلى سيارته . كان بوسعي أن احس أثر الصدمة على وجه . نظرت أمامي فرأيت أليس وروزالي وأيميت وجاسبر يدخلون سيارة الفولفو . وكان إدوارد ينظر إلى في المرأة . كان جسمه يهتز من الضحك اهتزازاً واضحاً . .. وكأنه سمع كل كلمة قالها تايلر . امتدت قدمي إلى دواسة الوقود ... ضربة صغيرة لن تؤذي أحداً منهم ... ستتلف ذلك الدهان الفضي اللامع فقط . زدت سرعة المحرك .
لكنهم صاروا الان جميعاً داخل السيارة . وانطلق بها إدوارد مسرعاً .
عدت إلى البيت أقود سيارتي ببطء وحذر وأنا أتمتم مكلمة نفسي طوال الطريق ، وعندما وصلت قررت تحضير لفافات الدجاج من أجل الغداء . كانت تلك عملية طويلة ... وسوف تشغلني عن أفكاري . رن جرس الهاتف بينما كنت أقطع البصل والفليفلة . خفت أن أرد ، لكن المتصل قد يكون تشاري أو أمي .
كانت تلك جيسيكا . كانت سعيدة مبتهجة . لقد قابلها مايك بعد المدرسة وقبل دعوتها . شاركتها فرحتها قليلاً وأنا أحرك البصل . كان عليها أن تنهي المكالمة فهي تريد أيضاً أن تتصل بأنجيلا ولورين لتخبرهما . اقترحت ... ببراءة غير متكلفة ... أن تقوم أنجيلا ، تلك الفتاة الخجول التي تحضر دروس البيولوجيا معي ، بدعوة إريك أيضاً . وبوسع لورين ، هي فتاة متحفظة تتجاهلني دائماً وقت الغداء في الكافيتريا ، أن تدعو تايلر ... سمعت أنه مازال حراً . أعجبت جيسيكا بالفكرة كثيراً . فبعد أن ضمنت مايك الان بدت نبرتها صادقة عندما قالت إنها تتمنى أن أذهب إلى تلك الحفلة ... كررت لها عذر سياتل من جديد .
بعد أن وضعت السماعة حاولت التركيز على إعداد الغداء ...
تقطيع الدجاج خاصة . لم أكن أرغب في الذهاب إلى غرفة الاسعاف مرة ثانية . لكن رأسي كان يدور ويدور محاولاً تحليل كل كلمة قالها إدوارد اليوم . ماذا كان يقصد عندما قال إن من الافضل أن لا نكون أصدقاء ؟ أحسست بمعدتي تتقلص عندما أدركت ماقصده . لابد أنه رأى مدى انجذابي إليه ... إنه لا يريد دفعي إلى ذلك ... إذن ، لا نستطيع حتى أن نكون أصدقاء ... لانه ليس مهتماً بي أبداً .
طبيعي أنه لم يكن مهتماً بي ... فكرت بغضب ... بدأت الحرقة في عيني ... إنه تأثير البصل المتأخر . لم أكن لاثير اهتمامه . لكنه مثير للاهتمام ... مثير للاهتمام ... غامض ... لامع ... كامل ... جميل ... ولعله أيضاً يستطيع أن يرفع شاحنة صغيرة بيد واحدة .
لا بأس ... يمكنني أن أتركه وحده ... سأتركه وحده ... سوف أقضي حكمي الذي فرضته على نفسي بالحبس في هذه البلدة . وأمل بعد ذلك أن أحصل على منحة للدراسة في مدرسة في الجنوب الغربي ... أو حتى في هاواي . حاولت تركيز أفكاري على تلك الشواطىء المشمسة وأشجار النخيل ... أنهيت تحضير لفافات الدجاج ووضعتها في الفرن .
بدت الريبة على تشارلي عندما عاد إلى المنزل وشم رائحة الفليفلة الخضراء . لم أكن أستطيع لومه . لعل أقرب طعام مكسيكي يصلح للاكل كان في جنوب كاليفورنيا ! لكنه شرطي ، وإن يكن شرطي بلدة صغيرة إلى هذا الحد ، ولديه شجاعة تكفيه لتناول اللقمة الاولى . لقد أعجبه الطعام فيما يبدو . من المضحك أن أرى كيف بدأ ... ببطء ... يثق بمهارتي في المطبخ .
قلت له عندما كاد ينهي طعامه : (( أبي ))
((نعم بيلا ))
همممم ! أريد أن أخبرك أنني سأذهب إلى سياتل ليوم واحد يوم السبت ... هل تمانع ؟
لم أكن أطلب الاذن ... أنها سابقة سيئة ... لكنني شعرت بفظاظة بعملتي فأضفت إليها ذلك السؤال .
بدت عليه الدهشة كما لو أنه لا يتخيل وجود شيء غير متوفر في فوركس ، وسأل : لماذا ؟
حسن ، أريد بعض الكتب ... إن المكتبة هنا فقيرة جداً ... وقد أحاول شراء بعض الملابس أيضاً . كان لدي من المال أكثر مما تعودت لانني ، بفضل تشارلي ، لم أدفع ثمن سيارة ، مع أن سيارتي تكلفني الكثير في محطة الوقود .
قال وكأنه يردد صدى أفكاري : الارجح أن سيارتك تستهلك كثيراً من الوقود .
أعرف ، سأتوقف في مونتيسانو و أولمبيا ... وتاكوما اذا احتجت .
سألني : وهل تذهبين وحدك؟ لم أستطع أن أقرر ما اذا كان قاقاً من احتمال تعطل السيارة أو سبب شكه في وجود صديق سري لابنته .
قلت له : نعم .
قال بقلق : سياتل مدينة كبيرة ... قد تضيعين فيها .
أبي ! فينيكس أكبر من سياتل بخمس مرات ... وأنا أعرف قراءة الخريطة . لاتقلق بهذا الشأن .
أتريدين أن أذهب معك ؟
حاولت أن أكون ماهرة في أخفاء رعبي : هذا جيد يا أبي ... لكن الارجح أن أمضي معظم النهار في غرفة تجريب الملابس ... هذا ممل جداً لك .
طيب ، لابأس ... أحبطت عزيمته فوراً فكرة الانتظار في محلات بيع الالبسة النسائية .
ابتسمت قائلة : شكراً .
هل ستعودين في الوقت المناسب للذهاب إلى الحلفة ؟
أف ... لا يعرف الاباء مواعيد حفلات المدرسة الا في البلدات الصغيرة .
لا ... أنا لا أحب الرقص ياأبي . يجب أن يفهم هذا أكثر من أي شخص آخر ... فقد ورثت مشكلة سوء التوازن عنه لا عن أمي .
لقد فهم وقال موافقاً : آه ، هذا صحيح ! .
عندما دخلت بالسيارة إلى موقف السيارات صباح اليوم التالي تعمدت إيقاف السيارة أبعد مايمكن عن الفولفو الفضية . لم أكن أريد أن أضع نفسي في طريق هذا الاغراء كله ثم أورط نفسي في مسألة تعويضه عن سيارته . وعندما خرجت من السيارة أقلت مني المفتاح وسقط في بركة صغيرة عند أقدامي . انحنيت لالتقطه فرأيت يداً تمتد بسرعة البرق فتأخذه قبل أن أصل إليه . أجلفت ونهضت واقفة فرأيت إدوارد كولن واقفاً بجانبي مستنداً إلى سيارتي .
سألته بانزعاج ودهشة : كيف تستطيع فعل ذلك ؟


فعل ماذا ؟ ... قال ذلك وهو يناولني المفتاح ، وعندما مددت يدي اسقطه في راحتها .
أقد أنك تظهر فجأة .
بيلا... ليس ذنبي أنك قليلة الانتباه إلى هذا الحد ... كان صوته عادياً هادئاً ... مخملياً منخفض النبرة .
حدقت في وجهه البديع . اليوم لم تعد عيناه داكنتين ... كان لونهما ذهبياً عسلياً غامقاً . الان ، صار علي أن أنظر إلى الارض حتى أعيد ترتيب أفكاري المتشابكة المشوشة .
سألته وأنا مازلت أنظر بعيداً : لماذا حدثت عرقلة السير مساء الامس ؟ ... ظننت أنك سوف تتظاهر بتجاهل وجودي لا أنك ستزعجني إزعاجاً قاتلاً .
ضحك ضحكة صغيرة وقال : هذا من أجل تايلر لا من أجلك ... كان علي أن أمنحه فرصة .
قلت بزفرة غاضبة : أنت ... لم أستطع العثور على كلمة سيئة بالقدر الكافي . شعرت أن حرارة غضبي قادرة على إحراقه . لكن الموقف بدا مسلياً بالنسبة له .
ثم أني لا أتظاهر بأنك غير موجودة .
إذن ، أنت تحاول إزعاجي إزعاجاً قائلاً : هذا لان شاحنة تايلر لم تقتلني .
التمع الغضب في عينيه الذهبيتين المصفرتين . تصلبت شفتاه ... واختفت كل علامات المرح من وجهه .
(( بيلا! أنت عجيبة تماماً )) ... كان صوته الخافت بارداً .
شددت قبضتي ... كانت بي رغبة شديدة في ضرب أي شيء .
كنت مدهوشة من نفسي فأنا غير عنيفة عادة . استدرت ومشيت مبتعدة .
ناداني : أنتظري ! ... واصلت السير وأنا أطرطش غاضبة في برك ماء المطر . لكنه ظل بجانبي ... كان يساير خطواتي السريعة بكل سهولة .
قال وهو يمشي : أنا آسف ! ... هذه فظاظة مني . تجاهلته فتابع يقول : لا أقول إن هذا غير صحيح ... لكن من الفظاظة قوله على أي حال .
قلت غاضبة : لماذا لاتتركني ؟
قال مبتسماً : كنت أريد أن أسألك سؤالاً ، لكنك جعلتني أتحدث في أمر آخر . بدا وكأن مزاجه المرح قد عاد .
قلت بحدة : هل تعاني انفصام الشخصية؟
ها أنت تفعلينها مجدداً .
تنهدت وقلت : عظيم ! ماذا تريد أن تسألني ؟
كنت أتساءل اذا ... بعد أسبوع من يوم السبت ... أنت تعرفين إنه يوم حفلة الربيع الراقصة ...
قاطعته وأنا أتحرك باتجاهه : هل تتظارف ؟ بلل المطر وجهي عندما رفعت رأسي لانظر إلى تعبيره .
كان سرور خبيث يلمع في عينيه : هل تسمحين لي بأن أكمل كلامي ؟
عضضت على شفتي وشبكت أصابع يدي ... حتى لا أقوم بأي تصرف متسرع .
سمعتك تقولين إنك ذاهبة إلى سياتل في ذلك اليوم وخطر في بالي أنك قد ترغبين في أن أوصلك بالسيارة .
لم أكن أتوقع هذا : ماذا ؟ ... لم أكن متأكدة مما يرمي إليه .
هل تريدين من يوصلك إلى سياتل ؟
قلت مستغربة : من؟
أنا بطعاً . قالها موضحاً كل حرف من حروفها كأنه يتحدث إلى شخص مريض عقلياً .
مازالت الدهشة تغمرني : لماذا؟
كنت أنوي الذهاب إلى ستايل خلال الاسابيع الخمسة القادمة ...
ولاكن صادقاً أيضاً ... أشك في قدرة سيارتك على اجتياز هذه المسافة كلها .
سيارتي في حالة ممتازة . أشكرك كل الشكر على أهتمامك .
بدأت أمشي ثانية لكن دهشتي الشديدة لم تسمح لي بالمحافظة على شدة غضبي .
لكن ، هل يكفي خزان الوقود في سيارتك للذهاب إلى سياتل ؟
صار يمشي بجانبي تماماً الان .
لا شأن لك بهذا ... ياصاحب الفولفو اللامعة الغبي .
إن هدر الموارد من شأن كل أنسان .
(( صدقاً يا إدوارد )) .... شعرت بنشوة عندما نطقت اسمه فكرهت نفسي ... لا أستطيع أن أفهمك . ظننت أنك لا تريد أن تكون صديقي .
قلت أن من الافضل أن لا نكون أصدقاء . ولم أقل أنني لا أرغب في هذا .
قلت بسخرية مرة : (( آه ! شكراً ، الان صار كل شيء واضحاً )) .
أدركت أنني توقفت عن السير . كنا نقف تحت حافة السقف البارزة من الكافيتريا ... لكن هذا لم يساعد في صفاء تفكيري .
قال موضحاً : سيكون أكثر ... حكمة من جانبك أن لا تكوني صديقتي . لكني تعبت من محاولة البقاء بعيداً عنك يا بيلا .
كانت نظرة عينيه شديدة حارقة عندما نطق الكلمات الاخيرة ...
وكان صوته يوحي بمشاعر غضب مكبوتة . ماعدت أعرف كيف أتنفس .
سألني وهو مايزال متوتراً : هل ستذهبين معي إلى سياتل ؟
لم أكن أستطيع الكلام ، فأومأت برأسي .
ابتسم ابتسامة صغيرة ثم علت الجدية وجهه وقال محذراً : عليك فعلاً أن تظلي بعيدة عني ... أراك في الصف .
استدار فجأة ومضى من حيث جئنا .




أنتهى الفصل الرابع ..

القاكم غدا لوضع الفصل الخامس والسادس ..

قراءه ممتعه للجميع ..

nona22
07-19-2010, 12:57 AM
ايوووووووووووووة كدة يا وديع دة الكلام
كلنا مستنين الفصل اللخامس على نااااااااااريا جميل

http://www.bloggang.com/data/amsweet/picture/1245149567.jpg

ألم الخريف
07-19-2010, 02:56 PM
الفصل الخامس ..

زمرة الدم ..

مضيت إلى درس اللغة الانكليزية وأنا أشعر بالدوار . دخلت ولم أنتبه إلى أن الدرس قد بدأ فعلاً .
قال الاستاذ مامون بنبرة مؤنبه : شكراً لانضمامك إلينا يا آنسة سوان .
أحمر وجهي فأسرعت إلى معقدي .
لم أدرك أن مايك لم يكن جالساً في مكانه المعتاد بجانبي حتى نهاية الدرس . شعرت بشيء من الذنب . لكنه التقاني مع إريك عند الباب كالعادة فاستنتجت أنه سامحني بعض الشيء . بدا لي أن مايك قد عاد إلى طبيعته بينما رحنا نسير ... كان حماسه يزداد وهو يتحدث عن التنبؤات الجوية لنهاية الاسبوع . من المفترض أن يتوقف المطر بعض الشيء ومن المحتمل أن يصبح الذهاب في رحلة إلى الشاطىء أمراً ممكناً . حاولت إظهار الحماسة تعويضاً عن تخيب آماله أمس .
كان ذلك صعباً ، سواء كانت تمطر أو لا ، لن تتجاوز الحرارة 15 درجة ، وهذا إذا كنا محظوظين .
ظللت مشوشة طيلة الفترة الصباحية . كان صعباً علي تصديق أنني لم أكن أتخيل ما قاله إدوارد ... ولم أكن أتخيل تلك النظرة في عينيه . لعل هذا لم يكن الا حلماً مقنعاً جداً اختلط عندي بالحقيقة . هذا أرجح احتمالاً من أن يكون ميالاً إلي بأي شكل من الاشكال .
لذلك كنت خائفة نافذة الصبر عندما دخلت إلى الكافيتريا مع جيسيكا . كنت أريد رؤية وجهه لارى إن كان قد عاد ثانية فأصبح ذلك الشخص البارد اللامبالي الذي عرفته طيلة الاسابيع الماضية ، أو إن كنت قد سمعت منه حقاً ماظننت أنني سمعته هذا الصباح ... ستكون عجيبة من العجائب . كانت جيسيكا تثرثر وتثرثر عن خططها لحفلة الرقص ...
لقد قامت لورين و أنجيلا بدعوة الصبيين الاخرين ، وسوف يذهبون كلهم سوية ... لم تنتبه جيسيكا إطلاقاً إلى عدم اهتمامي .
غمرتني الخيبة عندما نظرت عامدة إلى طاولته . كان الاربعة الاخرون جالسين هناك ، لكنه كان غائباً . هل ذهب إلى المنزل ؟ حاولت متابعة ثرثرة جيسيكا لكنني عجزت عن ذلك . فقدت شهيتي ... لم أشتر الا زجاجة عصير ليمون . لم أكن أرغب الا في الذهاب والجلوس من غير كلام .
قالت جيسيكا وقد أفلحت في كسر امتناعي عن الكلام باستخدام اسمه : إدوارد كولن ينظر إليك مجدداً . أستغرب جلوسه وحيداً اليوم .
رفعت رأسي بسرعة وتابعت نظراتها فرأيت إدوارد يبتسم ابتسامة خبيثة وينظر إلي من طاولة فارغة في الجهة المعاكسة لمكان جلوسه المعتاد . وعندما التقط عيني رفع يده وأشار إلي أن أذهب لاجلس معه .
وعندما رحت أحدق فيه غير مصدقة غمزني بعينه .
سألت جييكا بدهشة مهينة تنبع من صوتها : هل يقصدك أنت ؟
قلت لاتخلص منها : لعله يحتاج مساعدتي في واجب البيولوجيا ... همم ... من الافضل أن أهب لارى ما يريد .
شعرت بعينيها تحدقان في ظهري عندما مشيت باتجاهه .
عندما وصلت وقف خلف الكرسي المقابل له ... لم أكن واثقة .
سألني مبتسماً : الا تجلسين معي اليوم ؟
جلست على نحو آلي وأنا أنظر إليه بحذر وريبة . مازال يبتسم .
كان يصعب التصديق أن شخصاً بهذا الجمال يمكن أن يكون حقيقياً .
تخيلت أن يختفي فجأة وأن أستيقظ من حلمي .
بدا أنه ينتظرني ليقول لي شيئاً .
أفلحت في الكلام أخيراً فقلت : هذا شيء مختلف .
قال : (( أنا ...)) توقف لحظة ثم اندفعت الكلمات من فمه اندفاعاً : بما أنني ذاهب إلى الجحيم فقد قررت أن أفعل ذلك بشكل كامل .
أنتظرت أن يقول شيئاً مفهوماً . لكن الثواني مرت وهو صامت .
قلت له أخيراً : تعرف أنني لا أفهم قصدك أبداً .
ابتسم من جديد وقال : (( أعرف ! )) ... ثم غير الموضوع : أظن أن أصدقاءك غاضبين لانني سرقتك منهم .
(( لن يموتوا بسبب هذا )) . كنت أشعر بنظراتهم تخترق ظهري .
قال بنظرة خبيثة تلتمع في عينيه : لكنني قد لا أعيدك إليهم .
شعرت بغصة .
ضحك قائلاً : تبدين خائفة .
قلت : (( لا!)) لكن صوتي كان متكسراً ... يالسخافتي .... الواقع أنك فاجأتني ... ماسبب هذا كله ؟
(( قلت لك ... تعبت من محاولة البقاء بعيداً عنك . وها أنا ذا استسلم )) . مازال يبتسم ... لكن بعينين جادتين .
كررت بحيرة : تستسلم ؟
(( نعم ... أستسلم فأكف عن محاولة أن أكون طيباً . سأفعل ما أرغب فيه الان ... وليكن ما يكون )) . خبث ابتسامته وهو يتحدث ولمست الحدة إلى صوته .
(( لم تفهميني هذه المرة أيضاً ! )) ... عادت إلى الظهور ابتسامته المعابثة التي تقطع الانفاس .
(( دائماً أقول أكثر مما يجب عندما أتحدث إليك ... هذه مشكلة من المشاكل )) .
قلت متجهمة : لاتقلق ... لست أفهم شيئاً مما تقول .
(( أنا أعتمد على هذا )) .
(( إذن ، هل نحن أصدقاء الان ؟))
قال متأملاً ... متشككاً : (( أصدقاء ... ))
(( أم لا ! ))
ابتسم قائلاً : يمكننا أن نحاول ... كما أظن . لكنني أحذرك الان من أنني لست صديقاً جيداً لك ... كان تحذير حقيقي يطل من خلف ابتسامته .
قلت له : أنت تكرر هذا كثيراً ... كنت أحاول تجاهل الرجفة المفاجئة في معدتي ... وكنت أحاول المحافظة على هدوء صوتي .
(( نعم ، لانك لا تستمعين إلي . مازلت أنتظر أن تصدقي ذلك . إذا كنت ذكية فسوف تتجنبيني )) .
(( أعتقد أنك أوضحت رأيك في مسألة ذكائي أيضاً )) .
ابتسم ابتسامة اعتذار .
(( إذن ، طالما انني لست ... ذكية ، سنحاول أن نكون أصدقاء ! )) . ..
كنت أحاول جاهدة أن ألخص تلك الصفقة الغريبة .
(( هذا يبدو صحيحاً تقريباًً )) .
نظرت إلى يدي المتشابكتين حول زجاجة عصير الليمون ... لم أعرف ما الذي يجب أن أفعله الان .
سألني بفضول : بم تفكرين ؟
نظرت في عينيه الذهبيتين العميقتين ... شعرت بالذهول ... كما العادة قلت الحقيقة فوراً : أحاول أن أفهم ... ما أنت ! .
بدا التوتر على وجهه لكن ابتسامته ظلت كما هي ... مع بعض الجهد .
سألني بنبرة حاول أن يجعلها لا مبالية : وهل تلاقين نجاحاً في هذا ؟
قلت معترفة : ليس كثيراً .
ابتسم وقال : وما هي نظرياتك ؟
أحمر وجهي . كنت أتذبذب بين نقيضين طيلة الشهر الماضي . لا يبدو أن لدي طريقة للحسم .
سألني وهو يميل برأسه جانباً ويبتسم ابتسامة مغرية إلى حد مذهل : (( ألن تخبريني ؟ ))
هززت رأسي : (( هذا محرج جداً )) .
قال متذمراً : هذا محبط حقاً كما تعلمين .
قلت بسرعة : لا.!.. ضاقت عيناي وقلت : لا أستطيع أن أفهم لماذا يكون محبطاً ... لماذا يحبطك أن يرفض شخص إخبارك عما يفكر فيه ... حتى اذا كنت تمضي وقتك كله في قول عبارات صغيرة مصممة على تمنعه من النوم في الليل وهو يفكر بما يمكن أن يكون قصدك منها ... لماذا يكون هذا محبطاً ؟
رأيته يكشر قليلاً .
تابعت حديثي وقد راح انزعاجي كله يعبر عن نفسه بحرية : وأكثر من هذا ... افترض أيضاً أنك تقوم بسلسلة من الاشياء الغريبة ... من إنقاذ حياته بطريقة لا يصدقها العقل إلى معاملته في اليوم التالي مثلما يعاملون كلباً شارداً ... ثم لا تشرح له أياً من هذا كله حتى بعد أن وعدته بذلك ... هذا أيضاً غير محبط أبداً .
(( أنت غاضبة قليلاً ، ألست كذلك ؟ ))
(( لا أحب المعايير المزدوجة )) .
رحنا نتبادل نظرات حادة ... من غير ابتسام .
نظر من فوق كتفي ... وفجأة ابتسم بطريقة غير متوقعة فقلت : ماذا؟
ابتسم ثانية : يبدو أن صديقك يظن أنني أزعجك ... وهو يفكر الان فيما اذا كان عليه أن يأتي ليضع حداً لشجارنا .
قلت ببرود شديد : لا أعرف عمن تتكلم . لكنني واثقة من أنك مخطىء .
(( لست مخطئاً ، لقد قلت لك من قبل ... من السهل قراءة معظم الناس )) .
(( الا أنا طبعاً ! ))
(( نعم! ... الا أنت )) ... تغير مزاجه فجأة ... اكتأبت عيناه وقال : (( لا أفهم السبب ! )) .
كان علي أن أشيح بنظري لشدة نفاذ نظرته . ورحت أشغل نفسي بالتركيز على انتزاع غطاء زجاجة الليمون . أخذت جرعة كبيرة ورحت أحدق في الطاولة ولا أراها .
سألني مغيراً الموضوع : ألست جائعة ؟
((لا ! )) ... لم أكن أرغب في القول أن معدتي كانت مملوءة ... بالفراشات .
(( وأنت ؟ )) ... نظرت إلى الطاولة الفارغة أمامه .
قال : (( لا ... لست جائعاً )) . لم أفهم تعبير وجهه ... بدا كمن يستمتع بنكتة لا يفهمها غيره .
قلت بعد لحظة من التردد : (( هل أستطيع أن أطلب منك معروفاً ؟ ))
بدا عليه الانتباه فجأة : (( هذا يتوقف على الشيء الذي تطلبينه )) .
(( ليس بالشيء الكثير )) .
انتظر كلامي ... بدا عليه الفضول والحذر معاً .
(( هل يمكنك .. من أجلي أنا ... أن تخبرني مسبقاً عندما تقرر تجاهلي في المرة القادمة ... حتى أكون مستعدة فقط )) . كنت أنظر إلى زجاجة الليمون أثناء كلامي وأمر بإصبعي على فوهتها الدائرية .
(( هذا يبدو منصفاً )) ... وعندما نظرت إليه رأيته يضغط على شفتيه حتى لا ينفجر ضاحكاً .
(( شكراً )) .
قال : (( والان ، هل أحصل منك على إجابة واحدة بالمقابل ؟ ))
(( واحدة فقط ! ))
(( أخبريني بواحدة من نظرياتك عني )) .
ياللبؤس : (( ليس على هذا السؤال تحديداً )) .
(( أنت لم تحددي نوعها ... وعدتني بإجابة واحدة )) .
قلت مذكرة إياه : (( لكنك لم تف بوعودك أيضاً )) .
(( نظرية واحدة فقط ... لن أضحك )) .
(( بل ستضحك ! )) ... كنت واثقة من هذا .
أطرق برأسه ثم رفعه ونظر إلي عبر أهداب عينيه الطويلة ... كانت نظرته نفاذة .
(( أرجوك ! )) ... قالها همساً وهو يميل صوبي .
تبخر كل شيء من رأسي ... يا ربي ... كيف يفعل هذا ؟
سألته وأنا أشعر بدوار في رأسي : (( ماذا ؟ ))
(( أرجو أن تخبريني بنظرية واحدة فقط )) ... كانت عيناه تواصلان لوجيه تلك النظرة الحارقة إلي .
(( آه ، طيب ، لقد قرصك عنكبوت مشع ! )) ... هل يمارس التنويم المغناطيسي أيضاً ؟ أم أنتي مجرد ضعيفة لا أمل منها ؟
قال هازئاً : (( ليست نظرية مبتكرة كثيراً )) .
قلت مستاءة : (( آسفة ، هذا كل ما لدي )) .
راح يضايقني : (( لم تقتربي من الحقيقة )) .
(( لا يوجد عنكبوت ؟))
(( أبداً )) .
(( ولا شيء مشع ؟ ))
(( أبداً )) .
تنهدت : (( بئس الامر ))
قال مبتسماً : لا تزعجني الحجارة الفضائية أيضاً .
(( قلت إنك لن تضحك ... هل تتذكر هذا ؟ ))
حاول جاهداً أن يسيطر على تعبير وجهه .
حذرته قائلة : (( سأعرف الحقيقة في النهاية )) .
(( أتمنى الا تحاولي ! )) ... أصبح جاداً من جديد .
(( لماذا ...؟ ))
(( ماذا لو لم أكن بطلاً خارقاً ؟ ماذا لو كنت شخصاً سيئاً ؟ )) ... كانت ابتسامته مرحه مبتهجة ، لكن عينيه لم تفصحا عن شيء ... صار لكثير من الاشياء التي قالها معنى مفاجىء فقلت : (( آه ! أفهم هذا )) .
(( هل تفهمين حقاً ؟ )) ... ظهر تعبير حاد على وجهه كما لو أنه خشي أن يكون قد أسرف في الكلام من غير قصد .
(( هل أنت خطير ؟ )) ... قلتها كمن يحزر أمراً ... ثم تسارع نبضي عندما أدركت بحدسي صدق تلك الكلمات . لقد كان خطيراً . وهو يحاول أن يوصل إلي هذه الفكرة طيلة الوقت .
اكتفى بالنظر إلي . وكان ملء عينيه تعبير لم أستطع فهمه .
همست قائلة وأنا أهز رأسي : (( لكنك لست سيئاً ... لا ! لا أعتقد أنك سيء )) .
(( أنت مخطئة )) ... قالها بصوت لا يكاد يسمع . أطرق برأسه ثم خطف غطاء الزجاجة وصار يقلبه بين أصابعه . حدقت فيه وأنا أتساءل عن سبب شعوري بالخوف . لقد كان يعني مايقول ... كان هذا واضحاً . لكنني لم أشعر الا بشيء من القلق ... كنت احس أنني مسحورة أكثر من أي إحساس آخر . هكذا أشعر كلما كنت بجانبه .
دام صمتنا حتى انتبهت إلى أن الكافتيريا صارت شبه فارغة .
قفزت واقفة وقلت : سنتأخر عن الدرس ! .
قال وهو يقلب الغطاء بين أصابعه بسرعة شديدة : لن أذهب إلى الصف اليوم .
(( لماذا ؟))
رفع رأسه مبتسماً ، لكن عينيه ظلتا مضطربتين : مفيد للصحة أن لا يذهب المرء إلى الصف من حين لاخر .
قلت : حسناً ! أنا ذاهبة ... كنت أكثر جبناً من أن أغامر .
عاد إلى التركيز على الغطاء الذي يقلبه بأصابعه وقال : إذن ، أراك لاحقاً .
وقفت مترددة ... ممزقة ... لكن الجرس الاول جعلني أسرع خارجة من الباب . ألقيت عليه نظرة سريعة فرأيت أنه لم يتحرك أبداً .
عندما سرت شبه راكضة إلى الصف كان رأسي يدور بأسرع من دوران غطاء الزجاجة بين أصابعه . قليلة جداً هي الاسئلة التي حصلت على إجابتها اذا ما قورنت بالاسئلة الجديدة الكثيرة التي نشأت ... لقد توقف المطر ، على الاقل .
كان حظي طيباً ... وصلت قبل أن يصل الاستاذ بانر إلى الصف .
جلست بسرعة في مقعدي ولا حظت مايك و أنجيلا ينظران إلي . بدا مايك غاضباً ، وبدت أنجيلا مدهوشة ... بل منزعجة بعض الشيء .
دخل الاستاذ بانر طالباً الهدوء من الطلاب . كان يحمل علباً صغيرة بين ذراعيه . وضع العلب على طاولة مايك وطلب منه توزيعها على الطلاب .
(( الان ، أريد أن يأخذ كل منكم قطعة من كل صندوق )) ... قال هذا وهو يخرج من جيب قميصه المخبري الابيض زوجاً من القفازات المطاطية . ارتدى القفازات وبدا لي صوت المطاط وهو يأخذ مكانه على يديه منذراً بالشؤم . قال الاستاذ : (( هذه بطاقة كاشفة )) وحمل بيده بطاقة بيضاء عليها أربعة مربعات ورفعها حتى نراها . (( وهذا قضيب رباعي الشعب )) ، ورفع شيئاً بدا مثل ملقط شعر من غير أسنان . .. وهذا مشرط مجهري معقم ، ورفع قطعة صغيرة من البلاستيك الازرق ثم فتحها . كان نصل المشرط غير مرئي من تلك المسافة ، لكنني شعرت بتقلص في معدتي .
(( سأدور عليكم حاملاً دورقاً من الماء من أجل تحضير بطاقاتكم لذلك أرجو أن لا يبدا أحد قبل وصولي إليه )) . بدأ من طاولة مايك فوضع بحذر نقطة من الماء على كل مربع من المربعات الاربع . (( أريد من كل منكم أن يجرح إصبعه جرحاً صغيراً جداً باستخدام المشرط ... ))
أمسك بيد مايك وغرس الحافة المدببة في قمة إصبعه الاوسط . آه . لا ... انبجس سائل دبق أمام جبيني .
قال الاستاذ وهو يطبق ما يقول : (( ضعوا قطرة صغيرة على كل شعبة من شعب القضيب )) وأمسك بإصبع مايك ثم عصرها حتى خرجت نقطة دم . ابتلعت ريقي بصعوبة وأحسست بتخبط معدتي .
(( ثم ضعوا نقطة الدم على البطاقة )) ، ورفع البطاقة حتى نرى الدم عليها . أغمضت عيني محاولة أن أسمع الاستاذ من خلال الطنين الذي أصمم أذني .
(( سوف يقوم الصليب الاحمر بجولة لتحديد زمر الدم في بورت آنجلس في عطلة نهاية الاسبوع القادمه )) ... بدا فخوراً بنفسه ... (( يجب أن يحصل كل من لم يبلغ الثامنة عشر بعد على موافقة والديه ... على مكتبي أوراق مطبوعة لتلك الغاية )).
تابع السير في الغرفة موزعاً نقاط الماء . وضعت خدي على غطاء الطاولة الاسود البارد محاولة أن أعود إلى وعيي . كنت أسمع من حولي الزعقات والتذمرات والضحكات الصادرة عن زملائي وهم يثقبون أصابعهم . رحت أتنفس ببطء من فمي .
سألني الاستاذ بانر : بيلا ... هل أنت بخير ؟ كان صونه قريباً جداً من رأسي وبدا حذراً منتبهاً .
قلت بصوت خافت : أنا أعرف زمرة دمي يا أستاذ ... خفت أن أرفع رأسي .
(( هل تشعرين بدوار ؟ ))
تمتمت : (( نعم يا أستاذ )) ... كنت ألوم نفسي لانني لم أقرر عدم المجيء إلى الصف عندما سنحت لي الفرصة .
قال الاستاذ : (( من فضلكم ، هل يستطيع أحد منكم أن يأخذ بيلا إلى الممرضة ؟ ))
لم أكن بحاجة لان أرفع رأسي حتى أعرف أن مايك هو الذي تطوع لهذه المهمة .
سألني الاستاذ : (( هل تستطيعين السير ؟))
همست : (( نعم ! )) ... فقط أخرجوني من هنا ... قلت في نفسي ... سأخرج زحفاً اذا اقتضى الامر .
بدا مايك متحمساً عندما أمسك بمعصمي ووضع ذراعي حول كتفه . استندت إليه في طريقنا إلى خارج الصف .
سار بي مايك ببطء في الخارج ... توقفت عندما صرنا عند زاوية الكافتيريا بعيداً عن الصف بحيث لا يرانا الاستاذ بانر إن كان يراقبنا .
رجوت مايك (( دعني أجلس دقيقة واحدة من فضلك )) .
ساعدني في الجلوس على حافة الممر .
حذرته قائلة : (( دع يدك في جيبك )) ... مازلت أشعر بالدوخة .
استلقيت على جانبي ووضعت خدي على إسمنت الممر البارد وأغمضت عيني . ساعدني هذا قليلاً .
قال مايك بعصبية : (( آوه ! أخضر لونك يا بيلا )) .
سمعت صوتاً مختلفاً من بعيد : (( بيلا؟ ))
(( لا! أرجو أن يكون هذا الصوت المألوف إلى حد الرعب مجرد خيال )) .
(( ما المشكلة ... هل أصيبت ؟ )) ... صار صوته أقرب الان وبدا عليه القلق . لم يكن الامر مجرد خيال . فتحت عيني رغماً عنهما متمنية أن أموت في تلك اللحظة ، أو أن لا أتقياً على أقل تقدير .
بدا التوتر على مايك : (( أعتقد أنها فقدت الوعي . لا أعرف ما حدث ... إنها لم تجرح إصبعها بعد )) .
(( بيلا)) ... صار صوت إدوارد بجانبي تماماً الان وبدا عليه الانفراج : (( هل تستطيعين سماعي ؟ )) .
(( لا! )) ... قلتها بصوت كالانين : (( اذهب عني )) .
ضحك إدوارد .
راح مايك يوضح له بنبرة دفاعية : كنت أذهب بها إلى الممرضو لكنها توقفت هنا ورفضت أن تتابع .
قال إدوارد : (( سوف آخذها أنا )) . مازلت أستطيع أن أسمع تلك الابتسامته في صوته : (( تستطيع أن تعود إلى الصف )) .
اعترض مايك قائلاً : (( لا! يفترض أن آخذها أنا )) .
فجأة ، اختفى الممر الذي تحتي ففتحت عيني بدهشة . كان إدوارد قد حملني بين ذراعيه بسهولة كما لو أن وزني كان خمسة كيلو غرامات لا خمسة وخمسين .
(( أنزلني ! )) ... أرجوك ياربي لاتدعني أتقيأ عليه . لكنه بدأ السير قبل أن أنهي كلمتي .
صاح مايك الذي أصبح خلفنا بعشر خطوات الان : (( انتظر! ))
تجاهله إدوارد وقال لي مبتسماً : (( منظرك بائس )) .
قلت بصوت كالانين : (( أرجعني إلى الممر ! )) . لم تكن تموجات حركة المشي تساعدنا في شيء . كان يحملني بعيداً عن جسمه ... كان يحملني بسهولة متلقياً وزني كله بذراعيه فقط ... لم يبد عليه أي جهد .
سألني : (( إذن ! .. أغمي عليك بسبب منظر الدم ؟ )) ... بدا هذا مسلياً بالنسبة له .
لم أجيبه بشيء . أغمضت عيني من جديد ورحت أقاوم الغثيان بكل قوة وأنا أطبق شفتي بشدة .
تابع إدوارد متسمتعاً بالحديث : (( حتى أنه لم يكن دمك أنت )) .
لا أعرف كيف فتح الباب وهو يحملني لكنني شعرت بالدفء فجأة فعرفت أننا صرنا داخل الغرفة .
سمعت صوتاً أنثوياً يشهق : (( أوه ، ماذا بها ؟ ))
قال إدوارد : (( أغمي عليها في درس البيولوجيا )) .
فتحت عيني : كنت في غرفة المكتب ، وكان إدوارد يسير باتجاه باب الممرضة . أسرعت الانسة كوب ذات الشعر الاحمر ، وهي موظفة الاستقبال في المكتب الامامي ، فسبقتني حتى تفتح الباب له . رفعت الممرضة التي لها مظهر الجدات رأسها عن الواية التي بيدها ونظرت بدهشة عندما كان إدوارد يدخلني إلى الغرفة ثم يضعني برفق فوق الورق الذي يغطي السرير الوحيد المغلف بقماش بني . ثم ذهب فوقف بجانب الجدار الاخر من الغرفة أي على أبعد مسافة ممكنة مني . كانت عيناه للمعان مستثارتين .
قال كمن يطمئن الممرضة الخائفة : (( لقد أغمي عليها قليلاً فقط ... إنهم يجرون فحص الزمر الدموية في مخبر البيولوجيا )) .
هزت الممرضة رأسها بحكمة وقالت : دائماً يصاب أحدهم بالاغماء .
كتم إدوارد ضحكته .
قالت الممرضة : (( عليك الاستلقاء دقيقة واحدة فقط ياحبيبتي ... سيزول الامر سريعاً )) .
قلت : (( أعرف هذا ! )) ... كان غثياني يتلاشى منذ الان .
سألتني : هل يحدث هذا معك كثيراً .
اعترفت قائلة : (( أحياناً )) ... سعل إدوارد حتى يخفي ضحكة أخرى .
قالت له : (( تستطيع الذهاب إلى صفك الان )) .
(( علي أن أظل معها ! )) ... قال ذلك بسلطة واثقة جعلت الممرضة تمتنع عن إضافة أي كلمة ... لكنها زمت شفتيها .
قالت لي : ((سأحضر لك بعض الثلج حتى تضعيه على جبينك يا عزيزتي )) . ثم خرجت مسرعة من الغرفة .
قلت له وأنا أغمض عيني : (( لقد كنت محقاً))
(( عادة ما أكون محقاً ... لكن بم كنت محقاً هذه المرة ؟ ))
قلت : (( الهروب من الدرس شيء صحي )) . ثم رحت أحاول التنفس بانتظام .
(( لقد أخفتني لحظةً هناك )) ... قالها كمن يعترف . كان صوته كصوت من يعترف بضعف معيب . (( ظننت أن مايك نيوتن كان يجر جثتك حتى يدفنك في الغابة )) .
(( ها ها ! )) ... مازالت عيناي مغلقتين لكني شعرت أنني أعود إلى الوضع الطبيعي مع كل دقيقة تمر .
(( بصدق ... رأيت جثثاً لونها أفضل من لونك في تلك اللحظة . وقلقت لانني قد اضطر إلى الانتقام ممن قتلك )).
(( مسكين مايك ... لابد أنه غاضب جداً )) .
قال إدوارد مبتهجاً : (( لابد أنه يكرهني كثيراً الان )) .
جادلته قائلة : (( لا تستطيع أن تعرف ذلك )) ... لكنني تساءلت فجأة عما اذا كان يستطيع حقاً .
(( رأيت وجهه ... كان ذلك واضحاًً عليه )) .
(( كيف رأيتني ؟ ظننت أنك تختبىء من الدرس)) . صار وضعي جيداً الان ... لابد أن الدوار كان سيفارقني بسرعة أكبر لو أنني أكلت شيئاً عند الغداء . لكن ، لعل من حسن حظي أن معدتي كانت فارغة .
(( كنت في السيارة أستمع إلى الموسيقى )) ... إجابة عادية جداً ...فاجأتني .
سمعت صوت الباب ففتحت عيني ورأيت الممرضة تحمل كيساً بارداً في يدها .
(( خذي ياعزيزتي !)) ... وضعت الكيس على جبهتي وقالت : (( يبدو عليك التحسن )) .
قلت : (( أظن أنني بخير الان )) . انتصبت جالسة . لم أشعر بالدوار ... فقط بعض الطنين في أذني . ظلت الجدران الخضراء بلون النعناع ثابتة في مكانها .
رأيت أنها توشك أن تجعلني أستلقي من جديد ، لكن الباب فتح في تلك اللحظة ومدت الانسة كوب رأسها منه : (( لدينا واحد آخر ! ))
قفزت إلى الارض حتى أخلي السرير من أجل المريض الجديد .
ناولت الممرضو الكيس : خذي ، لم أعد بحاجة إليه .
ظهر مايك في الباب . كان يسند الان لي ستيفنز الشاحب ، وهو صبي آخر معنا في صف البيولوجيا . تراجعنا أنا وإدوارد حتى الجدار لنفسح لهم طريقاً .
تمتم إدوارد : (( لا يا بيلا ! اذهبي إلى غرفة المكتب )) .
نظرت إليه باستغراب فقال : (( ثقي بي ... اذهبي )) .
استدرت وأمسكت بالباب قبل أن يغلق وخرجت من غرفة الممرضة . أحسست بإدوارد خلفي تماماً .
قال مدهوشاً : (( لقد استمعت إلي فعلاً هذه المرة ! ))
قلت وأنا أجعد أنفي قرفاً : (( شممت رائحة الدم )) . لم يكن لي مغمى عليه بسبب مشاهدته الاشخاص الاخرين كما حدث معي .
قال إدوارد معترضاً : (( لا يستطيع الناس شم رائحة الدم )) .
(( أنا أستطيع ... هذا سبب إغمائي ، إن رائحته مثل الصدأ ... والملح )) .
كان ينظر إلي نظرة لم أستطع سبر غورها فسألته : ((ماذا ؟ ))
(( لا شيء ! ))
في تلك اللحظة خرج مايك من الباب وهو ينقل نظراته بيني وبين إدوارد . كانت نظرته إلى إدوارد تؤكد ما قاله عنه منذ قليل . نظر مايك إلي بعينين كئيبتين .
قال بنبرة اتهام : (( يبدو وضعك أفضل )) .
قلت له محذرته: (( دع بدك في جيبك ولا تخرجها )) .
قال مايك : لم تعد تنزف . هل تعودين إلى الدرس ؟
(( هل تمزح ؟ اذا ذهبت إلى الدرس فسأعود إلى هنا فوراً )) .
(( نعم ، أظن ذلك ... هل ستذهبين في عطلة نهاية الاسبوع . إلى الشاطىء ! ))
فيما كان يتكلم ألقى نظرة غاضبة أخرى صوب إدوارد الذي كان يقف قرب الطاولة من غير حراك كأنه تمثال ... كان ينظر بعيداً ... في الفراغ .
حاولت أن أقول بصوت ودي إلى أقصى حد : (( طبعاً ، قلت إنني سأذهب )) .
(( نلتقي جميعاً الساعة العاشرة في متجر والدي )) . قفزت عيناه نحو إدوارد من جديد وكأنه ستساءل عما اذا كان أفصح عن معلومات أكثر من اللازم . كان واضحاً من لغة جسده أن الدعوة ليست مفتوحة للجميع .
وعدته : (( أراك هناك )) .
قال وهو يتحرك صوب الباب غير واثقٍ بعد : إذن ، أراك في قاعة الرياضة .
أجبته : طبعا! .
نظر إلي من جديد بوجه مقطب قليلاً ثم خرج من الباب ببطء وقد تهدل كتفاه . غمرني شعور التعاطف والشفقة . وتخيلت رؤية وجهه خائب الامل مجدداً .. في قاعة الرياضة .
قلت بصوت كالانين : (( قاعة الرياضة ! )) .
لم الاحظ إدوارد عندما تحرك نحوي . لكنه تكلم الان في أذني : (( أستطيع الاهتمام بذلك . اذهبي واجلسي ... ماعليك الا أن تظهري بعض الشحوب )) .
لم يكن هذا صعباً ... أنا شاحبة دائماً . وقد تركت إغماءتي بعض العرق على وجهي . جلست على إحدى الكراسي القابلة للطي وأسندت رأسي إلى الجدار مفلقة عيني . الاغماء يرهقني دائماً .
سمعت إدوارد يتحدث بصوت خافت عند الطاولة .
(( آنسه كوب ! )) .
(( نعم ؟ )) ... لم أكن قد سمعتها عائدة إلى طاولتها .
(( لدى بيلا درس رياضة الان . لا أعتقد أنها ارتاحت بالقدر الكافي . الحقيقة أعتقد أن علي أن أذهب بها إلى منزلها الان . هل تعتقدين ان بوسعك إعفاءها من درس الرياضة ؟ )) .
كان صوته عذباً كالعسل . أستطع أن أتخيل كم كانت عيناه عذبتين في تلك اللحظة أيضاً .
قالت الانسه كوب بارتباك : (( وهل تريد أن أعفيك أنت أيضا يا إدوار د؟ ))... لماذا لا أستطيع أن أفعل هذا ؟
(( لا! ... لدي الان درس لدى السيدة غوف ... لن تمانع أبداً )) .
(( طيب ! كل شيء على ما يرام إذن . هل تشعرين أنك صرت أفضل يابيلا ؟ )) أومأت بضعف ثم رفعت رأسي قليلاً .
(( هل تستطيعين المشي أم أحملك ثانية ؟ )) ... كان ظهره إلى الموظفة ... ورأيت تعبير تهكم ساخر على وجهه .
(( سأمشي ! )) .
وقفت بحذر فوجدت أنني مازلت بخير . فتح الباب أمامي بابتسامة مهذبة لكن السخرية واضحة في عينيه . خرجت إلى البرد ... كان مطر خفيف قد بدأ يهطل . جو لطيف ! ... هذه أول مرة أستمتع بذلك البلل المستمر الهاطل من السماء ... كان المطر يغسل ذلك العرق اللزج عن وجهي .
قلت لإدوارد وهو يسير خلفي في طريقنا إلى الخارج : (( شكراً ... لا بأس في أن يغمى علي حتى أتخلص من درس الرياضة )) .
(( على الرحب والسعة )) ... كان ينظر أمامه مباشرة ... كان يحدق في المطر .
(( هل تذهب إذن ؟ أقصد يوم السبت ! )) كنت آمل أن يذهب رغم أن الامر بدا مستبعداً تماماً . لم أستطع تخيله ذاهباً في تلك الرحلة مع بقية أولاد المدرسة . إنه لا ينتمي إلى ذلك العالم نفسه . لكنني آمل فقط أن يعطيني ما يدعم تلك اللمسة الاولى من الحماسة التي أحسست بها تجاه الرحلة .
ظل ينظر أمامه من غير تعبير على وجهه : (( إلى أين أنتم ذاهبون بالضبط ؟ )) ز
(( سنذهب إلى لابوش ... إلى الشاطىء الاول )) . تمعنت في وجهه محاولة قراءته . بدت عيناه متقلصتين إلى أبعد حد .
ألقى علي نظرة سريعة من زاوية عينه مبتسماً ابتسامة ظريفة ساخرة : (( الحقيقة ، لا أظن أنني مدعو )) .
قلت : (( لقد دعوتك الان ! )) .
(( دعينا ، أنا وأنت ، لا نضغط أكثر من هذا على مايك المسكين هذا الاسبوع . لا أريده أن يغضب )) . كانت عيناه ترقصان ... كان مستمتعاً بتلك الفكرة أكثر مما ينبغي .
(( مايك المسكين ! )) ... تمتمت وأنا منشغلة البال بطريقة قوله (( أنت وأنا )) . أحببت ذلك أكثر مما ينبغي .
صرنا الان قرب موقف السيارات . انعطفت يساراً نحو سيارتي لكن شيئاً أمسك بسترتي وسحبني إلى الخلف .
(( أين تظنين نفسك ذاهبة ؟ )) ... سألني بغضب شديد . كان يمسك بسترتي ملء يده .
شعرت بالانزعاج : ذاهبة إلى المنزل ! .
(( ألم تسمعيني أعد الانسة كوب أن آخذك إلى البيت بأمان ؟ هل تظنين أنني سأتركك تقودين السيارة وأنت في هذه الحالة ؟ )) ... كان صوته ما يزال غاضباً .
قلت متذمرة : مابها حالتي ؟ وماذا عن سيارتي ؟
(( سأطلب من أليس أن توصلها بعد المدرسة ! )) كان الان يجرني من سترتي نحو سيارته . وكان تفدي السقوط هو كل ما استطعت فعله . أظنه سيستمر في جري ... حتى اذا سقطت .
قلت له بإصرار : (( اتركني ! )) ... تجاهلني ... رحت أتعثر على طول الممر الرطب حتى وصلنا إلى سيارة الفولفو . هناك أفلتني أخيراً ... تعثرت واستندت إلى باب السيارة الايمن .
دمدمت متذمرة : (( أنت ملحاح كثيراً !)).
(( الباب مفتوح ! )) ... لم يجبني الا بهذه الكلمات ثم فتح بابه وجلس في مقعده .
(( أنا قادرة تماماً على قيادة السيارة إلى المنزل بنفسي ! )) ... وقفت بجانب السيارة وأنا أغلي من الغضب . اشتد المطر الان ولم أكن أضع قبعتي ... كان الماء يقطر من شعري ويدخل في ظهري .
فتح النافذة ومال نحوي من داخل السيارة : (( ادخلي السيارة يابيلا )) .
لم أجبه . كنت أحسب في عقلي مدى فرصتي في الوصول إلى سيارتي قبل أن يستطيع الامساك بي . كان علي الاعتراف بأن الفرصة ضعيفة جداً .
هددني وقد حزر ما أخطط له : (( سأجرك من جديد ! )) .
حاولت المحافظة على مايمكن من كرامتي وأنا أدخل السيارة . لم أنجح كثيراً .. كنت أبدو مثل قطة غريقة ... وكان حذائي مشبعاً بالماء .
قلت بجفاف : هذا غير ضروري إطلاقاً .
لم يجبني . عبثت أصابعه بأزرار السيارة فزاد التدفئة وخفض صوت الموسيقى . وعندما أقلعت السيارة خارجة من الموقف كنت أتأهب لمعاقبته بصمتي ... اتخذ وجهي كل الجمود المطلوب ... لكنني انتبهت إلى عزف الموسيقى فغلب فضولي تصميمي وسألته بدهشة : (( أهذه كلير دو لون ؟ ))
(( هل تعرفين دوبوسي ؟ )) ... أوحى صوته بالدهشة أيضاً .
اعترفت قائلة : (( ليس كثيراً ... أمي تستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية كثيراً ... أما أنا فأحب بعض مقطوعاتي المفضلة فقط ))
(( هذه من المقطوعات المفضلة عندي أيضاً )) ... وراح يحدق بعيداً في المطر مستغرقاً في أفكاره .
أصغيت إلى الموسيقى مسترخية على المقعد الجلدي الرمادي الفاتح . كان من المستحيل علي الا أستجيب إلى تلك الالحان المألوفة المهدئة . حول المطر شكل كل ماهو خارج النافذة إلى مجرد لطخات رمادية وخضراء . بدأت أدرك أن السيارة تسير بسرعة كبيرة ... لكنها كانت مستقرة جداً إلى درجة جعلتني لا أحس بالسرعة . كان منظر البلدة يبدو ويختفي خلف الاشجلر هو مايدل على السرعة .
سألني فجأة : (( كيف هو شكل والدتك ؟ )) .
التفت إليه فرأيته يدرسني بعينين فضوليتين .
قلت : (( هي تشبهني كثيراً ، لكنها أجمل مني ! )) ... رفع حاجبيه مستغرباً ... (( إن لدي الكثير من تشارلي . أما هي فإنها أكثر أنطلاقاً مني ، وأكثر شجاعة . إنها غير مسؤولة ... وغريبة الاطوار قليلاً )) ... كففت عن الكلام ... الحديث عنها يجعلني أشعر بالاكتئاب .
(( ماعمرك يابيلا؟ )) ... بدا في صوته انزعاج لم أستطع تخمين سببه ، كان قد أوقف السيارة ، فأدركت أننا صرنا عند بيت تشارلي . كان المطر غزيراً جداً إلى درجة كادت تمنعني من رؤية المنزل نفسه . كان الوضع كما لو أن السيارة غارقة في نهر .
أجبته ببعض الحيرة : (( أنا في السابعة عشرة )) .
(( لا يبدو هذا عليك )) .
حملت نبرة صوته مايشبه التأنيب . جعلني هذا أضحك .
سألني بصوت فضولي من جديد : (( ماذا ؟ ))
(( تقول أمي دائماً إنني ولدت من العمر خمسة وثلاثون عاماً ، وإنني أتقدم في السن كل عام )) . ضحكت ثم تنهدت (( فعلاً ، لا بد لا حد منا أن يكون هو الكبير )) . صمت ثانية واحدة (( أنت أيضاً لا تبدو بعمر طالب في المدرسة الثانوية )) .
قذفني بتكشيرة ثم غير الموضوع : (( ولماذا تزوجت أمك فيل ؟ ))
فوجئت بتذكره ذلك الاسم . لم أذكره أمامه الا مرة واحدة قبل شهرين .
أجبته بعد لحظة : (( أمي ... إنها صغيرة جداً قياساً بعمرها . وأظن أن فيل يجعلها تشعر أن سنها أصغر . إنها مجنونة بحبه على أي حال! )) ... هززت رأسي . كان انجذابها إلى فيل سراً مستغلقاً بالنسبة لي .
سألني : (( هل أنت راضية عن ذلك ؟ )) .
فأجبته : وهل لهذا أهمية ؟ أريد أن تكون سعيدة ... وهو الرجل الذي تريده .
قال : (( هذا كرم كبير ... لكنني أتساءل ... ))
((ماذا؟))
(( هل تعاملك بالكرم نفسه حسب رأيك ؟ مهما يكن خيارك ؟)) ...
بدا عليه الاهتمام الشديد وراحت عيناه تبحثان في عيني .
قلت متلعثمة : (( أنا ... أنا أظن ذلك ... لكنها الام بعد كل حساب ... الامر مختلف قليلاً ))
قال كمن يضايقني : (( إذن ، لا يوجد من يخاف عليك أكثر من اللازم ))
أجبته بابتسامة عريضة : (( ما الذي تعنيه بالخوف ؟ هل تقصد الخوف من أن أثقب وجههي في أماكن كثيرة لأضع أقراطاً وأن أضع وشماً كبيراً ؟ ))
(( أظن أن هذا واحد من التعريفات الممكنة )) .
(( وما هو تعريفك أمن ؟ ))
لكنه تجاهل سؤالي وطرح علي سؤالاً أخر :(( هل تظنين أنني يمكن أن أكون مخيفاً ؟ )) ... رفع حاجبه وأضاءت وجهه ابتسامة خفيفة .
فكرت برهة إن كان من الافضل أن أكذب أو أن أقول الحقيقة . اخترت الحقيقة : (( همم ... أعتقد أنك يمكن أن تكون مخيفاً إن أردت ! ))
تلاشت ابتسامته وهو يقول : (( وهل أنت خائفة مني الان ؟ )) ... صار وجهه جاداً بشكل مفاجىء .
(( لا!)) ... لكن إجابتي كانت مترعة ... عادت ابتسامته .
(( والان ، هل ستخبرني عن أسرتك ؟ )) ... سألته هذا حتى أغير الموضوع ، وقلت : (( لابد أنها قصة إثارة للاهتمام من قصتي ))
بدا عليه الحذر على الفور : (( مالذي تودين معرفته؟ ))
قلت : (( لقد تبناك آل كولن صحيح ؟ ))
(( نعم ! ))
ترددت لحظة : (( مالذي حدث لوالديك ؟))
قال بنبرة محايدة : (( ماتا منذ سنين كثيرة ))
غمغمت قائلة : (( أنا آسفة )) .
(( الحقيقة أنني لا أتذكرهما بشكل واضح . كارلايل وإيزمي هما والدي منذ زمن طويل )) .
(( وهل تحبهما ؟ )) ... لم يكن هذا سؤالاً ... كان حبه واضحاً من طريقة حديثه عنهما .
ابتسم وقال: (( نعم ... لا أستطيع تخيل شخصين أفضل منهما )) .
(( أنت محظوظ جداً ))
(( أعرف أنني محظوظ ))
(( وماذا عن أخيك وأختك ؟ ))
ألقى نظرة إلى ساعة السيارة وقال : (( أخي وأختي وجاسبر وروزالي سينزعجون اذا جعلتهم ينتظرونني تحت المطر ))
((آه ، آسفة ... أظن أن عليك أن تمضي ! )) ... لم أكن أرغب في الخروج من السيارة .
قال مبتسماً : (( الارحج أنك تريدين أن تعود سيارتك إلى المنزل قبل أن يعود والدك حتى لا تضطرين إلى إخباره بما حدث في درس البيولوجيا ))
تنهدت وقلت : (( أنا متاكدة من أنه سمع بما جرى . لاأسرار في فوركس ! ))
ضحك ... لكن ضحكته كانت حادة بعض الشيء .
ألقى نظرة على المطر الذي كان يهطل مثل ستارة سميكة : (( استمتعي على الشاطىء ... إن الجو مناسب من أجل حمام شمسي )) .
(( لا ! إيميت وأنا نعتزم بدء عطلة نهاية الاسبوع باكراً هذه المرة ))
(( ماذا ستفعلون ؟ )) ... يمكن للصديق أن يطرح هذا السؤال .... صحيح ؟ رجوت أن لا يكون الخيبة شديدة الوضوح في صوتي .
(( سنذهب في رحلة بالسيارة إلى براري صخور الماعز جنوب ربنير مباشرة )) ... تذكرت قول تشارلي إن آل كولن يذهبون كثيراً في رحلات تخييم فقلت : (( جيد ، آمل أن تستمتعوا )) . .. حاولت إظهار بعض الحماسة . لكنني لا أعتقد أنه انخدع بذلك . كانت ابتسامة تطل برأسها عند زاويتي فمه .
(( هل تقومين بشيء من أجلي في عطلة نهاية الاسبوع هذه ؟ ))
استدار ونظر إلى وجهي نظرة مباشرة مستخدماً كل ما في عينيه الذهبيتين من نار .
أومأت برأسي مستسلمة .
(( لا تشعري بالاهانة ... لكنني أراك من هؤلاء الاشخاص الذين يجذبون الحوادث إليهم كما يفعل المغناطيس . لذلك ... حاولي الا تسقطي في المحيط والا تدهسك سيارة ... أو أي شيء .... موافقة ؟ )) ... قال هذا وهو يبتسم ابتسامة خبيثة .
تلاشى استسلامي أثناء حديثه فحدقت فيه وقلت بحدة : (( سأرى ما أستطيع فعله ! )) ... ثم قفزت إلى المطر . صفقت الباب خلفي بقوة زائدة .
كانت الابتسامة ما تزال على وجهه عندما قاد سيارته مبتعداً .



أنتهى الفصل الخامس ..

ألم الخريف
07-19-2010, 02:58 PM
الفصل السادس


قصص مخيفة



عندما جلست في غرفتي محاولة التركيز على الفصل الثالث من مسرحية ماكبث ، سمعت صوت سيارتي . لعلي ظننت ، رغم صوت المطر الغزير ، أنني سمعت صوت المحرك . لكني نظرت من النافذة فرأيتها واقفة هناك .

لم أكن أترقب يوم الجمعة ... بل كنت غير راغبة في قدومه .
كانت تنتظرني طبعاً تعليقات كثيرة عن حادثة إغمائي . ولعل جيسيكا خاصة سرت بهذه القصة . لحسن الحظ لم يقل مايك شيئاً ولم يبد لي أن أحداً عرف شيئاً عن تدخل إدوارد . لابد أن لدى جيسيكا أسئلة كثيرة عن جلوسي مع إدوارد في الكافيتريا .
سألتني : ما الذي أراده إدوارد كولن أمس ؟
أجبت بصدق : لا أعرف ! ... لم يتكلم بوضوح .
قالت محاولة اصطيادي : بدا عليك غضب شديد! .
حاولت أن لا يظهر أي تعبير على وجهي : حقاً ! .
(( هل تعرفين أنني لم أشاهده أبداً من قبل جالساً مع أي شخص .... عدا أفراد أسرته ... كان ذلك غريباً )) .
وافقتها : (( إنه شيء غريب ! )) ... بدا عليها الانزعاج وراحت تعبث بشعرها الداكن نافذة الصبر ... عرفت أنها تأمل في سماع شيء يمكن أن تصنع منه قصة جيدة ترويها للاخرين .
كان أسوأ شيء فيما يخص يوم الجمعة هو أنني مازلت آمل قدومه رغم معرفتي أنه لن يأتي . وعندما دخلت الكافتيريا مع جيسيكا ومايك لم أستطع منع نفسي من النظر إلى طاولته فرأيت روزالي وأليس وجاسبر جالسين متقاربي الرؤوس ... كانوا يتحدثون . لم أستطع دفع الكآبة التي أغرقتني عندما أيقنت أنني لا أعرف كم من الوقت سأنتظر قبل أن أراه من جديد .
على طاولتي المعتادة كان الجميع منشغلين بوضع خطط اليوم التالي . دبت الحيوية في مايك من جديد . .. كان مفرط الثقة في رجل الارصاد الجوية في البلدة الذي وعده بنهار مشمس غداً . أما أنا فكان علي أن أرى ذلك قبل أن أصدقه . لكن الجو أكثر دفئاً اليوم ... قد لا تكون الرحلة بائسة تماماً .
تلقيت عدة نظرات غير ودية من لورين أثناء فترة الغداء . لم أفهم تلك النظرات إلى أن خرجنا من الغرفة معاً . كنت أسير خلفها تماماً لا تفصلني الا مسافة قدم واحدة عن شعرها الحريري الفضي ... من الواضح أنها لم تنتبه لوجودي .
سمعتها تقول لمايك : (( ... لا أعرف لماذا لا تجلس بيلا مع أولاد كولن من الان فصاعداً )) ... نطقت أسمي بنبرة حادة ... لم أنتبه من قبل إلى بشاعة صوتها الانفي المزعج ... فوجئت بما فيه من خبث . الحقيقة أنني لم أكن أعرفها جيداً ... لم أكن أعرفها إلى حد يجعلها تكرهني ... أو لعل هذا ما أظنه فقط ! .
أجابها مايك : (( إنها صديقتي ، وهي تجلس معنا )) . كان صوته يثني بالوفاء ... لكنه كان محتاطاً بعض الشيء . تمهلت حتى أسمح لجيسيكا وأنجيلا بتجاوزي . لم أكن راغبة في سماع المزيد .
في الليل بدا تشارلي وقت العشاء متحمساً لرحلتي إلى لابوش في الصباح . أظن أنه كان يشعر بالذنب لانه يتركني في البيت وحيدة أيام العطلات الاسبوعية .
لكنه أنفق سنوات كثيرة في تكوين عاداته ولم يكن سهلاً عليه تغييرها الان . من الطبيعي أنه يعرف أسماء جميع الاولاد الذاهبين إلى الرحلة ، وأسماء آبائهم وأمهاتهم ، بل لعله كان يعرف أسماء أجدادهم أيضاً . بدا محبذاً لتلك الرحلة . تساءلت عما اذا كان سيوافق على ذهابي إلى سياتل مع إدوارد كولن . لم أكن لاخبره بذلك .
سألته عرضاً : (( أبي ! هل تعرف مكاناً اسمه صخور الماعز أو شيء من هذا القبيل ؟ أظن أنه جنوب جبل رينير )) .
(( نعم ... لماذا ؟ ))
ابتسمت : (( كان بعض الاولاد يتحدثون عن التخييم هناك )) .
بدت عليه الدهشة : (( ليس مكاناً جيداً للتخييم ! ... فيه كثير من الدببة ... أكثر الناس يذهبون إليه في موسم الصيد )) .
تمتمت قائلة : (( أوه ! لعلني لم أسمع اسم المكان بشكل صحيح )) .
كنت أريد الاستمرار في النوم ، لكن وهجاً غير مألوف أيقظني .
فتحت عيني فرأيت شعاعاً من ضوء أصفر نقي يخترق نافذتي . لم أصدق ذلك ... ! هرعت إلى النافذة لانظر فرأيت الشمس . كانت في غير موضعها الصحيح من السماء ... كانت منخفضة جداً ...
وبدت أبعد من المعتاد ... لكنها كانت شمساً حقيقية . كانت الغيوم تحتشد في الافق ... لكنها رقعة كبيرة من الزرقة كانت واضحة في الوسط . تمهلت عند النافذة قدر ما استطعت ... خفت أن تختفي تلك الزرقة اذا تركت النافذة .
كان متجر نيوتن للتجهيزات الرياضية عند طرف البلدة من جهة الشمال . رأيته من قبل ، لكنني لم أتوقف عنده أبداً ... فمنذ زمن طويل جداً لم أكن بحاجة إلى أي مواد مما يلزم للرحلات . ميزت سيارتي مايك وتايلر عند موقف السيارات . وعندما أوقفت سيارتي بجانبهما رأيت مجموعة تقف عند مقدمة سيارة مايك . كان إريك هناك مع صبيين آخرين . كنت متأكدة من أنهما بين وكونر . كانت جيسيكا هناك أيضاً تحيط بها أنجيلا ولورين . وكانت معهن ثلاث فتيات من بينهن واحدة أتذكر أنها وقعت في درس الرياضة يوم الجمعة . قذفتني تلك الفتاة بنظرة قذرة عندما نزلت من سيارتي وهمست شيئاً في أذن لورين . هزت لورين شعرها الحريري الذي له لون الذرة ثم نظرت إلي باحتقار .
سيكون واحداً من تلك الايام التعيسة إذن .
على الاقل ، كان مايك سعيداً برؤيتي ... صاح بفرح : (( لقد جئت ! قلت لك إنه سيكون يوم مشمساً ، أليس كذلك ؟ ))
ذكرته قائلة : (( قلت لك إنني قادمة ! ))
أضاف مايك : (( نحن ننتظر الان لي وسامانثا ... الا اذا كنت قد دعوت أحداً )) .
(( لا ، أبداً !)) ... إنها كذبة صغيرة قلتها وأنا آمل أن لا يكشفها أحد منهم . لكنني تمنيت أيضاً أن تقع المعجزة ويظهر إدوارد .. . بدا الرضى على وجه مايك فقال : (( هل تركبين سيارتي ؟ ... إما سيارتي أو سيارة والدة لي )) .
(( طبعاً )) ... ابتسم مايك سعيداً ... ما أسهل أن يكون سعيداً ! .
وعدني قائلاً : (( يمكنك الجلوس عند النافذة في المقعد الامامي )) ... أخفيت غمي . لم يكن من السهل أن أجعل مايك وجيسيكا سعيدين في وقت واحد . كنت أرى جيسيكا تنظر إلينا عابسة الان .
رغم ذلك ، عمل العدد في صالحي . لقد أحضر لي شخصين إضافيين فصارت كل الامكنة في السيارات ضرورية . أفلحت في وضع جيسيكا بيني وبين مايك في المقعد الامامي . بدت جيسيكا راضية ، لكن مايك بدا غير مسرور كثيراً بذلك .
كانت المسافة بين فوركس ولابوش 15 ميلاً فقط . وكان القسم الاكبر من الطريق مظللاً بغابات خضراء كثيفة رائعة . كان نهر كيلابوت العريض يمر تحت الطريق مرتين . سررت لجلوسي عند النافذة . أنزلنا النوافذ لان السيارة كانت مزدحمة بتسعة أشخاص ... حاولت امتصاص أكبر قد ممكن من الشمس .
سبق لي الذهاب إلى شواطىء لابوش عدة مرات أثناء العطلات الصيفية التي أمضيتها مع تشارلي ... لذلك كان منظر الشاطىء الاول مألوفاً عندي ... كان على شكل هلال طوله أكثر من كيلومتر . كان لون الماء رمادياً داكناً ... وكان الشاطىء صخرياً . رأيت عدة جزر بارزة من مياه الميناء ذات اللون الفولاذي . وكانت تحف بتلك المياه جروف شديدة الانحدار صاعدة نحو قمم غير متساوية . وكانت تتوج تلك القمم أشجار تنوب قاسية المظهر شاهقة العلو . كان عند الشاطىء شريط ضيق من الرمل عند حافة الماء وبعده كانت الارض تتحول إلى ملايين الحجارة الضخمة الناعمة ... كان لون الحجارة رمادياً موحداً من بعيد ، أما من مسافة قريبة فهي تجمع كل ألوان الحجارة الممكنة : الاخضر البحري ، والقرميدي ، والازرق الرمادي ، ولون الخزامي ، واللون الذهبي الباهت . كان خط المد مرسوماً بجذوع أشجار ضخمة جرفتها مياه البحر وجعلها الملح بيضاء مثل العظام . كان بعضها مكوماً عند حافة الغابة ... وكان بعضها مستلقياً في عزلة بعيداً عن متناول الامواج .
أتت ريح خفيفة من جهة الامواج ... كانت باردة لطيفة ... ومالحة . كانت طيور البجع تعوم فوق الامواج التي تطير فوقها النوارس ونسر وحيد . مازالت الغيوم تحف بالسماء مهددة بالهجوم في أي لحظة ... لكن الشمس كانت الان تتألق بشجاعة عبر تلك الرقعة الكبيرة من السماء الزرقاء .
اخترنا طريق النزول نحو الشاطىء . كان مايك في المقدمة يقودنا نحو حلقة من الجذوع الخشبية . وكان من الواضح أن تلك الجذوع استخدمت من قبل في حفلات مثل حفلتنا . راح إريك والصبي الذي أظن أن اسمه بين يجمعان الاغصان المتكسرة والاخشاب التي جرفها البحر من أكوام جافة عند حافة الغابة . وسرعان ما صار لديهما كومة حطب مخروطية الشكل أقاماها فوق موضع نيران قديم .
سألني مايك : (( هل رأيت من قبل نار الاخشاب التي جرفها البحر ؟ )) ... كنت أجلس على أحد المقاعد التي ابيضت فصارت بلون العظام ... وكانت بقية البنات متجمعات إلى يميني ويساري ... وكن يتهامسن بحماس ... ركع مايك قرب كومة الحطب وأشعل واحداً من العيدان الصغيرة باستخدام قداحة .
وعندما وضع العود المشتعل تحت الكومة بحذر قلت له : (( لا ! لم أشاهدها من قبل )) .
(( سوف تحبينها إذن ... انتبهي إلى الالوان )) ... أشعل عوداً صغيراً آخر وضعه بجانب الاول . بدأت ألسنة اللهب تتصاعد من الخشب الجاف .
قلت بدهشة : (( إنها زرقاء )) .
(( هذا بسبب الملح ... جميلة ، أليست جميلة ؟ )) ... أشعل عوداً ثالثاً فوضعه في زاوية لم تصل النار إليها بعد ثم جاء فجلس جانبي . لحسن حظي ، كانت جيسيكا جالسة إلى الناحية الاخرى منه . استدارت إليه محاولة الاستحواذ على اهتمامه . ورحت أراقب ألسنة اللهب الغريبة ... ألسنة زرقاء وخضراء تفرقع صاعدة نحو السماء .
بعد نصف سلعة من الثرثرة ، أراد بعض الاولاد الذهاب إلى البرك القريبة التي خلفها المد . كانت تلك مشكلة . فمن ناحية ، أنا أحب تلك البرك ... إنها تسحرني منذ أن كنت طفلة . وهي من بين الاشياء القليلة التي كنت آمل رؤيتها عند عودتي فوركس . أما من ناحية أخرى ، فقد وقعت في تلك البرك مرات كثيرة في الماضي . الوقوع ليس مشكلة عندما يكون معك سبعة أشخاص من بينهم والدك ... تذكرت ما قاله إدوارد ... لم يكن يقصد الوقوع في المحيط ! .
كانت لورين هي من أتخذ القرار بدلاً مني . لم تكن تريد الذهاب ... ولم يكن حذاؤها يصلح لذلك . قررت معظم الفتيات ، ومنهن جيسيكا وأنجيلا ، البقاء عند الشاطىء أيضاً . انتظرت حتى قال تايلر وإريك إنهما سيبقيان مع البنات ، ثم نهضت بسرعة لانضم إلى المجموعة التي تريد الذهاب . منحني مايك ابتسامة عريضة عندما رآني قادمة .
لم تكن نزهتنا إلى البرك طويلة جداً لكنني كرهت فقدان رؤية السماء أثناء السير في الغابة . كان الضياء الاخضر في الغابة متناثراً على نحو غريب مختلطاً مع ضحكات المراهقين ... كان الجو في الغابة مظلماً موحشاً يثير الانقباض إلى حد جعله غير متناسب مع الصخب والجدل من حولي . كنت أراقب خطواتي بحذر شديد وأتفادى الجذور عند قدمي والاغصان عند رأسي ... سرعان ما صرت أسير خلف الجميع . خرجنا أخيراً من غباهب الغابة الزمردية ورأينا الشاطىء الصخري من جديد . .. كان وقت الجزر ... وكان جدول من مياه المد يجري بالقرب منا عائداً إلى البحر . وعلى حافتي هذا الجدول كانت تتناثر برك ضحلة لا تعرف الجفاف أبداً .... كانت تمور بالحياة .
كنت أحاذر الانحناء كثيراً فوق هذه البرك . أما الاخرون فما كانوا يعرفون الخوف . كانوا يتقافزون فوق الصخور وينحنون بتهور فوق الحواف . عثرت على مكان مستقر من أجل الجلوس والمراقبة ...
صخرة على حافة واحدة من أكبر البرك ... جلست على الصخرة بحذر مسحورة بحوض الكائنات المائية الذي تحتي . كانت باقات من شقائق البحر الزاهية تتماوج من غير انقطاع في التيار غير المرئي . وكانت أصداف كثيرة غريبة الشكل تتناثر على الحواف وتخفي السرطانات البحرية المختبئة بينها . وكانت نجوم البحر ملتصقة من غير حراك على الصخور ، أو على بعضها . في حين كانت سمكة أنقليس سوداء صغيرة لها خطان أبيضان تتحرك بين الاعشاب البحرية الخضراء اللامعة تنتظر عودة البحر إليها . كنت مأخوذة بالمشهد تماماً الا جزءاً صغيراً من عقلي كان يتساءل عما يفعله إدوارد الان ويحاول تخيل ما يقوله لو كان الان معي في هذا المكان .
جاع الاولاد أخيراً فنهضت مبتسمة حتى ألحق بهم . حاولت السير في الغابة بشكل أفضل وعدم التخلف عنهم هذه المرة ... طبيعي أنني وقعت عدة مرات . أصابت راحتي خدوش صغيرة وتبقعت ركبتا الجينز باللون الاخضر ... كان يمكن أن يحدث أسوأ من ذلك .
عندما عدنا إلى الشاطىء الاول كان عدد من تركناهم خلفنا قد ازداد . وعندما اقتربنا صار بإمكاننا تمييز القادمين الجدد من شعرهم الاسود وجلودهم النحاسية ... إنهم مراهقون من محمية الهنود جاؤوا من أجل قضاء بعض الوقت معنا .
كان توزيع الطعام قد بدأ فأسرع الاولاد لينالوا حصصهم في حين راح إريك يعرف القادمين الجدد على كل واحد منا لحظة دخوله دائرة الجذوع التي جرفها البحر . كنت وأنجيلا آخر الواصلين . وعندما نطق إريك أسماءنا لاحظت صبياً أصغر سناً جالساً على الحجارة قرب النار يلتفت إلي باهتمام . جلست قرب أنجيلا وأحضر مايك لنا بعض الشطائر ومجموعة من علب المشروبات الغازية حتى نختار منها ما نريد ، في حين راح الولد الذي كان يبدو الاكبر بين الضيوف يذكر أسماء السبعة الذين معه . لم ألتقط شيئاً مما قاله الا أن واحدة منهم كانت تدعى جيسيكا أيضاً . أما الصبي الذي التفت إلي عند دخولي فكان اسمه جايكوب .
كان الجلوس بجانب أنجيلا مريحاً فهي شخص هادىء يسهل الوجود بالقرب منه . .. لم تكن تشعر بحاجة إلى ملء كل لحظة صمت بالثرثرة . تركت لي حرية التفكير من غير مقاطعة بينما كنا نتناول طعامنا . كنت أفكر في مدى تباين مرور الوقت في فوركس ... يمر مثل الضباب أحياناً ... وتبرز صور منفردة تكون أكثر وضوحاً من غيرها . ثم ، في أوقات أخرى ، تكون كل ثانية مهمة تحفر نفسها حفراً في عقلي . كنت أعرف سبب هذا التباين معرفة تامة ... وهذا ما أفزعني .
راحت الغيوم تتقدم وتتزايد أثناء الغداء ... راحت تتسلق السماء الزرقاء وتحجب الشمس لحظات قصيرة فتلقي ظلالاً متطاولة على الشاطىء وتجعل لون الامواج داكناً . وعندما أنهينا طعامنا بدأ الناس يتفرقون هنا وهناك مثنى وثلاثاً . سار بعضهم حتى حافة الامواج محاولين تجنب الصخور على تلك الارض الخشنة . وكان البعض يحاولون تكوين مجموعة ثانية للذهاب إلى برك المد . أما مايك فتوجه ... وجيسيكا معه مثل ظله ... إلى الدكان الوحيد في القرية .
ذهب معه بعض الاولاد المحليين ، أما بقيتهم فانضموا إلى الذاهبين إلى البرك . وعندما تبعثر الجميع هنا وهناك كنت أجلس وحدي فوق جذع شجرة في حين كان لورين وتايلر منشغلين بالحديث عن جهاز تشغيل الاقراص المدمجة الذي قال أحد الاشخاص إنه سيجلبه معه . كان ثلاثة من أولاد محمية الهنود متحلقين حول النار . وكان منهم الصبي المدعو جايكوب والصبي الاكبر الذي تولى تقديم زملائه .
بعد دقائق من ذهاب أنجيلا مع المتنزهين جاء جايكوب وجلس محلها .... بجانبي . بدا أنه في الرابعة عشرة ، أو في الخامسة عشرة . وكان له شعر أسود لامع طويل مربوط بحلقة مطاطية عند رقبته .
كان جلده جميلاً حريرياً خمري اللون . كانت عيناه قاتمتين ، وكانتا غائرتين خلف وجنتيه المرتفعتين . وكانت بقية بسيطة من الاستدارة الطفولية ما تزال مرئية على ذقنه . على وجه الاجمال ، كان وجهه جميلاً جداً . لكن رأيي الايجابي في شكله تحطم عندما خرجت أولى الكلمات من فمه .
(( أنت إيزابيلا سوان ، صحيح ؟ ))
كأنني عدت إلى اليوم الاول في المدرسة .
تنهدت وقلت مصححة : (( بيلا! ))
(( أنا جايكوب بلاك )) ... مد يده بحركة ودية ... (( لقد اشتريتٍ سيارة والدي )) .
شعرت بالانفراج فشددت على يديه وقلت : (( أنت ابن بيلي ! أعتقد أنني يجب أن أتذكرك )) .
(( لا! ... أنا أصغر أفراد الاسرة ... قد تتذكرين شقيقتي الكبيرتين ))
(( إنهما ريتشل وريبيكا )) ، تذكرت الفتاتين فجأة . كان تشارلي وبيلي يضعوننا معاً مرات كثيرة أثناء زياراتي إلى فوركس حتى ننشغل عنهما أثناء قيامهما بصيد الاسماك . كنا خجولات جداّ إلى حد منعنا من أن نكون صديقات حقاً . وطبيعي أنني كنت أطلق نوبات غضب كثيرة حتى أنهي نزهات الصيد عندما بلغت أحد عشر عاماً .
(( هل هما هنا ؟)) .... رحت أنظر إلى البنات عند الشاطىء متسائلة ما اذا كنت قادرة على معرفتهما الان .
هز جايكوب راسه وقال : (( لا! حصلت ريتشل على منحة دراسية في ولاية واشنطن . أما ريبيكا فقد تزوجت شخصاً من ساموا يمارس ركوب الامواج ... إنها تعيش في هاواي الان )) .
(( تزوجت ... واو ! )) ... لقد دهشت فعلاً . لم تكن الشقيقتان التوأم أكبر مني الا بسنة واحدة أو أكثر قليلاً .
سألني : هل أعجبتك السيارة ؟
(( لقد أحببتها . إنها تعمل بشكل ممتاز )).
ضحك وقال : نعم ... لكنها بطيئة جداً . ارتحت كثيراً عندما اشتراها تشارلي . ما كان أبي ليتركني أبني سيارة غيرها مع وجود تلك السيارة الممتازة عندنا .
قلت معترضة : (( ليست بطيئة جداّ ))
(( هل حاولت جعلها تسير أسرع من تسعين كيلو متراً في الساعة ؟ ))
(( لا))
ابتسم قائلاً : (( جيد! لا تحاولي )) .
لم أستطع الامتناع عن رد ابتسامته بمثلها . وقلت مدافعة عن سيارتي : (( إنها ممتازة في حوادث الاصطدام )) .
ضحك من جديد وقال موافقاً : (( لا أعتقد أن دبابة تستطيع أن تحطم ذلك الوحش العتيق )).
سألته معجبة : أنت تبني سيارات إذن ! .
قال ممازحاً : نعم ، عندما يكون لدي وقت فراغ وقطع سيارات مجانية . هل تعرفين أين أحصل على أسطوانة رئيسية لسيارة فولكسفاكن رابيت موديل 1986؟ .... كانت في صوته بحة لطيفة .
ضحكت وقلت : (( آسفة ... لم أصادف أي أسطوانة في الاونة الاخيرة ... لكنني سأبحث عنها )) ... وكأنني كنت أعرف ماهي تلك الاسطوانة ... كان الحديث معه يسيراً جداً .
ابتسم ابتسامة لامعة وهو ينظر إلي نظرة إعجاب كنت قد بدأت أتعلم كيف أميزها . لم أكن وحدي من لاحظ تلك النظرة ... سألته لورين التي كانت تجلس إلى الناحية الاخرى من النار : (( هل تعرف بيلا يا جايكوب ؟ )) ... خيل لي أنها قالت ذلك بنبرة وقحة .
ضحك مبتسماً لي ثانية : (( نعرف بعضنا نوعاً ما .. منذ ولادتي )) .
(( ما ألطف هذا ! )) ... لم يوح صوتها بأنها ترى الامر لطيفاً أبداً ...

ضاقت عيناها الشاحبتان الشبيهتان بعيون الاسماك ... نادتني من جديد وهي تراقب وجههي بانتباه : (( بيلا! كنت أقول لتايلر منذ قليل إن من السيئ جداً أن أحداً من أسرة كولن لم يأت معنا اليوم ... ألم يفكر أحد في دعوتهم ؟ )) ... كان تعبير الاهتمام الذي في وجهها غير مقنع إطلاقاً .
(( هل تقصدين أسرة الدكتور كارلايل كولن ؟ )) ... سألها الصبي الطويل الاكبر سناً قبل أن أستطيع الرد ... أزعجها ذلك كثيراً . كان صوته عميقاً جداً ... كان رجلاً أكثر منه صبياً .
استدارت لورين صوبه نصف استدارة وسألته كمن يتحدث مع شخص أدنى منه : (( نعم ! هل تعرفهم ؟ )) .
(( لا يأتي آل كولن إلى هنا !)) ... قالها بنبرة أغلقت الحديث ، وتجاهل سؤالها .
حاول تايلر أن يجذب انتباه لورين من جديد فسألها عن رأيها في أسطوانة كانت في يدها ، لكنها كانت مشغولة عنه .
حدقت في الصبي ذي الصوت العميق ... فاجأني كلامه كثيراً ...
لكنه كان ينظر بعيداً إلى الغابة المظلمة من خلفنا . لقد قال إن أسرة كولن لا تأتي إلى هنا ، لكن نبرته أوحت بشيء أكثر من هذا ... كأن القدوم إلى هنا ما كان متاحاً لهم ... كأنه ممنوع عليهم . ترك ذلك الصبي انطباعاً غريباً عندي . حاولت تجاهل الامر من غير نجاح .
قاطع جايكوب أفكاري : (( هذا أقل ما يقال ! )) ... فابتسم ابتسامة فاهمة .
كنت ما أزال أفكر في تلك العبارة المقتضبة عن أسرة كولن ...
جاءتني فكرة مفاجئة . كانت خطة حمقاء ، لكني لم أكن أملك أفكاراً أفضل . رجوت أن يكون جايكوب الصغير ما يزال قليل الخبرة فيما يخص الفتيات حتى لا يرى في محاولاتي اليائسة نوعاً من المغازلة .
سألته محاولة تقليد طريقة إدوارد في النظر إلى الاعلى من خلال أهدابه : (( هل تود الذهاب معي في نزهة إلى الشاطئ ؟)) ... لم يكن لنظرتي تأثير يشبه تأثير نظرة إدوارد ، لكن جايكوب قفز مستعداً للذهاب .
عندما مشينا شمالاً بين الصخور الكثيرة نحو الجدار البحري المكون من الجذوع التي جرفتها المياه كانت الغيوم قد غطت السماء تماماً فجعلت لون البحر داكناً وخفضت درجة الحرارة . دفنت يدي عميقاً في جيوب سترتي .
سألته محاولة أن أبدو حمقاء ورحت أرفرف برموشي كما أرى الفتيات يفعلن في التلفزيون : (( إذن ، عمرك ستة عشرة عاماً ؟)) .
اعترف وقد شعر بالاطراء : (( أكملت الرابعة عشرة منذ فترة بسيطة )) .
ملات دهشة كاذبة وجهي : (( حقاً ! شكلك يوحي بأنك أكبر من ذلك )) .
قال موضحاً : (( أنا طولي قياساً بعمري )) .
(( هل تأتي إلى فوركس كثيراً ؟)) ... سألته بمكر كما لو أنني كنت آمل أن أسمع رداً إيجابياً . بدوت حمقاء حتى في نظر نفسي . خشيت أن يشمئز مني ويتهمني بالكذب والاحتيال ، لكنه ما زال يبدو مسروراً بكلامي .
أقر عابساً : ليس كثيراً ... أما عندما أنهي صنع سيارتي فسوف أستطيع الذهاب أينما أردت ... بعد أن أحصل على رخصة قيادة السيارة .
(( من هو الصبي الذي كانت لورين تتحدث معه ؟ يبدو كبيراً بعض الشيء على القدوم على رحلتنا )) . تعمدت تصنيف نفسي ضمن الاصغر سناً محاولة توضيح أنني أفضل جايكوب .
سألته ببراءة : (( ما الذي كان يقوله عن أسرة الدكتور ؟))
(( أسرة كولن ! أوه ... لا يفترض فيهم المجيء إلى محميتنا ! )) ...
نظر بعيداً باتجاه جزيرة جيمس فيما كان يؤكد ما ظننت أني فهمته من صوت سام .
(( لم لا ؟ ))
التفت إلي وعض على شفته : (( يفترض أن لا أقول شيئاً عن ذلك )) .
حاولت أن ابتسم ابتسامة مغرية : (( أوه ، لن أخبر أحداً . أنه مجرد فضول )) ... وتساءلت في سري ما اذا كانت ابتسامتي سمجة أكثر مما ينبغي ... ابتسم رداً على ابتسامتي ... لقد تأثر بها . ثم ارتفع حاجبيه وبدا صوته مبحوحاً أكثر من ذي قبل : (( هل تحبين قصص الرعب ؟ )) ...
سألني هذا السؤال بصوت يوحي بالشؤم .
(( أحبها كثيراً )) ... قلت هذا وأنا أبذل جهداً للنظر إليه .
مشى جايكوب إلى جذع قريب كانت جذوره كأنها أرجل عنكبوت عملاق شاحب . جثم بسهولة فوق واحد من تلك الجذوع المعوجة . أما أنا فجلست على جذع الشجرة تحته . راح ينظر إلى الصخور في الاسفل وراحت ابتسامة تحوم عند أطراف شفاهه العريضة .
كان واضحاً أنه يحاول أن يروي قصة جيدة ... رحت أركز على منع عيني من فضح اهتمامي الشديد .
بدأ يقول : (( هل تعرفين أي قصة من قصصنا القديمة التي تتحدث عن المكان الذ أتينا منه نحن الكويلوت ؟))
قلت : في الحقيقة .... لا ! .
(( ثمة أساطير كثيرة يزعم بعضها أنه منحدر منذ الطوفان ... يقال إن الكويلوت القدامى ربطوا قواربهم إلى قمم أعلى الاشجار فوق الجبل من أجل النجاة ، كما في قصة نوح والسفينة )) ... ابتسم مظهراً قلة ثقته في تلك القصص العتيقة . ثم تابع : (( تزعم أسطورة أخرى أننا انحدرنا من الذئاب ... وأن الذئاب مازالوا أخوة لنا . يمنعنا قانوننا القبلي من قتلهم ))
عند ذلك انخفض صوته قليلاً وتابع : (( ثم هناك قصص عن " الباردين " )) .
(( الباردون ؟ )) ... سألته دون أن أحاول إخفاء حيرتي الان .
(( نعم! ثمة قصص عن الباردين تبلغ من القدم ماتبلغه أسطورة الذئاب . وثمة قصص أحدث عهداً بكثير . تقول الاسطورة إن جدي الاكبر كان يعرف بعضهم . وهو من أبرم معهم معاهدة تلزمهم بالبقاء بعيداً عن أرضنا )) .
شجعته على الاستمرار : (( جدك الاكبر ؟))
(( كان جدي الاكبر زعيم القبيلة ... مثل والدي . الباردون هم الاعداء الطبيعيون للذئب ... لا أقصد أنهم أعداء الذئاب حقاً بل أعداء الذئاب التي صارت بشراً مثل أجدادنا ... يمكنك تسميهم المستذئبون )) .
(( وهل للمستذئبين أعداء ؟))
(( لهم عدو واحد ))
نظرت إليه نظرة جادة محاولة جعل نفاذ صبري يبدو إعجاباً .
تابع جايكوب : (( وهكذا ترين أن الباردين هم أعداؤنا التقليديون . لكن قطيع الباردين الذي جاء إلى أرضنا في زمن جدي الاكبر كان مختلفاً . لم يكونوا يصطادون كما يصطاد الاخرون من بني جنسهم ... كان يفترض أنهم ليسوا خطرين على القبيلة . لذلك أبرم جدي الاكبر هدنة معهم . اذا وعدوا بالبقاء خارج أرضنا فلن نكشف أمرهم أمام شاحبي الوجوه )) ... قال الكلمات الاخيرة وهو يغمز بعينه صوبي .
(( اذا لم يكونوا خطرين ، فلماذا ... ؟)) ... حاولت الفهم وأنا أتعمد جاهدة منعه من إدراك مدى جديتي فيما يخص قصته الغريبة .
(( ثمة خطر دائماً على بني البشر عند وجودهم بالقرب من الباردين حتى لو كانوا متحضرين كما هو حال تلك المجموعة منهم . لا يمكن معرفة متى يعجزون عن مقاومة جوعهم الشديد )) . قال هذا متعمداً جعل نبرته توحي بالشؤم .
(( ما الذي تقصده بكلمة متحضرين ؟))
(( زعموا أنهم لا يصطادون البشر . يفترض أنهم كانوا يستطيعون العيش من صيد الحيوانات بدلاً من البشر )) .
حاولت المحافظة على حيادية صوتي : (( إذن ، ما علاقة هذا بأسرة كولن ؟ هل هم مثل الباردين الذين عرفهم جدك الاكبر ؟ ))
قال : (( لا! ))... توقف برهة ... (( إنهم هم نفسهم )) .
لاشك في أنه ظن التعبير الذي ظهر على وجهي رعباً ناجماً عن قصته . ابتسم مسروراً وتابع يقول : (( ثمة مزيد منهم الان ... أنثى جديدة وذكر جديد ... أما البقية فهم كما كانوا . في زمن جدي الاكبر كانوا يعرفون زعيم تلك الجماعة ، كارلايل ... لقد كان هنا ثم ذهب حتى قبل أن يصل قومكم )) ... كان يحاول منع نفسه من الابتسام .
سألته أخيراً : (( فما هم إذن ، ما هم الباردون ؟))
ابتسم ابتسامة مظلمة وأجاب بصوت يبعث القشعريرة : (( إنهم شاربو الدماء . قومك يطلقون عليهم اسم مصاصو الدماء )) .
رحت أنظر إلى حافة الشاطئ الخشنة بعد جوابه ذاك ... لم أكن أعرف ما التعبير الذي ظهر على وجهي .
ضحك فرحاً : (( هل اقشعر جلدك ؟))
تابعت التحديق في الامواج وقلت ممتدحة : أنت راوية قصص جيد! .
(( قصص مجنونة تماماً ، أليست مجنونة ؟ لا عجب في أن أبي لا يريد أن نتحدث عنها أمام أحد )) .
مازلت غير قادرة على النظر إليه لانني مازلت غير قادرة على ضبط تعبير وجهي : لا تقلق ... لن أشي بك .
قال ضاحكاً : أظن أنني خرقت اتفاقية جدي الان ! .
(( سأحمل هذا السر معي إلى القبر )) ... هكذا وعدته ... ثم ارتجفت .
(( لنكن جادين مع ذلك ... لا تقولي شيئاً لتشارلي . لقد جن غضباً من والدي عندما سمع أن بعضنا رفضوا الذهاب إلى المستشفى لان الدكتور كولن بدأ العمل فيه )) .
(( لن أقول له! ... لن أقول له طبعاً )) .
(( إذن ، هل تظنين الان أننا حفنة من السكان الاصليين المتطبرين المؤمنين بالخرافات ... أم ماذا ؟ )) ... سألني بصوت لعوب شابه شيء من القلق . لم أكن قد أزحت عيني عن المحيط حتى تلك اللحظة .
التفت إليه وابتسمت ابتسامة طبيعية إلى أقصى حد استطعته : (( لا! أظن أنكم بارعون جداً في رواية القصص المرعبة . ما زال جلدي مقشعراً ... هل تراه ؟ )) ... رفعت ذراعي أمامه حتى يراها .
ابتسم بفخر .
عند تلك اللحظة نبهنا صوت تصادم الحجارة عند الشاطئ إلى اقتراب شخص منا . وفي لحظة واحدة استدار رأسانا فرأينا مايك وجيسيكا على بعد خمسين متراً منا ... كانا يسيران صوبنا .
ناداني مايك بصوت يوحي بالانفراج وهو يلوح بيده : (( ها أنت يا بيلا )) .
سألني جايكوب وقد انتبه إلى نبرة الغيرة في صوت مايك : (( هل هو صديقك ؟ )) ... فاجأني مدى وضوح الامر .
همست : ((لا ! قطعاً لا )) . كنت شديدة الامتنان لجايكوب وددت أن أسعده قدر ما أستطيع . غمزت له بعيني وأنا أستدير بحذر حتى لا يراني مايك . ابتسم جايكوب سعيداً بتلك المغازلة .
قال : (( عندما أحصل على شهادة القيادة ... ))
(( عليك أن تأتي إلى فوركس ... نستطيع التسكع هناك لبعض الوقت )) . شعرت بالذنب عندما قلت ذلك ... كنت أستغله . لكنني أستلطفه فعلاً . إنه شخص يمكنني مصادقته بسهولة .
وصل مايك إلينا وجيسيكا تسير على بعد خطوات قليلة خلفه .
رأيت عيناه تقبسان جايكوب ... بدا راضياً بسبب صغر سنه الواضح .
سألني رغم أن الاجابة كانت واضحة أمامه : أين كنتما ؟
تطوعت بالقول : كان جايكوب يروي لي بعض القصص المحلية . وكان ذلك أمراً ممتعاً حقاً .
ابتسمت لجايكوب بخبث ، فأجابني بابتسامة .
(( طيب ! )) ... صمت مايك برهة وهو يعيد تقييم الموقف بحذر بعد أن شاهد انسجامنا ... (( نحن نحزم أمتعتنا من أجل الذهاب ... يبدو أنها ستمطر قريباً )) .
نظرنا جميعاً إلى السماء المدلهمة . واضح أنها ستمطر .
قفزت وقلت : أنا قادمة .
قال جايكوب : (( لقد أسعدني لقاؤك من جديد )) ... كان يتعمد إزعاج مايك .
(( أسعدني لقاؤك أيضاً . سوف أكون مع تشارلي عندما يأتي لرؤية بيلي )) ... لقد وعدته بالمجيء ! .
كبرت ابتسامته : سيكون هذا أمراً لطيفاً .
أضفت بصوت جاد : و ... شكراً لك ! .
وضعت قبعة معطفي على رأسي في حين رحنا نسير عبر الصخور نحو مكان وقوف السيارات . بدأت قطرات قليلة من المطر تترك بقعاً قاتمة عند سقوطها فوق الصخور . وعندما وصلنا كان الباقون يضعون الامتعة في السيارات . جلست في المقعد الخلفي مع أنجيلا وتايلر معلنة أنني استنفذت دوري في الجلوس عند النافذة الامامية . اكتفت أنجيلا بالنظر إلى العاصفة القادمة . وراحت لورين تتلوى في المقعد الاوسط محاولة استقطاب اهتمام تايلر كله . وهكذا صار بوسعي أن أرخي رأسي على المسند وأغمض عيني وأحاول الا أفكر ... قدر ما أستطيع .




أنتهى الفصل السادس

القاكم غدا لوضع الفصلين السابع والثامن

طير قصة عشق الباكي
07-20-2010, 08:38 AM
رائع حبيبتى
جزاك الله خيرا
على هذا المجهود الرائع

طير قصة عشق الباكي
07-20-2010, 08:41 AM
مشكورة " دوفى "
على القصل الثالث
جزاكِ الله خبرا

طير قصة عشق الباكي
07-20-2010, 08:46 AM
مشكورة " دوفى "
على القصل الرابع

طير قصة عشق الباكي
07-20-2010, 08:47 AM
يسلموا حبيبتى
على الفصل الخامس

طير قصة عشق الباكي
07-20-2010, 08:59 AM
مشكورة " دوفى "
على القصل السادس
جزاكِ الله خبرا

hodhod_ali
07-20-2010, 11:27 AM
تسلمى حبيبتى على الفصل الخامس

hodhod_ali
07-20-2010, 11:29 AM
تسلميين حبيبتى على الفصل السادس

hodhod_ali
07-20-2010, 05:27 PM
انت ليش اتخرتى الفصالسابع والثامن اناكتير متحمسه وعلى نااااااااااااارررررررررر

ألم الخريف
07-20-2010, 07:56 PM
الفصل السابع

كابوس

قلت لتشارلي إن لدي واجبات مدرسية كثيرة اليوم وإنني لا أريد أن آكل . كانوا يعرضون مباراة لكرة السلة . وكان مهتماُ بها رغم عدم إدراكي أهميتها بطبيعة الحال . وهكذا لم يلاحظ أي شيء غير طبيعي في شكلي أو صوتي .
أقفلت الباب عندما صرت في غرفتي . بحثت في مكتبي عن السماعات الرأسية فوصلتها إلى مشغل الاسطوانات ووضعت فيه أسطوانة أهداني إياها فيل يوم عيد الميلاد . كانت لاحدى فرقة المفضلة ... لكن ما فيها من صراخ وموسيقى مرتفعة كان أكثر مما يتحمله ذوقي . وضعتها في مكانها ثم استلقيت على سريري . وضعت السماعات وضغطت مفتاح التشغيل ثم رفعت الصوت حتى آلمتني أذناي . أغمضت عيني ، لكن الضوء أزعجني فوضعت الوسادة فوق النصف العلوي من وجهي .
أصغيت إلى الموسيقى بانتباه شديد محاولة فهم الكلمات والتمييز بين نغمات الايقاع المعقدة . وعندما أنهيت الاسطوانة للمرة الثالثة صرت أعرف كل الكلمات التي يرددها الكورس ، على الاقل . فوجئت بأنني أحببت تلك الفرقة رغم كل شيء ، وذلك بعد أن تجاوزت الضجيج المزعج . علي أن أشكر فيل ثانية .
لقد نجح الامر ... جعلت تلك الايقاعات الصاخبة التفكير مستحيلاً ... وهذه هي كل غايتي . استمعت إلى الاسطوانة مجدداً حتى صرت أغني معها جميع الاغاني إلى أن سقطت نائمة أخيراً .
فتحت عيني فوجدت نفسي في مكان مألوف . أدركت في إحدى زوايا وعيي أنني أحلم ... وعرفت ضياء الغابة الاخضر . كنت أستطيع سماع صوت الامواج تتكسر على الصخور في مكان قريب مني . وعرفت أنني أستطيع رؤية الشمس إن وجدت المحيط . كنت أحاول تتبع الصوت ، لكن جايكوب بلاك كان هناك وكان يشدني من يدي محاولاً إعادتي إلى الجزء الاكثر ظلمة في تلك الغابة .
سألته : (( جايكوب ! ما الامر ؟ )) ... كان الرعب بادياً على وجهه بينما راح يجذبني بكل قوته محاولاً التغلب على مقاومتي . لم أكن أريد الذهاب إلى ظلمة الغابة .
همس مذعوراً : (( اركضي يا بيلا ... عليك أن تركضي ! ))
(( من هنا ... يا بيلا !)) ... عرفت صوت مايك يناديني من قلب الظلام بين الاشجار لكنني لم أستطع رؤيته .
(( لماذ؟)) ... سألت وأنا مازلت أقاوم قبضة جايكوب ... كنت أتلهف إلى رؤية الشمس الان .
لكن جايكوب أفلت يدي وعوى مرتجفاً فجأة ثم سقط على أرض الغابة المظلمة . رحت أنظر إليه مذعورة وهو يتلوى على الارض .
صرخت : (( جايكوب ! )) ... لكنه كان قد ذهب . وفي مكانه رأيت ذئباً بنياً أسود العينين . أشاح الذئب بوجهه عني مشيراً إلى الشاطئ ... كان شعر ظهره وكتفيه منتصباً ... وكانت زمجرة خافتة تخرج من بين أنيابه الظاهرة .
صرخ مايك من خلفي مجدداً : (( بيلا ... اهربي ! )) ... لكنني لم أهرب . كنت أنظر إلى ضوء يتقدم نحوي من ناحية الشاطئ .
عند ذلك خرج إدوارد من بين الاشجار . كان جلده يلمع قليلاً .
وكانت عيناه سوداوين خطرتين . مد يده مشيراً إلي أن أذهب نحوه . وكان الذئب يزمجر عند قدمي .
تقدمت خطوة باتجاه إدوارد فابتسم ... كانت أسنانه حادة مدببة.
قال بصوت هامس كالهرير : (( ثقي بي ! ))
خطوت خطوة أخرى .
قذف الذئب بنفسه في الفراق الفاصل بيني وبين مصاص الدماء ...
كانت أنيابه متجهة إلى أوردة رقبته .
صرخت بأعلى صوتي : (( لا... )) وانتصبت قافزة من سريري .
جعلت حركتي المفاجئة السماعات تجر مشغل الاسطوانات من فوق الطاولة الصغيرة فسقط على الارض الخشبية .
كان نور الغرفة ما يزال مضاء . وكنت ما أزال في ملابسي الكاملة بما في ذلك حذائي . التفت ، مشوشة ، إلى الساعة فوق طاولة الزينة .
كانت تشير إلى الخامسة والنصف صباحاً .
تنهدت واستلقيت على ظهري ثم انقلبت على وجهي ورميت حذائي من رجلي . كان تعبي شديداً يمنعني من النوم . انقلبت على ظهري وخلعت الجينز بطريقة خرقاء وأنا أحاول البقاء في وضع أفقي .
شعرت بوجود ربطة الشعر على رأسي وشعرت بضغط مزعج عند مؤخرة جمجمتي . انقلبت إلى جانبي ونزعت شريط الشعر المطاطي ورحت أمشط خصلات شعري بأصابعي . سحبت الوسادة فأعدتها فوق وجهي .
كان هذا كله عديم الجدوى طبعاً . لقد استحضر وعيي الباطن تلك الصور التي كنت أحاول تجنبها جاهدة . علي أن أواجهها الان .
انتصبت جالسة فشعرت بدوار في رأسي استمر نحو دقيقة ريثما صعد الدم إليه . قلت في نفسي : علي أن أستحم أولاً ... كنت سعيدة بتأجيل الامر قدر استطاعتي . أمسكت بحقيبة الحمام .
لكن حمامي لم يطل بقدر ما كنت آمل . ومع أنني أمضيت وقتاً كافياً في تجفيف شعري فقد أحسست بأني استنفدت كل ما يمكن أن أفعله في الحمام . لففت جسمي بمنشفة كبيرة وعدت إلى غرفتي . لم أعرف إن تشارلي قد ذهب أم أنه ما زال نائماً . ذهبت إلى النافذة ... لم أر سيارته ... هل ذهب إلى الصيد من جديد ؟
ارتديت ثياباً مريحة ثم رتبت سريري ... لم أكن أرتبه أبداً . لم أعد أستطيع تأجيل الامر . ذهبت إلى طاولتي وشغلت الكمبيوتر العتيق .
كنت أكره استخدام الانترنت هنا ... خدمات الانترنت المجانية رديئة . كان مجرد تحقيق الاتصال بالانترنت يستغرق وقتاً طويلاً جعلني أقرر الذهاب لتحضير صحن من رقائق الحبوب مع الحليب بدلاً من الانتظار .
بدأت أكل ببطء . كنت أمضغ كل لقمة بتأنً شديد . وعندما انتهيت غسلت الصحن والملعقة ثم جففتهما ووضعت كل منهما في مكانه .
صعدت درجات السلم أجر قدمي جراً . ذهبت إلى جهاز تشغيل الاسطوانات في البداية فرفعته عن الارض ووضعته في منتصف الطاولة تماماً . فصلت السماعات ووضعتها في درج مكتبي . ثم أعدت تشغيل الاسطوانة نفسها وأرجعتها حتى ذلك الموضع ذي الضجيج الشديد .
استدرت نحو الكمبيوتر ، طبعاً ، كانت الشاشة مملوءة بالاعلانات .
جلست في مقعدي القاسي القابل للطي ورحت أغلق جميع تلك النوافذ الصغيرة . وصلت أخيراً إلى محرك البحث . أغلقت بضعة إعلانات ظهرت مجدداً ثم كتبت في شريط البحث كلمة واحدة : مصاص الدماء .
استغرق البحث زمناً طويلاً ... طويلاً إلى درجة الغضب . وعندما ظهرت النتائج كان فيها كل ماهب ودب ... من الافلام إلى العروض التلفزيونية إلى الالعاب إلى المعادن في باطن الارض إلى شركات التجميل .
ثم وجدت موقعاً واحداً : مصاصو الدماء ، من الالف إلى الياء .
انتظرت بصبر ريثما تم تحميل الموقع ورحت أغلق الاعلانات فور ظهورها على الشاشة . انتهى التحميل أخيراً ... خلفية بيضاء ونص باللون الاسود ... كان منظرها أكاديمياً . كان على صفحة الموقع الرئيسية عبارتا ترحيب :
على امتداد عالم الاشباح والشياطين المظلم الشاسع لا نجد شخصية أكثر هولاً وأكثر إثارة للرعب والخوف من شخصية مصاص الدماء ، رغم تمتعه بسحر مخيف ؛ فهو ليس شبحاً ولا شيطاناً لكنه يجمع الطبائع المظلمة للاثنين ويوحد صفاتهما الغامضة المرعبة .
القس مونتاغ سامرز

إن كان في عالمنا هذا رواية صحيحة حقاً فهي رواية مصاصي الدماء . لا ينقص الرواية شيء : التقارير الرسمية والشهادات الخطية بقلم أشخاص معروفين تماماً ... جراحون ورجال دين وقضاة ... بل إن الاثباتات القضائية أكثر اكتمالاً . رغم هذا كله ... من عساه يؤمن بوجود مصاصي الدماء ؟ .
روسو

كانت بقية الموقع تعداداً مرتباً أبجدياً لجميع أساطير مصاصي الدماء في مختلف أنحاء العالم . وكان أولها ، داناغ ، عن مصاص دماء فلبيني يفترض أنه كان مسؤولاً عن زراعة نبة القلقاس في تلك الجزر . تقول الاسطورة إن الداناغ ظل يعمل مع البشر سنين كثيرة . لكن الشراكة انتهت ذات يوم عندما جرحت امرأة إصبعها وقام أحد الداناغ بمص الجرح مستمتعاً بطعم الدم فامتص دمها كله .
رحت أقرأ بانتباه باحثة عن كل ما يمكن أن يبدو مألوفاً ... لست أقول قابلاً للتصديق . بدا لي أن أكثر أساطير مصاصي الدماء تتحدث عن نساء جميلات شيطانات وعن ضحايا من الاطفال . وبدا لي أيضاً أنها مركبة تركيباً حتى تفسر نسبة الوفيات المرتفعة بين الاطفال الصغار وحتى تمنح الرجال عذراً لعدم وفائهم لزوجاتهم . وكان في كثير من تلك القصص أرواح من غير أجسام وتحذيرات من الدفن غير الصحيح . لم أجد كثيراً مما يشبه الافلام التي شاهدتها . وكان القليل مما وجدته ، مثل إبشتري العبري ويوبير البولندي ، مهتماً في المقام الاول بموضع شرب الدم .
جذبت ثلاثة عناوين انتباهي : فراكولاتشي الروماني ، وهو كائن جبار لا يموت يستطيع الظهور على هيئة بشري جميل شاحب الجلد ؛ ونيلابسي السلوفاكي الذي هو مخلوق شديد السرعة والقوة يستطيع ذبح قرية كاملة في ساعة واحدة بعد منتصف الليل ؛ وكذلك ستريغوني بينيفيتشي .
لم أجد عن هذا الاخير الا جملة قصيرة واحدة :
ستريغوني بينيفيتشي : مصاص دماء إيطالي يقال إنه يناصر الخبر وإنه عدو لدود لجميع مصاصي الدماء الاشرار .
كان ذلك مريحاً ... جملة صغيرة واحدة تلخص الاسطورة الوحيدة من بين مئات الاساطير فتزعم وجود مصاصي دماء أخيار .
لكنني رغم ذلك لم أجد الا القليل مما يوافق قصص جايكوب أو ملاحظاتي الخاصة . أنشأت دليلاً صغيراً في ذهني عندما كنت أقرأ . ثم رحت أقارنه بكل أسطورة من تلك الاساطير ... السرعة والجمال والقوة والجلد الشاحب والعيون التي يتغير لونها ؛ ثم معلومات جايكوب : شاربو الدماء ، وأعداء المستذئبين ، والجلود الباردة ، والخلود . قليلة جداً هي الاساطير التي توافق ولو وأحداً من هذه العوامل كلها .
ثم واجهت مشكلة ثانية ... مشكلة تذكرتها من خلال العدد القليل من أفلام الرعب التي شاهدتها . وقد جاءت قراءتي اليوم لتدعمها : لا يستطيع مصاصو الدماء الظهور نهاراً فالشمس تحرقهم وتحيلهم رماداً .
إنهم ينامون في التوابيت طيلة النهار ثم يخرجون ليلاً .
شعرت بغضب شديد . ضغطت على مفتاح الطاقة الرئيسي في الجهاز دون أن أنتظر ريثما يتوقف عن العمل بشكل نظامي . أحسست بشعور من الحرج الغامر رغم انزعاجي . كان هذا سخيفاً كله . كنت أجلس في غرفتي أبحث عن مصاصي الدماء في الانترنت ... ماذا أصابني ؟ ... قررت أن أكثر اللوم يقع على مجيئي إلى فوركس ... بل إلى شبه جزيرة أولمبيك كلها .
شعرت بحاجة شديدة إلى الخروج من المنزل ، لكن أقرب مكان أرغب في الذهاب إليه يقع على مسيرة ثلاثة أيام بالسيارة . لبست حذائي على أي حال دون أن أعرف وجهتي ، ونزلت إلى الطابق السفلي . ارتديت معطفي الواقي من المطر دون أن أنظر إلى حالة الجو ثم خرجت من الباب .
كانت الغيوم ملء السماء، لكن المطر لم يبدأ بعد . تجاهلت سيارتي وتوجهت إلى الشرق ماشية فعبرت فناء البيت صوب الغابة التي استولت على جزء منه . لم يطل الوقت حتى صار المنزل والطريق غير مرئيين ولم أعد أسمع صوتاً غير صوت تفتت التربة الرطبة تحت قدمي وبعض صرخات طائر أبو زريق المفاجئة .
كان درب ضيق يمضي داخل الغابة والا لما خاطرت بالتجول على غير هدى . كان إحساسي بالاتجاهات معدوماً ... يمكن أن أضيع في محيط أبسط من هذا بكثير . كان الدرب يتلوى ماضياً في الغابة أعمق فأعمق ... كان اتجاهه العام نحو الشرق ، بقدر ما كنت أستطيع التحديد . كنت ألتف حول أشجار السيتكا الصنوبرية وحول أجمات الشوكران والطقسوس والقيقب . لم أكن أعرف أسماء الاشجار المحيطة بي الا على نحو غامض ... وكان كل ما أعرفه مستمداً مما سمعته من تشارلي وهو يشير إلى تلك الاشجار أثناء مرورنا بالسيارة أيام طفولتي .
لم أكن أعرف أسماء كثير من الاشجار . ولم أكن واثقة من أسماء بعضها بسبب كثرة النباتات الطفيلية الخضراء التي تغطيها .
ظللت أمضي في هذا الدرب بقدر ما كان غضبي يدفعني . وعندما بدأ غضبي يخف أبطأت من مسيري . سقطت عدة قطرات من الشجرة التي فوقي لكنني لم أعرف إن كانت قد بدأت تمطر أو أن كان ذلك من بقايا أمطار الامس ... قطرات حملتها أشجار الاوراق عالياً فوقي وراحت تنقط ببطء الان عائدة إلى الارض . كانت شجرة سقطت مؤخراً ... عرفت أن زمن سقوطها لم يكن بعيداً لان السراخس لم تكن قد غطتها كلها ... وكانت تستند إلى جذع واحدة من شقيقاتها مشكلة مقعداً صغيراً محمياً لا يبعد عن الدرب الا خطوات قليلة . مشيت فوق السرخس وجلست جلسة مريحة بعد أن تأكدت من أن معطفي المطري يفصل ثيابي عن مجلسي الرطب وملت برأسي إلى الخلف ناظرة إلى الشجرة الحية .
لم يكن مجيئي إلى هنا تصرفاً سليماً . كان علي معرفة هذا ... لكن أين أذهب غير هنا ؟ كانت الغابة داكنة الخضرة ، وكانت شبيهة بالمشهد الذي رأيته في حلمي الامس شبهاً حرمني صفاء الذهن . والان ، بعد أن توقف صوت وقع حذائي على الارض الرطبة ، صار الصمت ثاقباً . صمتت الطيور أيضاً ... وكان تواتر القطرات يزداد ... لابد أنها تمطر الان ... هناك في الاعلى . كانت السراخس من حولي أعلى من رأسي بعد أن جلست . وكنت أعرف أن من الممكن أن يمر شخص على الدرب ... على بعد ثلاث خطوات مني ... دون أن يراني .
هنا بين الاشجار كان من الاسهل كثيراً أن أصدق تلك السخافات التي أشعرتني بالحرج في البيت . لم يتغير شيء في هذه الغابة منذ الاف السنين . في هذه البقعة الضبابية الخضراء تبدو جميع الاساطير والحكايات من مئات الاماكن ممكنة أكثر مما بدت لي ممكنة في غرفة نومي .
قسرت نفسي على التركيز على السؤالين الاكثر أهمية من بين الاسئلة التي كان لابد لي من الاجابة عليها ... لكنني فعلت ذلك من غير رغبة .
علي أن أقرر أولاً إن ما قاله جايكوب عن أسرة كولن يمكن أن يكون صحيحاً .
سرعان ما أجابني عقلي بنفي صارخ . كان من السخيف أن أفكر في إمكانية صحة هذه الافكار . لكن ، ماذا بعد ذلك ؟ سألت نفسي ... ما من تفسير منطقي لبقائي حية حتى هذه اللحظة . أعدت في ذهني ترتيب الاشياء التي لاحظتها بنفسي : السرعة المستحيلة ... والقوة المستحيلة ... وتغير لون العينين من الاسود إلى الذهبي ثم عودتهما إلى الاسود . الجمال فوق البشري ... والجلد البارد الشاحب . ثم أيضاً ... مجموعة أشياء رحت أسجلها ببطء ... كيف يبدو عليهم أنهم لا يأكلون أبداً ؟ ... الجلال المقلق المريب الذي يغلف حركاتهم . وكذلك طريقته في الحديث أحياناً بتواتره غير المألوف وعباراته التي تناسب أسلوب رواية من بداية القرن العشرين أكثر مما تناسب صفاً مدرسياً في القرن الحادي والعشرين . ثم عدم ذهابه إلى درس البيولوجيا يوم اختبار الزمرة الدموية ( فئة الدم ) . وهو لم يرفض الذهاب في رحلة الشاطئ الا عندما عرف أين كنا ذاهبين . وهو أيضاً يبدو كمن يعرف كل ما يفكر فيه الناس من حوله ... الا أنا . وقد قال لي إنه خطر ... شرير ...
هل يمكن أن تكون أسرة كولن من مصاصي الدماء ؟ لا بد أنهم شيء ما!
كان يجري أمام عيني غير المصدقتين شيء خارج إطار إمكانية التفسير العقلاني . لم يكن إدوارد كولن إنساناً سواء حسب رواية جايكوب عن (( الباردين )) أو حسب نظريتي أنا عن البطل الخارق . لقد كان شيئاً أكثر من ذلك .
إذن ، لن يكون جوابي الان الا : ربما !
ثم يأتي أهم الاسئلة كلها : ما الذي أفعله إن كان هذا صحيحاً ؟
اذا كان إدوارد مصاص دماء ... لا أكاد أستطيع جعل نفسي أفكر في هذه الكلمات ... فماذا علي أن أفعل ؟ كان إطلاع أي شخص آخر على الامر غير وارد أبداً . حتى أنا لا أستطيع أن أصدق ... إن قلت لاحد فسوف يظنني مجنونة .
بدا لي خياران عمليان فقط . الخيار الاول هو الاخذ بنصيحة إدوارد : أن أكون ذكية فأتجنبه قدر الامكان . ألغي خططنا وأعود إلى تجاهله قدر ما أستطيع . أن أتظاهر بوجود جدار زجاجي سميك لا يخترق بيننا في الصف الواحد الذي أجبرنا على الوجود معاً . أن أقول له أن يتركني وحدي . وأن أكون جادة هذه المرة .
داهمتني موجة مفاجئة من الالم اليائس عندما فكرت في هذا الخيار ، لكن عقلي رفض هذا الالم وانتقلت سريعاً إلى الخيار الثاني .
لا أستطيع أن أقوم بشيء مختلف . فبعد كل حساب ، ولو كان إدوارد شيئاً شريراً حقاً ، فهو لم يفعل شيئاً حتى يؤذيني ... حتى الان .
بل الواقع هو أنه تصرف سريعاً جداً حتى ينقذني من شاحنة تايلر . سريعاً جداً ... قلت في نفسي ... لعل ذلك مجرد رد فعل عفوي محض من جانبه . لكنه رد فعل باتجاه إنقاذ حياة إنسان ... فهل يمكن أن يكون صاحب رد فعل عفوي من هذا النوع شريراً ؟ هكذا رددت على نفسي ... تاه عقلي في تلك الدوائر التي لا إجابة عنها .
شيء واحد كنت واثقة منه ... إن كنت واثقة من أي شيء أصلاً! كان إدوارد المظلم في حلم الليلة الماضية مجرد انعكاس لخوفي من الكلمة التي قالها جايكوب لا انعكاساً لخوفي من إدوارد نفسه . وعندما صرخت رعباً من وثبة الذئب لم يكن خوفي على الذئب هو ما جعل شفتي تصيحان بكلمة ((لا)) . كنت خائفة عليه هو من الاذى ... حتى عندما كان يناديني مظهراً أنيابه الحادة ... كنت خائفة عليه هو!
من هنا عرفت أن لدي إجابة . لم أكن أعرف إن كان لدي خيار حقاً . كنت متورطة جداً ... منذ الان . والان ... بعد أن عرفت ... إن كنت عرفت ... لا أستطيع أن أفعل شيئاً بشأن سري المخيف . هذا لانني عندما فكرت فيه ، في صوته ، في عينيه الساحرتين ، في تلك القوة المغناطيسية في شخصيته ، لم أكن أريد شيئاً أكثر من أن أكون معه الان ... في هذه اللحظة . وحتى لو كان إدوارد ... أوه ... لم أستطع التفكير في ذلك . ليس هنا ... ليس و أنا وحدي في الغابة التي تزداد ظلمتها . ليس عندما يجعل المطر الضياء شحيحاً تحت أجمات الغابة مثل الضياء وقت الشفق وعندما يكون صوت سقوطه يشبه وقع الاقدام على الارض الترابية . ارتجفت ثم نهضت مسرعة من مكان اختبائي قلقة من أن يكون ذلك الدرب قد اختفى تحت المطر .
لكني وجدت الدرب ... واضحاً آمناً ... متعرجاً في طريقه خارجاً من تلك المتاهة الخضراء التي تقطر ماء . سرت على الدرب مسرعة ... كنت أشد قبعتي حول وجهي ... ورحت أسير سريعاً بين الاشجار مذهولة لبعد المسافة . بدأت أتساءل إن كنت في طريقي الصحيح إلى خارج الغابة ، أو إن كنت قد سرت على الدرب في الاتجاه المعاكس متوغلة إلى قلبها . لكنني ... قبل أن يستبد بي الخوف ... بدأت أرى بعض الفرجات بين الاغصان المتشابكة . ثم سمعت صوت سيارة تمر على الطريق ... ثم غدوت حرة ... رأيت مرج فناء بيت تشارلي أمامي ، ورأيت البيت نفسه يرحب بي . .. يعدني بالدفء وبجوارب جافة .
كانت الوقت ظهراً عندما عدت إلى المنزل . صعدت غرفتي لارتدي ثيابي ... جينز وقميص قصير الاكمام ... لانني لم أكن أعتزم الخروج . لم يقتض التركيز على واجبي المدرسي لهذا اليوم جهداً كبيراً مني ... كان ذلك موضوعاً عن ماكبث ليوم الاربعاء ... اكتفيت راضية بكتابة مسودة عامة ، وكان ذهني أكثر صفاء من أي وقت منذ... منذ الخميس بعد الظهر ... على الاقل .
هكذا كان تصرفي دائماً . كان اتخاذ القرارات هو الجزء الشاق بالنسبة لي ... الجزء الذي اجتازه مشقة حقيقية . لكني كنت أنفذ قراري فور اتخاذه ... وعادة ما كنت أشعر بالراحة والانفراج لان القرار قد اتخذ . وفي بعض الاحيان كان قنوط يشوب ذلك الانفراج ، كما في قرار مجيئي إلى فوركس . لكن ذلك أفضل من استمرار صراعي مع البدائل المختلفة .
أما قراري الان فكان قبولي به سهلاً إلى درجة الحماقة ... سهلاً إلى حد خطير .
وهكذا كان يومي هادئاً ... منتجاً . أنهيت كتابة موضوع ماكبث قبل الثامنة . عاد تشارلي إلى المنزل بصيد وفير جعلني أسجل في ذهني ملاحظة بشأن جلب كتاب عن وصفات إعداد الاسماك عندما أذهب إلى سبانل الاسبوع القادم . لم تكن القشعريرة التي تسري في ظهري كلما فكرت في تلك السفرة لتختلف كثيراً عن تلك التي أصابتني عندما تنزهت مع جايكوب بلاك . فكرت في نفسي ... لابد من وجود اختلاف . يجب أن أكون خائفة ... كنت أعرف ذلك ... لكنني لم أشعر بالنوع المفترض من الخوف .
كانت ليلتي من غير أحلام ... لقد كنت متعبة بسبب استيقاظي المبكر كثيراً وبسبب سوء نومي في الليلة الماضية . استيقظت ، للمرة الثانية منذ وصولي إلى فوركس ، على ضوء الشمس الاصفر الساطع ليوم مشمس آخر . هرعت إلى النافذة ففاجأتني سماء زرقاء صافية من دون غيوم ... كان في البعيد غيمات صغيرة بيضاء لا يمكن أن تحمل أي مطر . فتحت النافذة ففوجئت بأنها انفتحت بصمت وأنها لم تكن ملتصقة رغم أنني لم أفتحها منذ عدد من السنين لا يعلمه الا الله ... ورحت أعب الهواء الجاف نسبياً . كان الجو دافئاً تقريباً ... من غير ريح . راح دمي يجري سريعاً في عروقي .
كان تشارلي على وشك إنهاء فطوره عندما نزلت من غرفتي .
وسرعان ما لاحظ مزاجي المبتهج .
قال : إنه يوم جميل في الخارج .
قلت مبتسمة : نعم !
أجابني بابتسامة جعدت زوايا عينيه البنيتين . عندما ترى تشارلي يبتسم يصبح سهلاً أن تفهم سبب زواجه السريع المبكر من أمي . كان أكثر تلك الرومنسيات التي عاشها في ذلك الوقت قد ذوى قبل أن أعرفه ، أي قبل أن يتناقص شعره البني المجعد ( مثل لون شعري إن لم يكن بمثل بنيته أيضاً ) وقبل أن يكشف ببطء عن مساحة متزايدة من الجلد اللامع عند جبهته . أما عندما يبتسم فقد كنت أرى شيئاً من ذلك الرجل الذي هرب مع رينيه لما كان عمرها يزيد سنتين فقط عن عمري الان .
تناولت فطوري مبتهجة وأنا أراقب الغبار يتحرك في ضوء الشمس المتدفق عبر النافذة الخلفية . صاح تشارلي مودعاً ثم سمعت صوت سيارته تغادر المنزل . ترددت عند باب البيت وأنا أضع يدي على معطفي المطري . كان من المغري تركه في البيت والخروج خفية ، ولكن هذا خطر فقد يتهمر المطر فجأة . تنهدت ثم لففته تحت ذراعي وخرجت إلى الضوء الساطع الذي لم أره منذ شهور .
تمكنت بكثير من الجهد أن أفتح نافذة سيارتي فتحاً كاملاً . كنت من أول الواصلين إلى المدرسة ... لم أنظر إلى الساعة في عجلتي لمغادرة المنزل . أوقفت السيارة وتوجهت إلى المقاعد نادرة الاستخدام عند الناحية الجنوبية من الكافتيريا . كانت المقاعد ما تزال رطبة قليلاً فجلست فوق معطفي المطري سعيدة لانني وجدت له فائدة . كان واجبي المدرسي جاهزاً ... هذا نتيجة الحياة الاجتماعية البطيئة ... لكنني لم أكن واثقة من صحة حلي لبعض مسائل المثلثات . أخرجت كتابي بهمة ونشاط ، لكنني ... في منتصف تحققي من المسألة الاولى ... غرقت في أحلام اليقظة ورحت أراقب ضياء الشمس يرقص على الاشجار ذات اللحاء الاحمر . رحت من غير قصد أرسم أشكالاً على هوامش الورقة التي فيها مسائل المثلثات . وبعد دقائق قليلة أدركت فجأة أنني رسمت خمسة أزواج من الاعين الداكنة راحت تحدق بي من تلك الصفحة .
أخرجت ممحاتي فأزلت تلك العيون .
(( بيلا!)) ... سمعت صوتاً يناديني ... بدا مثل صوت مايك .
نظرت من حولي فرأيت أن كثيراً من الطلاب قد وصلوا إلى المدرسة بينما كنت أجلس هناك شاردة الذهن . كان الجميع في قمصانهم القصيرة ، بل كان بعضهم يرتدي سراويل قصيرة أيضاً رغم أن الجو مازال بارداً بعض الشيء . كان مايك قادماً نحوي في سروال قصير بلون الكاكي وقميص رياضي ... كان يلوح بيده .
قلت ملوحة له : (( مرحباً مايك !)) ... لم أكن لاستطيع التحفظ في صباح مثل هذا الصباح .
جاء وجلس بجانبي وكانت ذؤابات شعره المرتبة تلمع في ضوء الشمس . كانت ابتسامته ملء وجهه . كان مسروراً جداً برؤيتي إلى حد لم أستطع معه منع شعوري بالرضا.
(( لم الاحظ من قبل أن شعرك فيه شيء من اللون الاحمر )) ... قال وهو يمسك بين أصابعه خصلة من شعري كانت ترفرف مع النسيم الخفيف .
(( في ضوء الشمس فقط )) .
شعرت بشيء من عدم الراحة عندما وضع تلك الخصلة خلف أذني .
(( يوم عظيم ... أليس عظيماً ؟))
قلت موافقة : هكذا أحبه .
قال بنبرة تملكية قليلاً : ماذا فعلت البارحة ؟
(( اشتغلت معظم الوقت على موضوع ماكبث )) ... لم أقل له أنني أنجزته ... لا حاجة لان أظهر بمظهر التباهي .
ضرب جبهته بظاهر يده : (( أوه ، نعم ! ... إنه مطلوب ليوم الخميس ،صحيح ؟))
(( همم ! ... ليوم الاربعاء على ما أظن )) .
قال عابساً : الاربعاء ! ... هذا ليس جيداً ... عن أي شيء كتبت موضوعك ؟
(( عما اذا كانت معالجة شكسبير للشخصيات الانثوية تنطلق من كرهه للنساء )) .
نظر إلي كأنني أتكلم باللاتينية ثم قال : (( أعتقد أن علي أن أعمل عليه هذه الليلة . كنت أريد أسألك إن كانت لديك رغبة في الخروج ))


فاجأني ذلك فقلت : (( أوه! )) ... لماذا لم أعد أستطيع إجراء محادثة سارة مع مايك من غير أن يصبح الامر مربكاً ؟
(( نستطيع أن نذهب إلى العشاء أو غير ذلك ... وأستطيع أن أعمل على موضوع شكسبير بعد عودتي )) قال هذا مبتسماً بأمل .
كرهت أن أكون في هذا الموقف : (( مايك ...لا أعتقد أنها فكرة صائبة )) .
تغير تعبير وجهه وقال بعينين يقظتين : (( لماذا ؟)) قفزت أفكاري إلى إدوارد وتساءلت ما اذا كان هذا خطر ببال مايك أيضاً .
هددته قائلة : (( أظن ... وسوف أضربك بسرور حتى الموت اذا قلت هذا الكلام أمام أي شخص ... أن هذا سيجرح مشاعر جيسيكا )) .
فوجئ تماماً . كان واضحاً أنه لم يكن يفكر في ذلك الاتجاه أبداً : (( جيسيكا ؟)) .
(( نعم يا مايك ... هل أنت أعمى ؟))
استنشق نفساً عميقاً ... لقد داخ تماماً ... (( آوه ! )) ... استفدت من ذلك حتى أنجو بنفسي .
(( حان وقت الدرس ... لا أستطيع التأخر أكثر )) . جمعت كتبي ووضعتها في الحقيبة .
سرنا صامتين باتجاه المبنى رقم 3 ... كان تعبير وجهه ذاهلاً .
وتمنيت أن تأخذه أفكاره في الاتجاه الصحيح مهما تكن الافكار التي كان مستغرقاً فيها .
كانت جيسيكا نثرثر متحمسة عندما رأيتها في درس المثلثات .
كانت تعتزم الذهاب الليلة مع أنجيلا ولورين إلى بورت آنجلس لشراء فساتين من اجل الحفلة . وقد أرادت أن أذهب معهن أيضاً رغم أنني لم أكن في حاجة إلى فستان . لم أستطع حسم أمري . لطيف أن أخرج من البلدة مع بعض الصديقات ، لكن لورين ستكون معنا . من يعلم ما يمكن أن أفعله الليلة ... لكن ليس هذا هو الاتجاه الذي يجب أن أسمح لافكاري بأن تذهب فيه . كنت سعيدة بضياء الشمس طبعاً . لكنه لم يكن مسؤولاً تماماً عن مزاجي المبتهج ، بل لم يكن مسؤولاً عنه حتى ولو جزئياً .
لذلك قلت لها : (( ربما! )) ... تذرعت بأن علي التحدث مع تشارلي أولاً .
في طريقنا إلى درس اللغة الاسبانية لم تكن جيسيكا تتحدث الا عن الحفلة . وعندما انتهى الدرس ، متأخراً خمس دقائق ، واصلت كلامها ونحن ذاهبتان إلى الغداء كما لو أن شيئاً لم يقاطعه . كنت غارقة جداً في الرتقب المضني فلم أنتبه إلى معظم كلامها . كان يؤلمني التوق ... لا إلى رؤيته وحده ... بل إلى رؤية أبناء كولن كلهم حتى أقارن بينهم وبين الشكوك الجديدة التي تغزو ذهني . وعندما تجاوزت مدخل الكافتيريا شعرت بأول وخزة خوف حقيقية تتغلغل عبر ظهري وتستقر في معدتي .
هل سوف يستطيعون معرفة أفكاري ؟ ثم اجتاحني شعور مختلف ... هل ينتظرني إدوارد ليجلس معي من جديد ؟
نظرت أولاً إلى طاولتهم ... كما هي عادتي . سرت في معدتي رجفة الرعب عندما رأيتها فارغة . بما بقي لدي من أمل راحت عيناي تتجولان في بقية أنحاء الكافتيريا شبه ممتلئة بالطلاب ... تأخرنا بسبب درس اللغة الاسبانية ... لكنني لم أعثر على إدوارد أو على أحد من أسرته .
غمرتني خيبة أمل ساحقة .
رحت أسير خلف جيسيكا على غير هدى وقد أقلعت عن التظاهر بالاصغء إليها . كنا متأخرين إلى حد أن الجميع كانوا جالسين إلى الطاولة . تجنبت الكرسي الفارغ بجانب مايك وذهبت إلى كرسي آخر بجانب أنجيلا . لاحظت على نحو غائم أن مايك سحب الكرسي بأدب من اجل جيسيكا وأن وجهها أشرق رداً على تلك الحركة .
سألتني أنجيلا بصوت خافت بعض الاسئلة عن موضوع ماكبث فأجبتها على نحو طبيعي بقدر ما استطعت ... لكنني كنت أغرق في بؤسي . دعتني أيضاً للذهاب معهم الليلة ... وافقت الان متمسكة بأي شيء يمكن أن يلهيني .
عرفت أنني كنت أتمسك بآخر أهداب الامل عندما دخلت إلى صف البيولوجيا فرأيت مقعده الفارغ وشعرت بموجة شديدة من خيبة الامل .
مر ما بقي من ذلك النهار بطيئاً ... فارغاً . في الصالة الرياضية كانت لدينا محاضرة عن تنس الريشة ... إنه العذاب التالي المخطط من أجلي . لكن على الاقل ، لم يكن علي في المحاضرة الا أن أجلس وأصغي بدلاً من التعثر والسقوط في أرجاء القاعة . أما أفضل ما في الامر فهو أن المدرب لم ينه محاضرته مما كان يعني أنني سأجلس في درس الرياضة غداً أيضاً . ولا بأس إن كانوا يعتزمون تسليحي بمضرب في اليوم التالي قبل أن يطلقوني على بقية الطلاب .
كنت سعيدة بمغادرة المدرسة فهكذا أكون حرة في العبوس والاستغراق في أفكاري الكئيبة ثبل أن أذهب الليلة مع جيسيكا ورفيقاتها . لكن جيسيكا اتصلت فألغت الخطة كلها بمجرد دخولي إلى منزل تشارلي . حاولت أن أشعر بالسرور لان مايك دعاها إلى العشاء ...
شعرت بالراحة فعلاً لانه بدأ يهتم بها أخيراً ... لكن حماستي عندما تحدثت معها بدت زائفة ... حتى في أذني أنا . قالت إننا سنذهب للتسوق ليلة الغد .
لم يترك هذا أي شيء يعترض استغراقي في أفكاري . كان لدي سمك بالصلصة من أجل الغداء ، ومعه سلطة وخبز من عشاء الامس . لم يكن لدي ما أفعله في المطبخ . أمضيت نصف ساعة في التركيز على واجبي المدرسي ، لكنه انتهى أيضاً . تفقدت بريدي الالكتروني وقرأت مجموعة رسائل من أمي ... كانت رسائلها تزداد نزقاً . تنهدت وكتبت لها رداً سريعاً :
(( أمي
أنا آسفة . لكنني كنت خارج المنزل . ذهبت إلى الشاطئ مع بعض الاصدقاء . وكان علي كتابة موضوع للمدرسة ))
كانت أعذاري بائسة فتوقلت عند تلك النقطة . وكتبت :
(( الشمس ساطعة في الخارج اليوم ... أعرف هذا ، فقد فوجئت بالشمس أيضاً ... لذلك سأخرج لاتشمس حتى أمتص كل ما أستطيع امتصاصه من فيتامين د . أحبك . بيلا )) .

قررت قتل ساعة كاملة في قراءة لا علاقة لها بالمدرسة . كانت لدي مجموعة صغيرة من الكتب جلبتها معي إلى فوركس . كان أعتق هذه الكتب مجلداً يضم مختارات من أعمال جين أوستن . أخذت ذلك الكتاب وتوجهت إلى الفناء الخلفي حاملة في طريقي لحافاً قديماً من خزانة البياضات .
وعندما صرت في الفناء المربع الصغير طويت اللحاف نصفين ووضعته خارج متناول ظلال الاشجار فوق المرج الكثيف الذي يحتفظ دائماً بشيء من البلل مهما استمرت الشمس .
استلقيت على بطني رافعة كاحلي في الهواء ورحت أقلب قصص تلك المجموعة محاولة أن أختار من بينها قصة يمكن أن تشغل أفكاري إلى أقصى حد ممكن . كانت قصتاي المفضلتان في العادة هما (( كبرياء وتحامل )) و (( العاطفة والعقل )) وغالباً ما كنت اقرأ الاولى ، لذلك بدأت الان قراءة الثانية . لم أتذكر أن اسم بطل هذه القصة هو إدوارد الا بعد أن بدأت قراءة الفصل الثالث . تحولت غاضبة إلى قصة (( حديقة مانسفيلد )) ، لكن اسم بطلها كان إدموند ... إنه قريب جداً من إدوارد . ألم يكن لديهم أسماء أخرى أواخر القرن التاسع عشر ؟ أغلقت الكتاب بعنف وانزعاج ثم انقلبت على ظهري . رفعت أكمامي بأقصى ما استطعت وأغمضت عيني . قلت لنفسي بعنف : لن أفكر الا في حرارة الشمس على جلدي . كان النسيم ما يزال لطيفاً ، لكنه ألقى بعض خصلات شعري على وجهي فراحت تدغدغني قليلاً . جمعت شعري كله فوق رأسي وجعلته ينتشر على اللحاف ثم عدت إلى التركيز على حرارة الشمس التي تداعب أهدابي ووجنتي وأنفي وشفتي وذراعي ورقبتي وتتغلغل عبر قميصي الرقيق ...
انتبهت على صوت سيارة تشارلي تستدير على بلاط الممر . جلست مشدوهة فأدركت أن ضوء الشمس قد ذهب واختفى خلف الاشجار ...
وأنني سقطت في النوم . نظرت من حولي مشوشة ... وشعرت فجأة أنني لم أكن وحدي .
قلت بصوت متسائل : (( تشارلي ؟)) ... لكنني لم أسمع صوت إغلاق باب سيارته أمام المنزل .
قفزت بانفعال أحمق والتقطت كتبي واللحاف الذي صار رطباً الان . ركضت داخلة المنزل حتى أضع بعض الزيت ليسخن فوق الموقد ... أدركت أن طعامنا سيتأخر . كان تشارلي يعلق حزام مسدسه ويخلع حذاؤه عندما دخلت إلى المنزل .

قلت متثائبة : (( آسفة يا أبي ... الغداء غير جاهز بعد ... سقطت نائمة في الفناء )) .
قال : (( لا تنزعجي ... أريد أن أعرف نتائج المباراة قبل كل شيء )) .
تابعت التلفزيون مع تشارلي بعد الطعام ... كنت أبحث عن شيء أفعله . لم يكن فيه ما أود مشاهدته . لكن تشارلي يعرف أنني لا أحب البيسبول ، لذلك قلب المحطة إلى مسلسل سخيف لم يستمتع به أي منا . بدا تشارلي سعيداً رغم ذلك لاننا كنا نفعل شيئاً معاً . رغم اكتئابي ، شعرت بالسرور لان هذا أسعده .

قلت له أثناء أحد الاعلانات : (( أبي ! جيسيكا وأنجيلا ذاهبتان ليلة غد لانتقاء فساتين من بورت آنجلس . وهما تريدان مني أن أساعدهما في الاختيار ... هل لديك مانع إن ذهبت معهما ؟))
سألني : جيسيكا ستانلي ؟
تنهدت وأعطيته التفاصيل : (( نعم ... وأنجيلا ويبر )) . بدت عليه الحيرة : (( لكنك لن تذهبي إلى الحفلة ! أليس هذا صحيحاً ؟))
(( لن أذهب يا أبي ، لكنني سأساعدهما في اختيار الفساتين ... أنت تعرف ذلك ... تقديم نقد بناء ! )) ... لو كنت أتحدث مع امرأة لما احتجت إلى هذا الشرح .

قال موقناً إنه لا يفهم أمور البنات هذه : (( طيب ! لا بأس ... لكن ، لديكم مدرسة في اليوم التالي ! ))
(( سنذهب بعد المدرسة فوراً حتى نعود باكراً . ألن يزعجك أن تتناول الغداء وحدك ؟))
قال مذكراً : بيلا! ظللت أطعم نفسي سبعة عشر عاماً قبل أن تأتي .
تمتمت : (( لا أعرف كيف بقيت حيا! )) ... ثم أضفت بصوت أوضح : (( سأترك لك في البراد بعض الاشياء من أجل إعداد شطائر باردة ... في الرف العلوي ))

في اليوم التالي كان الصباح مشمساً أيضاً . استيقظت مع أمل متجدد حاولت قمعه . ولان الجو صار أكثر دفئاً ارتديت قميصاً داكن الزرقة له قبة مثلثة ... كنت أرتديه في أبرد أيام الشتاء عندما كنت في فينيكس .

خططت وقت وصولي إلى المدرسة بشكل لا يترك لي وقتاُ أكثر مما يلزمني من الوصول إلى الصف . وعندما وصلت رحت أدور حتى أجد مكاناً لايقاف السيارة ؛ كان قلبي بين قدمي لانني كنت أيضاً أبحث عن سيارة الفولفو الفضية ... من الواضح أنها لم تكن هناك .

أوقفت السيارة في الصف الاخير وأسرعت إلى درس اللغة الانكليزية فوصلت إليه مبهورة الانفاس قبل أن يرن الجرس الاخير .

كان الامر مثل اليوم السابق . لم استطع منع بذور الامل من التفتح في ذهني ... لكنها سحفت من غير رحمة عندما رحت أفتش قاعة الطعام عبثاً ... وعندما جلست وحيدة إلى الطاولة في درس البيولوجيا .

عادت خطة الذهاب إلى بورت أنجلس إلى واجهة الحديث اليوم أيضاً . وقد ازدادت جاذبية في نظري لان لورين كانت مشغولة بالتزامات أخرى . كنت مشتاقة إلى الخروج من البلدة حتى أكف عن الالتفات في كل لحظة أملاً في رؤيته يظهر فجأة كما يفعل دائماً . عاهدت نفسي على أن أكون في مزاج حسن الليلة حتى لا أفسد فرحة أنجيلا وجيسيكا بشراء الفساتين . لعلي أقوم أيضاً بشراء بعض الملابس لنفسي . رفضت التفكير في إمكانية قيامي بالتسوق وحيدة في سياتل عند نهاية الاسبوع ... ما عدت مهتمة بتلك الترتيبات السابقة . من المؤكد أنه لن يلغيها دون أن يخبرني على الاقل .

بعد المدرسة لحقت بي جيسيكا إلى المنزل في سيارتها الميركوري البيضاء القديمة حتى أضع كتبي في البيت وأوقف سيارتي . وعندما دخلت المنزل مشطت شعري بأصابعي وشعرت بشيء من الاثارة عندما رحت أفكر في أنني سأخرج من فوركس . تركت ملاحظة تشارلي على الطاولة شرحت له فيها كيف يجد طعامه . ثم أخذت محفظتي من حقيبتي المدرسية فأفرغتها في حقيبة يد نسائية نادراً ما أستخدمها ... خرجت من البيت جرياً لانضم إلى جيسيكا بعد ذلك ذهبنا إلى بيت أنجيلا فوجدناها بانتظارنا . شعرت بالاثارة تزداد ازدياداً صاروخياً عندما تجاوزت بنا السيارة حدود البلدة .





أنتهى الفصل السابع ..

ألم الخريف
07-20-2010, 08:09 PM
الفصل الثامن


بورت أنجلس



كانت جيسيكا تقود السيارة أسرع من أبي . وهكذا وصلنا إلى بورت أنجلس في الرابعة . مضى زمن طويل منذ أن ذهبت في نزهة مع صديقاتي آخر مرة ... كان اندفاع الاستروجين منشطاً . استمعنا إلى أغاني الروك الصاخبة في حين كانت جيسيكا تثرثر عن الاولاد الذين تتحدث معهم . لقد كان عشاؤها مع مايك جيداً جداً وهي تأمل أن يصلا ليلة السبت إلى مرحلة القبلة الاولى . ابتسمت في نفسي مسرورة . كانت أنجيلا فرحة بالذهاب إلى الحفلة ، لكنها لم تكن مهتمة بإريك فعلاً .

حاولت جيسيكا جعلها تعترف بالشخص الذي تفضله لكنني قاطعتها بعد قليل بسؤال عن الفساتين ... حتى أنقذ أنجيلا ... فأهدتني نظرة شكر .

كانت بورت أنجلس بلدة جميلة صغيرة جذابة للسياح وكانت أكثر ترتيباً وجاذبية من فوركس . لكن أنجيلا وجيسيكا كانتا تعرفانها جيداً ، لذلك لم تكن لديهما رغبة في إهدار أي وقت على طريق النزهة الخشبي بجانب الخليج . قادت جيسيكا السيارة إلى المتجر الكبير الوحيد في البلدة الذي كان يقع على مبعدة شوارع قليلة من المقهى اللطيف في منطقة الخليج .

كانت حفلة الرقص شبه رسمية . ولم نكن نعرف المقصود بتلك العبارة تحديداً . بدت جيسيكا و أنجيلا غير مصدقتين عندما قلت لهما إنني لم أذهب أبداً إلى حفلة راقصة في فينيكس .

(( ألم تذهبي مع صديقك أو مع أحد ؟)) ... سألتني جيسيكا بشك في حين كنا داخلين من باب المتجر .

حاولت إقناعها من غير أن أعترف بمشكلتي مع الرقص : (( لم أذهب فعلاً ... لم يكن لدي صديق في يوم من الايام أو حتى شيء يشبه ذلك . لم أكن أخرج كثيراً )).

سألتني جيسيكا : لم لا ؟
أجبتها بصدق : لم تأتني دعوة من أحد !
بدا عليها الشك وذكرتني بقولها : الناس يدعونك إلى مرافقتهم هنا ... وأنت ترفضين .
كنا في قسم الفتيات الان فرحنا ننظر إلى الرفوف بحثاً عن ملابس مناسبة .
صححت أنجيلا بهدوء : صحيح ! الا بالنسبة لتايلر .
قلت بحدة : عفواً ! ... ماذا قلت ؟
قالت جيسيكا بعينين مرتابتين : أخبر تايلر الجميع أنه سيرافقك في حفلة التخرج .
(( ماذا قال ؟ )) ... بدا الاختناق على صوتي .
همست أنجيلا لجيسيكا : قلت لك إن الامر غير صحيح!

بقيت صامتة . كنت ما أزال في حالة صدمة تحولت سريعاً إلى انزعاج وغضب . لكننا عثرنا على رفوف الفساتين ... أمامنا الان عمل نقوم به .

ضحكت جيسيكا مسرورة فيما رحنا نقلب الملابس : هذا هو سبب عدم حب لورين لك !
صررت على أسناني : (( هل تعتقدين أنه سيكف عن شعوره بالذنب بسبب الحادث اذا دهسته بسيارتي ؟ وهل سيقلع عن محاولة إصلاح الامر ويعتبر أننا تعادلنا ؟ ))

ابتسمت جيسيكا : ربما! اذا كان هذا هو السبب الذي جعله يفعل ذلك .

كانت مجموعة الفساتين كبيرة فعلاً ... ووجدت جيسيكا و أنجيلا عدة أشياء لتجربتها . أما أنا فجلست على كرسي منخفض داخل غرفة تبديل الملابس بجانب المرأة ورحت أحاول السيطرة على غضبي .

كانت جيسيكا في حيرة بين فستانين . فستان طويل أسود دون حمالات ، وفستان أزرق لامع يصل حتى الركبتين وله حمالتان ضيقتان جداً . شجعتها على أخذ الفستان الازرق ... فلماذا لا ترتدي ما يخطف الانظار ؟ اختارت أنجيلا فستاناً وردياً يلائم قوامها الطويل جيداً ويلقي انعكاسات عسلية على شعرها البني الفاتح . أكثرت من امتداح الفستانين وساعدت على إعادة بقية الملابس إلى الرفوف . كانت العملية كلها أقصر وأسهل بكثير من رحلات تسوق كثيرة مع رينيه عندما كنا في فينيكس .
أعتقد أن الامر عائد إلى محدودية الخيارات .

توجهنا إلى قسم الاحذية والاكسسوارات . اكتفيت بالمراقبة والتعليق في حين راحتا تجربان مختلف الاشياء . لم أكن في مزاج يسمح بأن أشتري شيئاً لنفسي مع أنني كنت بحاجة إلى حذاء جديد . كانت إثارة الحفلة تتلاشى في أعقاب انزعاجي من تايلر مفسحة مجالاً لعودة الكآبة إلى نفسي .

(( أنجيلا! )) ... قلت لها بتردد حين كانت تجرب زوجاً من الاحذية له شرائط وكعب مرتفع ... كانت سعيدة بأنها ترافق شاباً طويلاً إلى حد يسمح لها بارتداء حذاء عالي الكعب . أما جيسيكا قد ذهبت إلى ركن المجوهرات ... بقينا وحدنا .
جنيت عن قول ما كنت أفكر فيه : يعجبني هذا الحذاء .

قالت مبتسمة : (( أظن أنني سأشتريه رغم أنه لا يناسب شيئاً من ملابسي الا هذا الفستان )) .
شجعتها : (( طبعاً ! اشتريه ... إنه يباع بسعر مخفض )) . ابتسمت وأعادت إغلاق علبة حذاء أبيض يبدو عملياً .

حاولت الكلام من جديد : (( همم ! أنجيلا... )) ... نظرت إلي مستغربة .
قلت ونظري مثبت على حذائي : (( هل من الطبيعي أن يتغيب أبناء كولن عن المدرسة كثيراً ؟)) ... فشلت فشلاً بائساً في محاولتي الظهور بمظهر اللامبالاة .

(( نعم! عندما يكون الجو جميلاً يذهبون إلى التخييم طيلة الوقت ... حتى الدكتور . إنهم يحبون الخروج كثيراً )) . قالت هذا بصوت هادئ وهي تتفحص حذاءها أيضاً . لم تطرح أي سؤال ؛ لو كانت جيسيكا مكانها لطرحت مئات الاسئلة . بدأت أحب أنجيلا فعلاً .

أهملت متابعة الموضوع عندما عادت جيسيكا لترينا الزينة التي اختارتها حتى تناسب حذاءها الفضي .

كنا نعتزم تناول غداءنا في مطعم إيطالي عند طريق النزهة الخشبي ، لكن شراء الفساتين لم يستغرق الزمن الذي توقعناه . ستأخذ جسيكا و أنجيلا ملابسهما الجديدة إلى السيارة ثم تذهبان مشياً حتى الخليج ... قلت لهما إنني سأقابلهما بعد ساعة في المطعم وإنني سأبحث عن مكتبة . كانتا راغبتين في الذهاب معي ، لكنني شجعتهما على الذهاب . قلت لهما إنني أنسى كل شيء حولي عندما أكون بين الكتب ، لذلك أفضل أن أذهب وحدي . ذهبتا إلى السيارة تثرثران بسعادة . أما أنا فمضيت في الاتجاه الذي دلتني جيسيكا عليه .

وجدت المكتبة بسهولة ، لكنها لم تكن كما أريد . كانت الواجهات تغص بكتب عن تحقيق الاحلام والمعالجة الروحانية . لم أدخل إلى المكتبة . ومن خلال الزجاج رأيت سيدة خمسينية لها شعر أشيب طويل يمتد على ظهرها ... كانت ترتدي فستاناً من الستينات وتبتسم لي ابتسامة مرحبة من خلف طاولتها . قررت عدم التورط في حديث معها . لابد أن في هذه البلدة مكتبة حقيقية .

تجولت في الشوارع التي بدأت تزدحم بسبب انصراف الناس من أعمالهم . سرت غير عارفة طريقي ، لكنني ظننت أنني متجهة إلى قلب البلدة . لم أكن منتبهة إلى وجهتي بالقدر الكافي ... لقد كنت أصارع خيبتي ... أحاول جاهدة عدم التفكير فيه وفي ما قالته أنجيلا ... وكنت ، أكثر من أي شيء آخر ، أحاول كبح آمالي فيما يخص السفر يوم السبت ... خشيت أن تصيبني خيبة آمل أشد ألماً من سابقتها ... جاءني هذا كله عندما رفعت رأسي فرأيت سيارة فولفو فضية واقفة في الشارع ... قلت في نفسي : إنه مصاص دماء غبي لا يعتمد عليه .

رحت أسير صوب الجنوب نحو بعض المتاجر ذات الواجهات الزجاجية فقد بدت لي واعدة . لكنني وجدت أنها لم تكن الا محلاً للتصليح ومحلاً آخر فارغاً . ما زال أمامي وقت طويل حتى أذهب لملاقاة جيسيكا و أنجيلا . وكان علي أن أسيطر على مزاجي قبل لقائهما مجدداً . مررت أصابعي في شعري عدة مرات وتنفست عميقاً قبل أن أواصل سيري .

عندما اجتزت شارعاً آخر ، بدأت أدرك أنني ذاهبة في الاتجاه الخاطئ . كان المشاة القلائل الذين صادفتهم يسيرون شمالاً ... وبدا لي أن أكثر المباني في هذه المنطقة مستودعات . قررت أن أستدير شرقاً عند المنعطف التالي ثم أعود في الاتجاه المعاكس مسافة عدة تقاطعات حتى أجرب حظي في شارع آخر أثناء توجهي إلى المطعم الايطالي .

رأيت مجموعة من أربعة شبان تأتي من عند الزاوية التي كنت أتوجه إليها ... لم تكن ملابسهم توحي بأنهم عائدون من العمل ... وما كانت لهم هيئة السياح . وعندما اقتربوا مني أدركت أنهم ليسوا أكبر مني كثيراً ... كانوا يضحكون بصوت مرتفع ويتبادلون النكات ويتدافعون بالايدي . حاولت السير على حافة الرصيف من الداخل حتى أفسح لهم مجالاً للمرور ... كنت أسير بسرعة ناظرة إلى الزاوية التي أمامي .

عندما مروا بجانبي ، صاح واحد منهم : (( مرحباً ! أنت ! )) ... لابد أنه يتحدث معي ... ما من أحد آخر حولنا . نظرت إليه بشكل آلي . توقف اثنان منهم ... وخفف الباقيان سرعتهما . يبدو أن من تكلم هو الشاب الاقرب إلي ... رجل متين البنية داكن الشعر في أوائل العشرينيات . كان يرتدي قميصاً قطنياً مفتوحاً فوق قميص داخلي قذر ... وكان يرتدي صندلاً وجينزاً مهلهلاً . تقدم نصف خطوة باتجاهي .

أجبته برد فعل عفوي : (( أهلاً ! )) ثم أدرت وجهي ومشيت صوب الزاوية بسرعة .
سمعتهم يضحكون بصوت عال من خلفي .
صاح أحدهم ثانية : (( انتظري! )) ... لكنني تابعت سيري حول الزاوية ورأسي مطرق إلى الارض . ما زلت أسمع ضجيجهم من خلفي .

وجدت نفسي على رصيف يؤدي إلى خلف عدد من المستودعات قاتمة اللون لكل منها بوابة ضخمة من أجل تفريغ الشاحنات ... وكانت تلك البوابات مقفلة بسبب انتهاء وقت العمل . كان الجانب الجنوبي من الشارع من غير رصيف ... مجرد سياج عليه أسلاك شائكة تسور ساحة بدت مثل مستودع لقطع محركات السيارات . يبدو أنني تجاوزت كثيراً ذلك الجزء من البلدة الذي يذهب إليه الزوار عادة . أدركت أن الظلام بدأ يحل ... عادت الغيوم أخيراً تتكوم عند الافق الغربي فعجلت اختفاء الشمس . ما زالت السماء صافية من جهة الشرق . لكنها بدأت تظلم ... وكانت تتخللها غيوم وردية وبرتقالية . شعرت برجفة مفاجئة جعلتني ألف نفسي بذراعي فقد تركت سترتي في السيارة . مرت بي سيارة شاحنة صغيرة ... ثم صار الشارع مقفراً .

ازدادت الظلمة بشكل مفاجئ ... نظرت فوق كتفي إلى الغيمة التي سببت ذلك فرأيت رجلين يسيران بهدوء على مسافة خمسة أمتار خلفي . كانا من المجموعة نفسها التي مررت بها عند الزاوية ... ولم يكن الشخص ال>ي كلمني من بينهما . نظرت أمامي فوراً وأسرعت الخطى . شعرت برجفة جديدة لم تكن بسبب البرد هذه المرة . كانت حقيبتي معلقة عند وسطي ... وكان سيرها الطويل على الكتف الاخر ... هكذا يجب وضع الحقيبة حتى لا يخطفها أحد . تذكرت الان أين وضعت علبة بخاخ الفلفل ... ما زالت في حقيبتي تحت سريري ... لم أفتحها أبداً . لم تكن معي نقود كثيرة ... عشرين دولاراً أو أكثر قليلاً ... فكرت في أن أجعل محفظتي تسقط إلى الارض (( مصادفة )) وأن أتركها وأمضي . لكن صوتاً صغيراً مذعوراً همس في زاوية من عقلي محذراً من أنهم قد يكونوا أسوأ من مجرد لصوص .

أصغيت بانتباه إلى وقع أقدامهم الهادئ ... كانت خطواتهم هادئة بشكل غير طبيعي اذا قورنت بالضجيج الشديد الذي كان صادراً عنهم قبل قليل . لم أشعر أنهم يحاولون زيادة سرعتهم أو الاقتراب مني أكثر . قلت لنفسي : اهدئي ... من قال إنهم يتبعونك ؟ ... واصلت السير بأسرع ما أستطيع دون أن أجري . كنت أركز انتباهي على المنعطف الذي صار الان على مسافة أمتار قليلة مني . ما زلت أستطيع سماعهم يسيرون خلفي على نفس المسافة مني . جاءت سيارة زرقاء من جهة الجنوب ومرت بجانبي سريعاً . فكرت في القفز أمامها لكنني ترددت غير واثقة من أنهم يتبعونني فعلاً ... ثم مضت السيارة .

وصلت الزاوية . لكنني تبينت من نظرة سريعة أنها بداية ممر سيارات مسدود يفضي إلى خلفية بناء آخر . كنت قد بدأت الانعطاف فصار علي أن أسرع بتصحيح مساري وأعود إلى الرصيف . انتهى الشارع عند الزاوية التالية . وكانت تنتصب عندها إشارة (( قف )) للسيارات ، ركزت انتباهي إلى وقع الخطوات الخافت من خلفي حتى أقرر ما اذا كان علي الجري . بدا صوت خطواتهم أبعد من السابق ، لكنني كنت أعرف أنهم يستطيعون اللحاق بي رغم ذلك . وكنت واثقة من أنني سأتعثر واسقط اذا حاولت زيادة سرعتي ... صار صوت الخطوات أبعد من خلفي . غامرت بالقاء نظرة خاطفة من فوق كتفي فرأيت أنهم صاروا على مسافة عشرة أمتار مني ... شعرت ببعض الراحة . لكنهما كانا ينظران نحوي .

بدا لي أن العودة إلى الرصيف استغرقت دهراً . حافظت على انتظام خطواتي ... وكانت مسافة الرجلين عني تزداد قليلاً مع كل خطوة . لعلهما أدركا أنهما سببا لي الخوف من غير قصد . رأيت سيارتين متوجهتين شمالاً تعبران التقاطع الذي كنت أسير نحوه فتنفست الصعداء . سأجد بعض الناس عندما أنتهي من هذا الشارع المهجور . وصلت إلى التقاطع وانعطفت حول الزاوية مطلقة زفرة ارتياح .

لكنني توقفت .

كان الشارع محاطاً من جانبيه بجدران مصمتة دون نوافذ أو أبواب . ورأيت من بعيد ... على مسافة تقاطعين ... سيارات ومصابيح شوارع وعدداً من الناس ... لكن ذلك كان بعيداً جداً . وفي منتصف ذلك الشارع قبالة المبنى الغربي كان الرجلان الاخران من المجموعة ... كانا ينظران إلي بابتسامة مستثارة عندما تجمدت واقفة على الرصيف . عرفت عند ذلك أن السائرين خلفي لم يكونا يلا حقاني ... كانا يسوقاني سوقاً إلى هنا .

توقفت ثانية واحدة ... لكنها بدت وقتاً طويلاً جداً . استدرت وانطلقت إلى الجانب الاخر من الشارع . أحسست بيأس أنها محاولة عديمة الجدوى ... صار صوت الخطوات من خلفي أعلى من ذي قبل .

حطم الهدوء المتوتر صوت الرجل ذي الشعر الداكن : (( ها أنتم ! )) ... فأجفلني . في الظلمة المتزايدة ، بدا كأنه ينظر إلى ما خلفني .

(( نعم ! )) ... قالها صوت مرتفع من خلفي فجعلني أجفل ثانية ... حاولت زيادة سرعتي ... (( قمنا بجولة صغيرة !))

كان علي أن أبطئ الان . لقد كانت المسافة بيني وبين الرجلين الواقفين تتقلص بسرعة كبيرة . كنت أستطيع الزعيق عالياً ، فملأت رئتي بالهواء مستعدة للزعيق ، لكن حلقي كان شديد الجفاف ولم أعرف إن كنت أستطيع الزعيق بصوت عالٍ . نزعت سير حقيبتي فأمسكتها بيد واحدة استعداداً للتخلي عنها أو لاستخدامها سلاحاً ... حسب الحاجة .

انفصل أحد الرجلين عن الجدار عندما رآني أتوقف . ثم سار عبر الشارع نحوي .
حذرته بصوت أردته أن يبدو قوياً دون خوف : ابتعد عني ! ...
لكن ما توقعته بشأن حلقي الجاف كان صحيحاً ... لم يخرج صوتي .
قال لي : (( لا تكوني هكذا ياحلوة ! )) ... فبدأ الضحك الصاخب من خلفي .
تأهبت ... باعدت بين قدمي محاولة أن أتذكر ، رغم رعبي ، ما أعرفه من الدفاع عن النفس ، وهو قليل ... قبضة اليد إلى الاعلى لكسر أنف الخصم ... إدخال الاصبع في محجر العين ومحاولة اقتلاعها ... وطبعاً ، الضرب بالركبة بين الساقين . عاد الصوت المتشائم نفسه في ذهني فذكرني أن لا فرصة لدي ، على الارجح ، حتى في مواجهة واحد منهم ... فكيف وهم أربعة ؟ قبل أن يستطيع الخوف أن يشلني قلت لذلك الصوت : اسكت ! ... لن أستسلم من غير قتال ... حاولت ترطيب حلقي حتى أستطيع الصراخ جيداً .

فجأة ... رأيت أضواء سيارة تأتي من عند الزاوية ... كادت السيارة تصدم الرجل الذي اقترب مني فاضطر إلى القفز عائداً إلى الرصيف ...

اندفعت في الشارع ... سوف تتوقف هذه السيارة . والا فسوف تصدمني . لكن السيارة الفضية انعطفت فجأة على نحو غير متوقع وتوقفت فرأيت بابها مفتوحاً على مسافة أقدام قليلة مني .

أمرني صوت غاضب : اصعدي إلى السيارة .

عجيب كيف اختفى خوفي القاتل فجأة فور سماعي صوته ... عجيب كيف أحاط بي شعور من الامان ... حتى قبل أن أصبح داخل السيارة . قفزت داخل السيارة وأغلقت الباب . كانت مظلمة من الداخل . لم يضئ المصباح الداخلي عند فتح الباب . رأيت وجهه بشكل غائم على ضوء لوحة عدادات السيارة . زعقت عجلات السيارة عندما انعطفت بحدة صوب الشمال ... كان تسارعها كبيراً جداً ... انعطفت قليلاً باتجاه الرجال الذين أذهلتهم المفاجئة . رأيتهم يقفزون إلى الرصيف بلمح البصر في حين عاد مسار السيارة إلى الاستقامة ومضت سريعاً باتجاه الميناء .

قال لي : (( ضعي حزام الامان )) . أدركت عندها أنني أمسك المقعد بيدي الاثنتين . أطعته بسرعة ... جاءني صوت لسان الحزام المعدني عندما استقر في مكانه عالياً جداً في تلك الظلمة . انعطف بحدة إلى اليسار وزاد من سرعة السيارة متجاوزاً عدة إشارات ثم توقف من غير أن يتمهل .


لكنني شعرت بأمان كامل ... لم أهتم في تلك اللحظة بشأن وجهتنا ... إطلاقاً . نظرت إلى وجهه براحة عميقة ... راحة تتجاوز إنقاذي المفاجئ . رحت أدرس ملامحه في ذلك الضوء الشحيح وأنا أنتظر عودة تنفسي إلى حالته الطبيعية ... حتى أدركت أن تعبير وجهه كان غاضباً إلى حد قاتل .


سألته : (( هل أنت بخير ؟)) ... فاجأتني خشونة صوتي .
قال باقتضاب فظ : (( لا! )) ... كانت نبرة صوته جافة .


جلست صامتة أراقب وجهه ... كانت عيناه المتقدتان تحدقان إلى الامام إلى أن توقفت السيارة فجأة . نظرت من حولي ، لكن الظلام كان شديداً فلم أر شيئاً سوى أشكال غامضة لاشجار داكنة على جانب الطريق .
لم تكن داخل البلدة .
سألني بصوت جاف كان يحاول ضبطه : بيلا؟
(( نعم! )) ... ما زال صوتي خشناً ... حاولت تنظيف حنجرتي بصمت .
(( هل أنت بخير ؟)) ... ما زال لا ينظر إلي . لكن الغضب كان واضحاً على وجهه .
قلت بنعومة : نعم .
قال آمراً : قولي شيئاً مسلياً من فضلك .
(( عفواً! ماذا؟ ))
استنشق الهواء بعصبية وشرح لي مغمضاً عينيه ضاغطاً أنفه بين سبابته وإبهامه : (( تحدثي عن أي شيء غير مهم ريثما أستعيد هدوئي )) .


رحت أفتش في ذهني عن شيء لا أهمية له : سوف أدهس تايلر كراولي بالسيارة غداً قبل المدرسة! .
مازال يضغط على أنفه ... لكنه زاوية فمه انفرجت قليلاً وقال : لماذا ؟


(( يقول للجميع إنه سيصحبني إلى حفلة التخرج ... إما أنه مجنون أو أنه ما زال يحاول الاعتذار عن أنه كاد يقتلني في ذلك الحادث ... أنت تذكره ... وهو يظن أن حفلة التخرج وسيلة مناسبة للاعتذار . لذلك فكرت أن أعرض حياته إلى الخطر حتى نصبح متعادلين ويكف عن محاولته هذه . لست بحاجة إلى أعداء . وأظن أن لورين ستكف عن معاداتي اذا ابتعد عني ، لعل علي تحطيم سيارته ، رغم ذلك . اذا لم تعد لديه سيارة فلن يستطيع أخذ أي فتاة إلى حفل التخرج )) ... هكذا رحت أثرثر .


(( سمعت شيئاً عن ذلك )) ... بدا صوته مرتاحاً قليلاً .


سألته غير مصدقة وقد عاد إلي انزعاجي القديم : (( هل سمعت حقاً ؟ )) ... (( اذا أصيب جسمه كله بالشلل فلن يستطيع الذهاب إلى حفلة التخرج أيضاً )) ... دمدمت وأنا أدخل هذا التحسين على خطتي .
تنهد إدوارد وفتح عينيه أخيراً .
سألته : أفضل ؟
(( في الحقيقة ، لا! ))
انتظرت ، لكنه لم يتكلم ثانية . أسند راسه إلى المقعد وراح يحدق في سقف السيارة . كان وجهه متوتراً .


(( ما الامر ؟)) ... خرج صوتي همساً .
(( بيلا، أنا أعاني مشكلة مع مزاجي أحياناً )) ... كان بهمس أيضاً ...
نظر من النافذة وضاقت عيناه : (( لكن لن يفيدني في شيء لو أنني عدت لا صطاد هؤلاء الـ ... )) لم يكمل جملته . أشاح بوجهه محاولاً السيطرة على غضبه من جديد . ثم واصل كلامه : (( هذا ما أحاول إقناع نفسي به ... على الاقل !)) .
(( أوه! )) ... بدت هذه الكلمة غير كافية . لكن لم يخطر ببالي ماهو أفضل منها .


ظللنا جالسين في الظلمة . نظرت إلى ساعة السيارة ... تجاوزت الساعة السادسة والنصف .


تمتمت : لابد أن أنجيلا و جيسيكا قلقتان الان ... كان يفترض أن أنضم إليهما .


أدار محرك السيارة دون أي كلمة وانعطف بها بهدوء ثم زاد من سرعتها باتجاه البلدة . سرعان ما دخلنا شوارع البلدة . كانت السيارة تمضي بسرعة كبيرة منعطفة بيسر بين السيارات البطيئة في الشارع . أوقف السيارة في فسحة بدت لي أصغر من أن تتسع لها . لكنه انزلق في تلك الفسحة بكل سهولة من المحاولة الاولى ، نظرت من النافذة فرأيت مطعم (( لا بيلا إيطاليا)) ... كانت جسيكا و أنجيلا تغادران المطعم مبتعدتين عن حيث كنا .



قلت : (( كيف عرفت أين ... ؟ )) ... لكنني هززت رأسي متخلية عن السؤال . سمعت صوت بابه ينفتح ، ونظرت فرأيته يخرج من السيارة .
سألته : ماذا تفعل ؟


ابتسم ابتسامة صغيرة لكن عينيه ظلتا صارمتين : (( آخذك إلى الغداء !)) ... خرج من السيارة وأغلق الباب . ارتبكت وأنا أفك حزام الامان . ثم أسرعت بالخروج من السيارة . كان ينتظرني على الرصيف .


قال قبل أن أستطيع الكلام : (( اذهبي لايقاف جيسيكا و أنجيلا قبل أن أضطر إلى إنقاذهما أيضاً . لاأعتقد أنني سأستطيع ضبط نفسي اذا صادفت أصدقاءك من جديد !)) .


ارتجفت بسبب ذلك التهديد في صوته .
صرخت في إثرهما : (( جيسيكا ! أنجيلا! )) ... لوحت بيدي عندما استدارتا فعادتا مسرعتين إلي . وفي وقت واحد ، تغير تعبير الراحة الواضح على وجهيهما إلى تعبير دهشة عندما شاهدتا الشخص الواقف بجانبي . وقفتا مترددتين على مسافة صغيرة منا .


قالت جيسيكا بريبة : أين كنتما؟
اعترفت بإذعان : (( لقد ضعت ! ثم صادفت إدوارد )) ... وأشرت إليه .


سأل بصوته الحريري الذي لا يقاوم : (( هل تمانعون في انضمامي إليكم ؟)) ... فهمت من التعبير الذي ارتسم على وجهيهما أنه لم يستخدم مواهبه مع أي منهما من قبل .


قالت جيسيكا همساً : (( آآ... لا طبعاً ! ))
قالت أنجيلا : (( الواقع يابيلا هو أننا أكلنا فيما كنا ننتظرك ... آسفة ! ))
ابتسمت : (( لا بأس أبداً .. لست جائعة )) .


قال إدوارد بصوت منخفض لكنه آمر : (( أعتقد أنك يجب أن تأكلي شيئاً )) . نظر إلى جيسيكا بصوت أعلى قليلاً : (( هل تسمحن لي بأن أقوم بإيصال بيلا إلى منزلها الليلة ؟ بهذه الطريقة ، لن تكونا مضطرتين إلى انتظارها ريثما تأكل )) .


(( أوه ! لا مشكلة ... كما أظن ... )) عضت على شفتها محاولة أن تفهم من وجهي ما اذا كان هذا كا أريده فعلاً . أشرت إليها بالايجاب . لم أكن أريد شيئاً أكثر من أكون وحدي مع منقذي الدائم . عندي أسئلة كثيرة لا أستطيع قصفه بها الا اذا كنا وحدنا .


كانت أنجيلا أسرع من جيسيكا فقالت : (( لا بأس ! نراكم غداً ، بيلا... إدوارد )) ... أمسكت بيد جيسيكا وشدتها صوب السيارة التي كانت واقفة على مسافة قريبة منا . وعندما صارتا داخل السيارة استدارت جيسيكا ولوحت بيدها ... كان وجهها يشع فضولاً . لوحت لها ثم انتظرت حتى ابتعدت السيارة ... استدرت ووقفت قبالته : (( صدقاً ، لست جائعة ! )) ... قلت بإصرار وأنا أبحث في وجهه . كان تعبيره غير مقروء .


ذهب إلى باب المطعم ففتحه ، وكان على وجهه تعبير معاند ... واضح ! ... لا مزيد من النقاش . دخلت المطعم وأطلقت زفرة استسلام عندما مررت بإدوارد الواقف عند الباب .


لم يكن المطعم مزدحماً ... ما كان ذلك وقت الموسم السياحي في بورت آنجلس . جاءت المضيفة إلينا ... فهمت النظرة في عينيها عندما راحت تعاين إدوارد ... رحبت به بحرارة زائدة ! ... فوجئت بأن ذلك أزعجني . أزعجني كثيراً! ... كانت أطول مني بعشر سنتيمترات ، وكان شعرها مصبوغاً باللون الاشقر .


(( هل لديك طاولة لشخصين ؟)) ... كان صوته مغرياً سواء كان يقصد ذلك أو لا . رأيت عينيها تنظران إلي ثم تشيحان بعيداً مرتاحتين لمظهري العادي وللمسافة التي كان إدوارد يحافظ عليها بيننا دون أن يلمسني . قادتنا إلى طاولة كبيرة تتسع لاربعة أشخاص . كانت الطاولة في وسط المنطقة الاكثر ازدحاماً في المطعم .


هممت بالجلوس ، لكن إدوارد هز رأسه وقال للمضيفة بصوت هادئ مصر : (( هل لديك طاولة أكثر خصوصية ؟ )) ... لست واثقة ، لكنني أظن أنه ناولها بقشيشاً . لم أر من قبل أحداً يرفض طاولة في مطعم الا في الافلام القديمة .


قالت : (( طبعاً ! )) ... بدت عليها الدهشة مثلي ... استدارت ثم تقدمتنا والتفت حول حاجز رأيت خلفه حلفة صغيرة من الكراسي ... كانت كلها فارغة ... (( ما رأيك بهذه ؟ ))


(( ممتازة!)) ... ابتسم إدوارد ابتسامته المشرقة فجعلها تحس بالدوار لحظة .


هزت رأسها طارفة بعينيها : (( ستأتي العاملة فوراً لتسجيل طلبكم )) ... ثم مضت بخطى غير ثابتة .
قلت له منتقدة : لا يجوز أن تفعل هذا بالناس ... هذا ليس عدلاً .
(( أفعل ماذا؟ ))
(( أقصد أن تبهر الناس بهذا الشكل ... لعلها تستعيد أنفاسها في المطبخ الان ))


بدت عليه الحيرة .
قلت بتردد : (( مهلاً! لا بد أنك تعرف مدى تأثيرك على الناس )) .
مال برأسه جانباًَ وبدا الفضول في عينيه : (( هل أبهر الناس؟ ))
(( ألم تلاحظ هذا ؟ هل تعتقد أن هذا سهل على الجميع ؟))


تجاهل سؤالي : هل أبهرك أنت؟
قلت معترفة : مرات كثيرة !


جاءت عاملة الخدمة في تلك اللحظة ... كان الترقب ظاهراً على وجهها . لابد أن المضيفة أخبرتها عن إدوارد ... لم تظهر أي خيبة على وجه الفتاة الجديدة ... وضعت خصلة من شعرها الاسود القصير خلف أذنها ثم ابتسمت بدفء لا مبرر له : (( مرحباً ! أنا آمبر . وسوف أخدمكم الليلة . ماذا تشربون؟)) ... لم تفتني ملاحظة أنها كانت تتحدث معه فقط .


نظر إدوارد إلي .
(( سأشرب كولا )) ... بدت إجابتي مثل سؤال .
قال : اثنان من الكولا .
قالت له بابتسامة أخرى لا داعي لها : (( سأحضرهما فوراً )) ... لكنه لم ير ابتسامتها تلك . كان ينظر إلي .
سألته عندما ذهبت : ماذا؟
ظلت نظراته ثابتة على وجهي : كيف تشعرين الان ؟
أجبته وقد فاجأني توتره : أنا بخير .
(( هل تشعرين بدوار أو غثيان أو برد ...؟))
(( ولماذا أشعر بهذا؟))
ابتسم عندما سمع نبرة صوتي الحائرة .
(( في الواقع ... أنا أنتظر لارى كيف يكون شكلك عندما أبهرك! ))... ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الماكرة الرائعة .


قلت بعد أن استعدت أنفاسي : (( لا أعتقد أن ذلك سيحدث ... أنا ناجحة جداً في كبت التعبير عن الاشياء غير السارة )).
(( لن يتغير الامر ... سوف أشعر براحة أكبر عندما تتناولين بعض الطعام )) .


جاءت عاملة الخدمة سريعاً حاملة الشراب مع سلة من قطع الخبز . أولتني ظهرها عندما راحت تضع ما بيديها على الطاولة .


سألت العاملة إدوارد : (( هل أنتم جاهزون للطلب؟))
سألني : (( بيلا؟)) ... استدارت العاملة صوبي من غير رغبة .
اخترت أول ماوقعت عليه عيني في القائمة : همم ... أريد معكرونة بالفطر .
استدارت العاملة إليه مبتسمة : وأنت؟
قال : (( لا أريد شيئاً! )) ... طبعاً ... لا يريد شيئاً .
(( أخبرني اذا غيرت رأيك )) ... ما زالت ابتسامتها الدافئة كما هي ، لكنه لم يكن ينظر إليها ، فابتعدت غير راضية .
امرني قائلاً : (( اشربي!))


بدأت أشرب طائعة . ثم رحت أشرب بنهم وقد فاجأني عطشي . عندما دفع كأسه نحوي أدركت أنني أفرغت كأسي كلها .


تمتمت وأنا مازلت أشعر بالعطش : شكراً .
... امتدت برودة الشراب إلى صدري فارتجفت .
(( هل تشعرين بالبرد؟))
قلت وأنا أرتجف من جديد : (( إنه الشراب!))
قال بنبرة لوم : (( ألم تجلبي سترة؟))
(( نعم!)) ... نظرت إلى الكرسي الفارغ بجانبي ... (( آه ، تركتها في سيارة جيسيكا )) .


خلع إدوارد سترته . لاحظت فجأة أنني لم أنتبه من قبل إلى ملابسه . لا أقصد اليوم فقط ، بل دائماً . يبدو أنني لا أستطيع النظر إلى غير وجهه . أرغمت نفسي على تفحص ثيابه . كان الان يخلع سترته الجلدية البنية الخفيفة . كان يرتدي تحتها قميصاً عاجياً مستدير الياقة على قياسه تماماً ... وكانت عضلات صدره واضحة من تحته .


ناولني السترة غير عابئ باحتجاجي .
قلت من جديد : (( شكراً )) . وارتديت السترة .


كانت سترته باردة ... كما تكون سترتي عندما أتناولها صباحاً عن المشجب و أرتديها . ارتجفت من جديد . كانت رائحتها لطيفة . استنشقت الرائحة من جديد محاولة تحديد تلك الرائحة الطيبة . لم تكن مثل رائحة الكولونيا . كانت أكمام السترة طويلة جداً فرددتها إلى الخلف حتى أحرر كفي .


قال وهو يراقبني : (( يبدو هذا اللون جميلاً عليك! )) ... فوجئت فأطرقت برأسي واحمر وجهي ... طبعاً .


دفع إلي سلة الخبز فقلت محتجة : (( لست أشعر بالصدمة حقاً )) .
(( يجب أن تشعري بالصدمة ...هذا ما يشعر به أي شخص عادي . لاتبدو عليك الصدمة أبداً )) ... بدا غير مرتاح ... حدق في عيني فرأيت كم كانت عيناه فاتحتين ... فاتحتين أكثر مما ظننت ... كان لونهما ذهبياً خفيفاً .


اعترفت قائلة : (( أشعر بأمان شديد معك! )) ... كنت مسحورة ، فوجدت نفسي أقول الحقيقة من جديد .


لم يكن مسروراً بما قلت ... عبس وهز رأسه متمتماً كمن يتحدث مع نفسه : (( صار الوضع أكثر تعقيداً مما تصورت )) .


التقطت قطعة خبز وقضمت طرفها وأنا أدرس تعبير وجهه ... متى يصبح الوضع مناسباً حتى أبدأ أسئلتي ؟


(( عادة ما تكون في مزاج أفضل عندما يكون لون عينيك فاتحاً هكذا )) ... قلت هذا محاولة انتزاعه من الافكار التي جعلته عابساً ، مهما تكن تلك الافكار .


نظر إلي بدهشة : (( ماذا؟))
مضيت في حديثي : (( عادة ما تكون منزعجاً عندما تكون عيناك داكنتين .. أتوقع انزعاجك عندما أراهما داكنتين ... لدي نظرية عن ذلك ))
ضاقت عيناه : (( نظريات جديدة؟))
(( همم ... همم!)) رحت أمضغ قطعة الخبز محاولة إظهار اللامبالاة .


قال بابتسامة صغيرة مداعبة ، لكن عينيه ظلتا مشدودتين : (( آمل أن تكون نظريتك أكثر إبداعاً هذه المرة... أم أنك مازلت تسرقين نظرياتك من الكتب الفكاهية ؟))


اعترفت : ((لا، لم أسرقها من كتاب فكاهي ... لكنني لم أتوصل إليها وحدي أيضاً )). قال يحثني على المتابعة : (( وماذا؟))


لكن العاملة جاءت في تلك اللحظة حاملة طعامي . أدركت أننا كنا منحنيين ... متقاربين ، وذلك لاننا انتصبنا عند ظهورها . وضعت الطبق أمامي ... كان شهي المظهر ... ثم استدارت بسرعة نحو إدوارد .
سألته : (( هل غيرت رأيك؟)) هل تريد أن أجلب لك شيئاً؟)) ... لعلني تخيلت معنى مزدوجاً في كلماتها.



(( لا، شكراً لك، لكن مزيداً من الكولا سيكون أمراً جيداً )) ... قال هذا مشيراً بيده إلى الكأسين الفارغتين أمامي .

(( طبعاً )) ... حملت الكأسين ومضت .

قال : (( كنت تقولين ...؟))

(( سأخبرك بذلك في السيارة . اذا ... )) توقفت لحظة .

قال بصوت منذر وهو يرفع حاجبه : (( لديك شروط!))

(( لدي بعض الاسئلة طبعاً ))

(( طبعاً!))



عادت العاملة بكأسين جديدتين . وضعتهما على الطاولة ثم ذهبت ... لم تنطق بكلمة هذه المرة.



أخذت رشفة من كأسي .

ما زال وجهه صارماً ... استحثني بقوله : (( طيب! تابعي )) .



بدأت بأبسط الاسئلة ... هكذا ظننت : (( لماذ أنت في بورت آنجلس؟))



أطرق برأسه وضم راحتيه الكبيرتين ببطء فوق الطاولة . لمعت عيناه باتجاهي من خلال أهدابه ... (( السؤال التالي؟)) ... أحسست من صوته أنه ابتسم ابتسامة متكلفة .

قلت معترضة : (( لكن ، هذا أسهل الاسئلة )) .

كرر قوله : (( السؤال التالي؟ ))



أطرقت بانزعاج . فتحت غلاف أدوات الطعام . أمسكت الشوكة وغرزتها بحذر في قطعة من المعكرونة . وضعتها في فمي ببطء ... ما زال نظري مثبتاً إلى الطاولة ... بدأت أمضغ اللقمة وأفكر . كان الفطر لذيذاً . ابتلعت ما بفمي وأخذت رشفة من كأسي قبل أن أرفع رأسي من جديد.



(( طيب، إذن!)) ... نظرت غاضبة إليه وتابعت الكلام ببطء: (( لنقل، على سبيل الافتراض طبعاً ، إن ... شخصاً ... يستطيع معرفة ما يفكر فيه الناس ... يقرأ ما برؤوسهم ... مع وجود استثناءات قليلة ...))



صحح قائلاً : (( مع استثناء واحد ... على سبيل الافتراض ... ))

(( لا بأس ... مع استثناء واحد . عند ذلك ... ))



شعرت بالنشوة لعبثه . لكنني حاولت أن أبدو غير مهتمة .

(( كيف يجري ذلك ؟ ماهي الحدود؟ كيف يحدث ... أن أحداً ... يجد شخصاً آخر في الوقت المناسب تماماً ؟ كيف يعرف أنه في مأزق؟))



لم أكن واثقة من أن شيئاً يمكن أن يفهم من أسئلتي المضطربة .

قال : (( تتحدثين على سبيل الافتراض طبعاً!))

(( طبعاً!))

(( طيب!اذا ... ذلك الشخص ... ))

اقترحت : (( لنطلق عليه اسم جو)) .



ابتسم ساخراً : (( جو! لابأس ... اذا كان جو منتبهاً فعلاً فلا حاجة لان يكون التوقيت دقيقاً تماماً )) ... هز رأسه مع نظرة غريبة في عينيه : (( أنت فقط من يمكن أن يقع في المتاعب في بلدة بهذا الصغر . هل تعرفين أنك كدت تفسدين سجلها العريق من حيث ندرة الجرائم فيها منذ عشرة سنين ؟))



ذكرته بصوت بارد : (( كنا نتحدث عن حالة افتراضية ))

ضحك لي ... كانت عيناه دافئتين .

وافقني القول : (( نعم! كنا نتحدث عن حالة افتراضية ... هل ندعوك باسم جين؟ ))



سألته غير قادرة على لجم توتري : (( كيف عرفت؟ ... أدركت أنني رحت أنحني نحوه من جديد .



بدا عليه التردد كأنه ممزق بين أفكار متضاربة . التحمت عيناه بعيني فعرفت أنه يتخذ القرار في تلك اللحظة بأن يخبرني الحقيقة أو لا يخبرني بها .



تمتمت : (( تعرف أنك تستطيع الثقة بي! )) ... مددت يدي دون تفكير محاولة لمس يديه المعقودتين لكنه أزاحهما إلى الخلف قليلاً ... سحبت يدي .



جاءني صوته شبه هامس : (( لا أعرف إن كان لدي خيار بعد الان ... لقد كنت مخطئاً ... أنت أشد ملاحظة مما اعتقدت )).



(( ظننت أنك أنت المحق دائماً )) .



(( هكذا أكون عادة )) ... هز رأسه من جديد ... (( أخطأت الحكم عليك في أمر آخر أيضاً . أنت لست مغناطيساً يجتذب الحوادث ... ليس هذا التعريف واسعاً بما يكفي لوصفك . أنت مغناطيس لجميع أنواع المشاكل . إن كان ثمة شيء خطير ضمن دائرة قطرها عشرة كيلومترات فسوف يعثر عليك دون أي شك )) .



قلت له كمن يحرز أمراً : (( وأنت تصنف نفسك ضمن فئة الاشياء الخطيرة!)) .



صار وجهه بارداً من غير تعبير : (( من غير شك!))

مددت يدي عبر الطاولة من جديد ... سحب يديه إلى الخلف قليلاً من جديد ... تجاهلت حركته ... وبخجل لمست ظهر يده برؤوس أصابعي . كان جلده بارداً صلباً كالحجر .

(( شكراً لك! )) ... كان صوتي ينضج شكراً وعرفاناً ... (( إنها المرة الثانية )) .



رق وجهه وقال : (( فلنحاول ألا نصل إلى الثالثة ... موافقة؟))

تجهم وجهي ... لكني أومأت برأسي موافقة . أبعد يده عن يدي ثم وضع يديه تحت الطاولة ... لكنه مال باتجاهي .



أقر متعجلاً : (( لقد لحقت بك إلى بورت أنجلس ... لم أحاول من قبل المحافظة على حياة شخص بعينه ... هذا الامر أصعب مما كنت أظن . لكن، لعل الصعوبة بسبب كونك أنت هي ذلك الشخص . فالناس عادة يمضون أيامهم من غير هذه الكمية الكبيرة من المصائب )) ... توقف قليلاً فتساءلت ما اذا كان لحاقه بي يزعجني ؛ لكنني شعرت بموجة عارمة من الفرحة . راح ينظر إلي . لعله يستغرب الان سبب تلك الابتسامة غير الارادية على شفتي .



قلت مخمنة ومحاولة إلهاء نفسي : (( هل فكرت في يوم من الايام في أن أجلي قد حان يوم حادثة الشاحنة ... وأنك كنت تتدخل في مسار القدر؟))



قال بصوت قاس يصعب تحمل سماعه : (( لم تكن المرة الاولى!)) ... حدقت فيه مدهوشة لكنه كان مطرق الرأس : (( حان أجلك منذ رأيتك أول مرة )) .



شعرت بنوبة من الخوف بسبب كلماته وتذكرت للحظة نظرته السوداء العنيفة نحوي في ذلك اليوم الاول ... لكن شعور الامان الغامر الذي أحسه في وجوده قلل من خوفي . لم يبق أثر من الخوف في نظراتي عندما رفع عينيه أخيراً حتى يقرأ عيني .



سألني ووجهه الملائكي يبدو جاداً : (( هل تتذكرين؟))

قلت : (( نعم!)) ... كنت هادئة تماماً .



(( وها أنت جالسة هنا )) ... كان في صوته شيء من عدم التصديق .

(( نعم ... أجلس هنا ... بسببك أنت! )) ... توقفت لحظة ثم قلت : (( لانك عرفت كيف تجدني اليوم... )) .



ضغط على شفتيه ... ضاقت عيناه ... نظر إلي نظرة من يحاول اتخاذ قرار . اتجهت عيناه إلى صحني المملوء ثم عادتا إلي : (( أنا أتكلم ... وأنت تأكلين )) ... قالها كمن يقترح صفقة .



وضعت بسرعة لقمة جديدة في فمي .

(( كان اللحاق بك أصعب مما يجب أن يكون ... أستطيع عادة العثور على أي شخص بسهولة كبيرة اذا كنت قد استمعت إلى أفكاره من قبل)) ... نظر إلي قلقاً فأدركت أنني تجمدت . أجبرت نفسي على ابتلاع اللقمة ثم وضعت في فمي لقمة غيرها .



(( كنت أتعقبك من خلال جيسيكا دون كبير انتباه .. كما قلت لك، أنت وحدك من يمكن أن يصادف المتاعب في بورت أنجلس ... لم أنتبه في البداية إلى أنك ذهبت وحدك . ثم ، عندما أدركت أنك ماعدت مع جيسيكا ، ذهبت أبحث عنك في المكتبة التي رأيتها في أفكاها . عرفت أنك لم تدخلي إلى تلك المكتبة وأنك توجهت جنوباً ... وعرفت أيضاً أنك ستعودين أدراجك قريباً . لذلك رحت أنتظرك باحثاً بشكل عشوائي في أفكار الناس الذين في الشارع حتى أرى إن كان احد منهم قد رأك فأعرف مكانك . لم يكن لدي سبب للشعور بالقلق ... لكنني شعرت بريبة غريبة ...)) كان سارحاً في أفكاره محدقاً في شيء يتجاوزني وناظراً إلى أشياء لم أكن أستطيع تخيلها .



(( تابعت قيادة السيارة في دوائر ... وواصلت الاصغء إلى أفكار الناس . غربت الشمس أخيراً . وكنت على وشك ترك السيارة والبحث عنك سيراً على الاقدام . وعند ذلك ... )) توقف عن الكلام مطبقاً أسنانه بغضب مفاجئ ... كان يبذل جهداً من أجل تهدئة نفسه .

همست : (( عند ذلك ... ماذا؟)) ... تابع التحديق فوق رأسي .



(( عند ذلك سمعت ما كانوا يفكرون فيه )) ... كشر قليلاً فارتفعت شفته العليا كاشفة أسنانه ... (( رأيت وجهك في أفكاره )) ... انحنى إلى الامام فجأة مغطياً عينيه بيده فظهر مرفقه فوق الطاولة . كانت حركته سريعة إلى حد أجفلني .



(( كان الامر صعباً جداً ... لا تستطيعين تخيل مدى صعوبته ... أن أكتفي بأخذك وأتركهم ... أحياء!)) كان وجهه الان مختفياً خلف ذراعه ... (( كنت أستطيع تركك تعودين مع جيسيكا و أنجيلا . لكنني خفت أن أعود من أجل البحث عنهم اذا تركتني وحدي )) ... اعترف بهذا هامساً .



جلست هادئة أشعر بالدوار ... كانت أفكاري مشوشة . كانت يدي معقودتان في حضني . وكنت مستندة بضعف إلى ظهر الكرسي . ما زال يغطي وجهه بيده ... كان ساكناً جداً كأنه نحت من ذلك الحجر الذي لمسته في جلد يده .



نظر إلي أخيراً . بحثت عيناه عن عيني ... كانتا غاصتين بأسئلته هو ... سألني : (( هل أنت جاهزة للعودة إلى البيت؟))



قلت : (( أنا جاهزة للذهاب )) . كنت راضية جداً لان أمامنا ساعة نمضيها في السيارة معاً . لم أكن مستعدة لوداعه الان .



جاءت عاملة الخدمة كما لو أننا ناديناها ... لعلها تراقبنا . سألت إدوارد : (( كيف الحال؟))

(( الحساب من فضلك ... شكراً لك)) ... كان صوته هادئاً لكنه أكثر خشونة ... ما زال يعكس توتر حديثه ... أفقدها صوته رشدها ... نظر إليها منتظراً .



قالت متلعثمة : (( طبعاً! ... تفضل)) وأخرجت مصنفاً جلدياً صغيراً من جيب مريلتها السوداء ، ثم ناولته إياه .



ظهرت ورقة نقدية في يده فوضعها في المصنف وأعاده إليها ... (( احتفظي بالباقي!)) ... قال هذا مبتسماً . ثم وقف فوقفت أيضاً .



ابتسمت له ابتسامة مغرية من جديد : (( تمتعوا بأمسية لطيفة )).

لم يرفع عينيه عني عندما شكرها ... حاولت كتم ابتسامتي .



سار قريباً مني حتى الباب ... ما زال يحاذر لمسي . تذكرت ما قالته جيسيكا عن علاقتها مع مايك وكيف أنهما كادا يبلغان مرحلة القبلة الاولى . تنهدت ... بدا أن إدوارد سمعني فنظر إلي متسغرباً ... نظرت إلى الرصيف ... كنت مرتاحة لانه لم يسمع أفكاري ... كما يبدو .



فتح لي باب السيارة ثم أغلقه بلطف بعد دخولي . نظرت إليه يلتف من أمام السيارة ... ومن جديد ... أذهلتني رشاقة مشيته . لعلني يجب أن أكون قد اعتدت عليها الان ... لكن لا! كنت أشعر أن إدوارد ليس شخصاً يمكن الاعتياد عليه .



عندما جلس في السيارة أدار المحرك ، ثم وضع التدفئة على درجة مرتفعة فقد صار الجو شديد البرودة ...عرفت أن الطقس الجميل انتهى . كنت أشعر بالدفء في سترته ... وكنت أضع أنفي فيها لاشم عطرها عندما أظن أنه لا يراني .



قاد إدوارد السيارة عبر الشوارع دون أي التفاتة ... كما بدا لي ... ثم استدار بها نحو الطريق السريع .



قال بصوت ذي مغزى : (( جاء دورك الان! )) .



انتظروني غدا من اجل وضع الفصلين التاسع و العاشر

hodhod_ali
07-21-2010, 12:15 AM
تسلللللللللللللللمىىىىىىىىىىىىىىىى حبيبتى الفصل السابع بيجنن

hodhod_ali
07-21-2010, 12:16 AM
الفصل التامن بيطييييييييييررررررررر العقل كتتتتتتتتتتتتتتتييييييييييييييييييييييرررررررررررر ر

hodhod_ali
07-21-2010, 11:04 PM
وينهم للفصل التاسع والعاشر ان كتير متشوقه بسرعه نزليهم

ألم الخريف
07-22-2010, 08:36 PM
الفصل التاسع


نظرية


سألته فيما كان يزيد سرعة السيارة كثيراً في الطريق الهادئ : (( هل أستطيع طرح سؤال إضافي واحد؟)) ... بدا أنه لا يولي الطريق أي انتباه .
تنهد ثم قال موافقاً : (( سؤال واحد! )) ... ضغط على شفتيه متوجساً .

(( ... قلت إنك عرفت أنني لم أدخل المكتبة وأنني توجهت جنوباً . كيف عرفت ذلك ؟))

أشاح بوجهه مفكراً .
قلت غاضبة : (( ظننت أننا تجاوزنا مرحلة الهروب من الاجابة )) .
كاد يبتسم : (( طيب! تعقبت رائحتك)) .

نظر إلى الطريق أمامه مفسحاً لي الوقت حتى أستجمع أفكاري . لم أجد إجابة معقولة لكلامه . لكنني حفظت بعناية ما قاله حتى أفكر فيه لاحقاً . حاولت التركيز من جديد . كنت أريد أن أدعه ينهي كلامه .... الان بعد أن بدأ يشرح لي أخيراً .

(( أنت لم تجب على واحد من أسئلتي الاولى ... )) توقفت عن الكلام لحظة .
نظر إلي غير موافق : (( أي سؤال؟))
(( كيف يحدث ذلك ... أقصد قراءة الافكار؟ هل تستطيع قراءة أفكار أي شخص ، في أي مكان؟ كيف تفعل ذلك؟ هل يستطيع بقية أفراد أسرتك ...؟ )) ... شعرت بسخفي لانني كنت أطلب منه توضيحاً لامر لا يصدق .

قال : (( ليس هذا سؤالاً واحداً! )) ... لكنني اكتفيت بأن شبكت أصابعي وحدقت فيه منتظرة .
(( لا! أنا فقط. وأنا لا أستطيع سماع أفكار أي شخص ، في أي مكان . يجب أن أكون قريباً منه بعض الشيء . كلما كان " صوت " الشخص مألوفاً أكثر كلما استطعت سماعه على مسافة أبعد ... لكن ليس على مسافة تتجاوز كيلومترات قليلة )) . توقف عن الكلام مفكراً ثم قال : (( هذا يشبه قليلاً وجود المرء في قاعة كبيرة مملوءة بأشخاص يتحدثون جميعاً ... يكون ذلك مثل همهمة ... مثل طنين من الاصوات في الخلفية ... حتى يركز المرء على صوت واحد يصبح ما يفكر فيه ذلك الشخص واضحاً ... في معظم الاوقات أتجاهل ذلك كله فهو يشتت الانتباه كثيراً . وعندما أتجاهله يكون من الاسهل علي أن أبدو طبيعياً )) ... عبس عندما نطق الكلمة الاخيرة ... (( بهذا الشكل أتجنب أن أخطئ فأجيب على أفكار من يتحدث معي بدل الاجابة على كلماته )) .

سألته بفضول : (( لماذا تظن أنك لا تستطيع سماع أفكاري ؟ ))
نظر إلي ... كانت عيناه غامضتين ... قال متمتماً : (( لا أعرف! ... الفكرة الوحيدة التي تخطر ببالي هي أن عقلك لا يعمل كما تعمل عقولهم. كما لو أن موجة أفكارك غير الموجة التي أستطيع سماعها)) ...
ابتسم لي ابتسامة مرحة مفاجئة .

قلت : (( عقلي لا يعمل جيداً ! هل أنا شخص غير طبيعي؟ )) ... أزعجتني هذه الكلمات أكثر مما ينبغي ... ربما لان تخمينه أصاب الهدف . هكذا كانت شكوكي ... أحرجني ذلك التأكيد لها .

قال ضاحكاً : (( أسمع أصواتاً في رأسي ... لكنك قلقة من أن تكوني شخصاً غير طبيعي ... لا تجزعي ، فهذه مجرد نظرية )) ... اكتسب وجهه تعبيراً جدياً ... (( وهذا ما يعيدنا إليك! ))

تنهدت ... كيف أبدأ يا ترى؟
ذكرني بلطف : (( لقد تجاوزنا الان مرحلة الهروب من الاجابة! ))

أبعدت عيني عن وجهه للمرة الاولى . ورحت أحاول العثور على الكلمات . لكنني رأيت مؤشر السرعة مصادفة .
صرخت : (( يا لطيف! ... خفف السرعة )) ..
فوجئ بهذا : (( ماذا بك؟ )) ... لكن سرعة السيارة لم تنخفض .
(( أنت تسير بسرعة مئة وستين كيلومتراً في الساعة )) ... مازلت أصرخ . ألقيت نظرة خوف من النافذة ، لكن الظلمة لم تسمح لي برؤية شيء . لم يكن الطريق مرئياً الا ضمن حزمة طويلة طويلة من الضوء المزرق الصادر عن مصابيح السيارة الامامية . كانت الغابة على جانبي الطريق مثل جدار أسود ... وكانت صلبة مثل جدار فولاذي اذا انحرفت السيارة عن الطريق وهي تسير بهذه السرعة .

قال دون أن يخفف السرعة : (( استرخي يا بيلا!))
قلت له : (( هل تحاول قتلنا؟ ))
(( لن نصطدم بشيء )) .
حاولت السيطرة على صوتي : (( ولماذا أنت مسرع هكذا؟ ))
استدار صوبي مبتسماً تلك الابتسامة الماكرة : (( أنا أقود هكذا دائماً )) .
(( أبق نظرك على الطريق أمامك )) .
(( بيلا! لم يحدث معي أي حادث سيارة ... ولم أتلق أي مخالفة سير من رادار السرعة على الطريق))
قلت غاضبة : (( ظريف جداً! هل تتذكر أن تشارلي شرطي ؟ لقد نشأت على التقيد بالقانون... ثم، اذا تحطمت سيارتك على جذع شجرة فالارجح أنك لن تصاب بأذى!))

قال موافقاً مع ضحكة قصيرة قاسية : (( هذا مرجح فعلاً ... أما أنت فقد تتأذين ! )) ... تنهد ثم رأيت مؤشر السرعة ينخفض تدريجياً حتى المئة .... (( هل ارتحت؟))
(( تقريباً !))
تمتم قائلاً : (( أكره قيادة السيارة ببطء )) .
(( وهل هذا هو البطء؟))
قاطعني : (( كفاك تعليقاً على قيادتي ! ... مازلت أنتظر سماع نظريتك الاخيرة)) .

عضضت على شفتي . نظر إلي ... كانت عيناه العسليتان لطيفتين بشكل غير متوقع ... وعدني قائلاً : (( لن أضحك! ))
(( ما أخشاه أكثر من الضحك هو أن تغضب مني )) .
(( وهل نظريتك سيئة إلى هذا الحد؟ ))
(( نعم! ... إنها سيئة جداً )) .
انتظر ... كنت أنظر إلى يدي حتى لا أرى تعبير وجهه .
قال بصوت هادئ : (( لا أعرف كيف أبدأ)) .
(( لماذا لا تبدئي من البداية؟ ... قلت إنك لم تصلي إلى هذه النظرية بمفردك)) .
(( صحيح )) .
راح يستحثني : (( ما الذي أوصلك إليها ... كتاب ؟ فلم؟ ))
(( لا!... كان ذلك يوم السبت ... عند الشاطئ )) . غامرت بإلقاء نظرة خاطفة على وجهه . بدت عليه الحيرة .

تابعت : (( صادفت هناك صديقاً عائلياً قديماً ... إنه جايكوب بلاك ... والده ووالدي أصدقاء منذ طفولتي ))
ما زالت الحيرة بادية على وجهه .
(( والده من زعماء قبيلة الكوبليت !)) ... راقبت وجهه بانتباه . ظهرت عليه علائم انزعاج ... (( تمشينا معاً ...)) هنا حذفت من قصتي كل ما قمت به لاستدراج جايكوب إلى الكلام ... (( وقد قص علي بعض القصص القديمة محاولاً إخافتي على ما أظن . قص علي واحدة ...))

وهنا ترددت.
قال إدوارد : (( تابعي ))
(( ... عن مصاصي الدماء)) . أدركت أنني أهمس همساً . لم أكن أستطيع النظر إلى وجهه الان . لكنني رأيت أصابعه تشد على عجلة القيادة .
قال بصوت ما زال هادئاً : (( وقد خطرت في بالك فوراً!))
((لا! لقد ... ذكر اسم أسرتك)) .
ظل صامتاً يحدق في الطريق .
أحسست بالقلق فجأة ... قلقت على جايكوب .

قلت بسرعة : (( يظن جايكوب أن هذه ليست الا خرافات سخيفة. لم يكن يتوقع أن أتوقف عندها )) . لم يبد هذا كافياً علي أن أعترف : (( الذنب ذنبي ... لقد أجبرته على أخباري بتلك القصة ))
((لماذا؟))

(( قالت لورين شيئاً عنك ... كانت تحاول إزعاجي . وعند ذلك قال صبي من تلك القبيلة ، وهو أكبر من جايكوب ، إن أسرتك لا تأتي إلى محمية الهنود . لكن كلامه بدا كأنه يحمل معنى مختلفاً . لذلك ، أخذت جايكوب جانباً واستدرجته في الكلام )) ... اعترفت بهذا ثم رفعت رأسي .

فاجأتني ضحكته . نظرت إليه . كان يضحك ، لكن عينيه كانتا غاضبتين ، وكانتا تنظران إلى الطريق أمامه .

سألني : (( كيف استدرجته في الكلام؟ ))
(( حاولت مغازلته ... لقد نجح الامر بأفضل مما كنت أتوقع )) ... تلونت كلماتي بنبرة عدم التصديق عندما تذكرت ما حدث .

ابتسم وقال : (( أتمنى لو شاهدت ذلك ... لكنك تتهمينني بأنني أنا الذي أسبب الدوار للناس ... مسكين جايكوب بلاك))
احمر وجهي ونظرت إلى الليل من نافذتي .
بعد دقيقة سألني : (( ماذا فعلت بعد ذلك؟ ))
(( قمت ببعض البحث على الانترنت )) .
قال بصوت لا يكاد يبدو عليه أي اهتمام : (( وهل أقنعك ذلك البحث؟ )) ... لكني رأيت يديه تضغطان بشدة على عجلة القيادة .
(( لا! ... لم أجد ما يلائم الوضع ... كان معظم ما وجدته سخيفاً . ثم ...)) توقفت عن الكلام .
(( ماذا؟))
همست : (( قررت أن لا أهمية للامر )) .

جعلتني نبرته أرفع رأسي إليه : (( لا أهمية للامر ؟)) ... تمكنت أخيراً من أختراق قناعه المتقن . كان الشك بادياً على وجهه ، لكنني لم أجد فيه الا أثراً بسيطاً من الغضب الذي كنت أخشاه .
قلت بنعومة : (( لا! ... لا يهمني ما أنت )) .

داخلت صوته نبرة قاسية مستفزة : (( لا تبالين إن كنت وحشاً؟ إن لم أكن إنساناً ؟))
(( لا!))


ظل صامتاً يحدق في الطريق أمامه . كان وجهه بارداً من غير تعبير ... زفرت وقلت : (( أنت غاضب ... ما كان يجب أن أقول شيئاً )) .
قال : (( لا!)) ... لكن صوته كان قاسياً مثل وجهه ... (( من الافضل أن أعرف بم تفكرين ... حتى لو كانت أفكار مجنونة))
قلت متحدية : (( إذن، أنا مخطئة من جديد؟))
(( لا أقصد هذا ... أقصد عبارتك " لا أهمية للامر ")) ... قال باختصار وهو يضغط على أسنانه .
قلت بصوت لاهث : (( هل نظريتي صحيحة إذن؟))
(( وهل من أهمية للامر؟))


استنشقت نفساً عميقاً : (( في الحقيقة لا!)) ... (( لكن لدي فضول!)) ... استطعت السيطرة على صوتي ، على الاقل .
قال فجأة : (( فضول! بشأن ماذا؟))
(( كم عمرك؟))
أجاب فوراً : (( سبعة عشر ))
(( منذ متى وأنت في هذا العمر؟))
شد شفتيه ونظر إلى الطريق أمامه : (( منذ فترة)) ... إنه يعترف أخيراً ! (( جيد!)) ... ابتسمت مسرورة لانه ما زال صادقاً معي . حدق في بعينين منتبهتين كما كان يفعل كثيراً من قبل عندما يتوقع أن تصيبني صدمة . ابتسمت مشجعة فعبس وجهه .


(( لا تضحك ! ... لكن ، كيف تستطيع الخروج وقت النهار؟ ))
ضحك وقال : (( أسطورة))
(( الا تحرقك الشمس ؟))
(( أسطورة ))
(( هل تنام في تابوت ؟))
(( أسطورة )) ... تردد لحظة ثم قال بصوت خالطته نبرة غريبة : (( أنا لا أستطيع النوم)) .
احتجت دقيقة كاملة حتى استوعب ذلك : (( إطلاقاً؟))
قال بصوت لا يكاد يسمع : (( لا أنام أبداً !)) ... استدار ونظر إلي ... كان على وجهه تعبير حزين . استولت عيناه الذهبيتان على عيني ففقدت تسلسل أفكاري . ظللت أنظر إليه حتى أدار وجهه .


(( لم تطرحي علي أهم سؤال حتى الان )) ... كان صوته قاسياً الان . وعندما نظر إلي من جديد كانت عيناه باردتين .
رمشت عيناي .. ما زلت أشعر بدوار : (( وما هو؟))
سألني ساخراً: (( ألست مهتمة بمعرفة نوع غذائي؟))
تمتمت : (( أوه ! ذلك السؤال!)) .
كان صوته من غير تعبير : (( نعم، ذلك السؤال!... الا تريدين أن تعرفي إن كنت أشرب الدم؟))
قلت مجفلة : (( لقد ذكر جايكوب شيئاً عن ذلك )) .
سألني بصوت محايد : (( وماذا قال جايكوب؟))
(( قال إنكم لا ... تصطادون الناس. وقال إن من المفترض أنكم لستم خطرين لانكم تصطادون الحيوانات فقط))


حمل صوته تشككاً عميقاً : (( قال أننا غير خطيرين؟))
(( ليس بالضبط ... قال إن من المفترض أنكم غير خطرين . لكن الكويليت ما زالوا غير مستعدين للسماح لك بدخول أرضهم ... من باب التحسب فقط!))


نظر أمامه ... لكنني لم أستطع معرفة ما اذا كان ينظر إلى الطريق أم لا .
(( هل كان محقاً ؟ ... بشأن عدم اصطياد الناس؟)) ... حاولت أن أحافظ على صوت حيادي قدر ما استطعت .
همس : (( إن لدى الكويليت ذاكرة قوية!)) ... اعتبر ذلك تأكيداً .
قال محذراً : (( لا تدعي هذا يشعرك بالرضى رغم ذلك ... إنهم محقون في المحافظة على المسافة بيننا وبينهم . ما زلنا خطرين ))
(( لا أفهم !))
شرح ببطء : (( نحن نحاول! ... وعادة ما نكون ناجحين جداً في كل أمر نحاوله . لكننا نخطئ أحياناً . أنا مثلاً ... أسمح لنفسي بأن أكون وحيداً معك))
(( هل هذه خطيئة؟)) ... سمعت حزناً في صوتي لكنني لم أعرف إن كان قد سمعه مثلي .
تمتم : (( خطيئة خطيرة جداً!))


كنا صامتين الان . رحت أراقب أضواء السيارة تنحني مع تعرجات الطريق . كانت تتحرك بسرعة كبيرة جداً ؛ بدا الامر غير حقيقي ... مثل لعبة من ألعاب الفيديو . أدركت أن الوقت يمر سريعاً جداً مثلما يمر الطريق من تحتنا . وخشيت كثيراً الا تسنح لي فرصة أخرى لان أكون معه مثل هذه المرة ... مثل هذه الصراحة؛ لقد زالت الجدران بيننا هذه المرة. لقد أوحت كلماته بوضع نهاية للحديث ... لكنني رفضت هذه الفكرة . لم أكن أستطيع إهدار دقيقة واحدة من وقتي معه .
قلت بقنوط : (( حدثني أكثر )) ... لم أكن مبالية بما يقول . كنت أريد أن أسمع صوته من جديد .


نظر إلي سريعاً وقد فوجئ بالتغير في نبرة صوتي : (( ما الذي تريدين معرفته أيضاً؟))
اقترحت بصوت ما زال فيه بعض القنوط : (( قل لي لماذا تصطادون الحيوانات بدلاً من الناس؟)) أدركت أن عيني مبللتان ... ورحت أقاوم حزناًً يحاول اجتياحي .


كان صوته منخفضاً جداً : (( لا أريد أن أكون وحشاً )) .
(( لكن الحيوانات غير كافية؟))
صمت قليلاً : (( لست متأكدة طبعاً . لكنني سأقارن مع العيش على التوفو وحليب الصويا ... ندعو أنفسنا نباتين ... إنها مزحة فيما بيننا . هذا لا يشبع الجوع تماماً ... أو العطش إن شئت الدقة . لكنه يسمح لنا بالمحافظة على القوة الكافية للمقاومة ... معظم الوقت )) ...
ظهرت نبرة مشؤومة في صوته (( يكون ذلك صعباً جداً بعض الاحيان )) .
سألته : (( هل هو صعب جداً عليك الان؟))
تنهد قائلاً : (( نعم ))
(( لكنك لست جائعاً الان!)) ... قلت ذلك بثقة من يقرر أمراً وليس كمن يطرح سؤالاً .
(( ما الذي يجعلك تظنين هذا؟))
(( عيناك ! ... قلت لك إن لدي نظرية . ألاحظ أن مزاج الناس ... الرجال خاصة ... يصبح سيئاً عند الجوع ))


ضحك وقال : (( أنت شديدة الملاحظة حقاً!))
لم أجبه ... رحت أستمع إلى صوت ضحكته وأسجله في ذاكرتي . عندما صمت سألته : (( هل كنت تصطاد مع إيميت في عطلة نهاية الاسبوع؟))
((نعم!)) ... صمت قليلاً كأنه يتخذ قراراً بشأن مواصلة الكلام ...
(( لم أكن أريد الذهاب . لكن ذلك كان ضرورياً . من الاسهل قليلاً أن أكون معك عندما لا أكون ظمأناً )) .


(( لماذا لم تكن تريد الذهاب؟))
(( أقلق ... عندما أكون بعيداً عنك)) . كانت عيناه رقيقتين ، لكنهما متوترتين . أحسست أنهما تذيبان عظامي ... (( لم أكن مازحاً عندما قلت لك يوم الخميس الماضي أن تنتبهي حتى لا تسقطي في البحر أو تدهسك سيارة ... كنت قلقاً عليك . بعدما حدث الليلة ، يدهشني أنك اجتزت نهاية أسبوع كاملة دون إصابة )) . هز رأسه ثم بدا كمن تذكر شيئاً : (( ليس دون أي إصابة على الاطلاق ))
(( ماذا؟))
قال مذكراً : (( يداك!)) ... نظرت إلى راحتي يدي ... إلى الخدوش التي كادت تشفى . ما كانت عينه لتفوت شيئاً ...
تنهدت : (( لقد وقعت ! ))
(( هذا ما ظننته )) ... ارتفعت زاويتا فمه ... (( أفترض ... لانك أنت ... أن الامر كان يمكن أن يصبح أسوأ من هذا ... هذه الامكانية كانت تعذبني طيلة فترة غيابي . كانت ثلاثة أيام طويلة جداً . لقد أتعبت أعصاب إيميت )) ... ابتسم لي ابتسامة حزينة .
(( ثلاثة أيام؟ ألم تعودا اليوم؟))
(( لا، عدنا يوم الاحد))
((إذن، لماذا لم يأت أحد منكم المدرسة ؟)) ... انزعجت ... بل غضبت عندما فكرت في مدى الخيبة التي عانيتها بسبب غيابه عن المدرسة .


(( سألتني قبل قليل ما اذا كانت الشمس تؤذيني ... إنها لا تؤذيني . لكنني لا أستطيع التجول في ضوء الشمس ... على الاقل، ليس حيث يستطيع أي شخص أن يراني ))
(( لماذا؟))
وعدني : (( سوف أريك شيئاً )) .
فكرت في الامر لحظة .
قلت : (( كنت تستطيع الاتصال معي ))
بدا عليه الارتباك : (( لكنني كنت أعرف أنك بأمان )) .
(( لكنني لم أكن أعرف مكانك . أنا ... )) ترددت وخفضت عيني .
(( ماذا؟)) ... كان صوته المخملي مغرياً بالكلام.
(( لم يعجبني ذلك . لم يعجبني ألا أراك . إنه يجعلني قلقة أيضاً )) ... احمر وجههي لانني قلت ذلك بصوت مرتفع .
كان هادئاً ... نظرت إليه نظرة مستطلعة فرأيت الالم في تعبير وجهه .
قال بأنين هادئ : (( آه ! ... هذا خاطئ ))
لم أفهم رد فعله : (( ماذا قلت؟))


(( الا ترين يا بيلا ؟ أن أجعل نفسي بائساً شيء ، وأن أجعلك معنية بي إلى هذا الحد شيء أخر تماماً)) . حول عينيه المعذبتين إلى الطريق . وراحت الكلمات تخرج من فمه سريعة إلى حد جعلني أكاد لا أفهمها ... (( لا أريد معرفة أن لديك هذه المشاعر )) ... كان صوته خافتاً، لكنه ملح ... جرحتني كلماته ... (( هذا خاطئ . إنه ليس آمناً .أنا خطر يا بيلا ... افهمي هذا ... أرجوك!)) .
((لا!)) ... قلتها وأنا أحاول أن لا أبدو مثل طفل مشاكس .
أن ً قائلاً : (( أنا جاد تماماً)).
(( وأنا جادة أيضاً . لقد قلت لك ... لا يهمني ما أنت . تأخر الوقت كثيراً )) .
خرج صوته خشناً خافتاً : (( لا تقولي هذا أبداً ))
عضضت على شفتي وكنت سعيدة بأنه ما كان قادراً على معرفة مدى الالم الذي سببته كلماته . رحت أنظر إلى الطريق . لابد أننا اقتربنا الان . كانت السيارة تسير بسرعة كبيرة جداً .
سألني بصوت لا يزال جافاً : (( فيم تفكرين؟))


اكتفيت بهز رأسي ... لم أكن واثقة من قدرتي على الكلام . أحسست بنظرته على وجهي ، لكنني أبقيت عيني مصوبتين إلى الامام .
(( هل تبكين ؟)) ... بدا الخوف في صوته . لم أنتبه إلى أن الدمع الذي في عيني بدأ يسيل . مسحت خدي بيدي ... نعم! كانت على خدي تلك الدمعات الخائنة التي وشت بي .
قلت : (( لا!)) ... لكن صوتي خرج متكسراً .
رأيته يمد يده اليمنى إلي متردداً ... لكنه توقف ثم أعادها ببطء إلى عجلة القيادة .
قال بصوت يحترق أسفاً : (( آسف!)) ... عرفت أنه لم يكن يعتذر عن تلك الكلمات التي أحزنتني فقط .
كانت الظلمة تنزلق بصمت .
قال بعد دقيقة : (( قولي لي )) ... أحسست أنه يكافح حتى يتكلم بنبرة أكثر رقة .
(( ماذا؟))
(( فيم كنت تفكرين الليلة قبل أن أظهر عند تلك الزاوية ؟ لم أستطع أن أفهم تعبير وجهك ... لم يظهر عليك الخوف شديد بل بدوت كمن يركز تركيزاً شديداً على أمر ما))


(( كنت أحاول تذكر كيفية مواجهة شخص يهاجمني ... أنت تعرف ذلك ... الدفاع عن النفس . كنت أستعد لتحطيم أنفه )) . تذكرت صورة الرجل ذي الشعر الداكن فاجتاحتني موجة من الكراهية .
(( هل كنت تفكرين في مقاتلتهم ؟)) ... أزعجه ذلك ... (( ألم تفكري في الهرب؟))
قلت معترفة : (( أقع كثيراً عندما أجري ))
(( وماذا عن الصراخ طلباً للمساعدة ؟))
(( كنت سأصرخ)) .
هز رأسه : (( لقد كنت محقة! ... لابد أنني أحارب القدر عندما أحاول أن أبقيك حية )) .
تنهدت . بدأت سرعة السيارة تنخفض ... لقد دخلنا أطراف فوركس . استغرق الطريق أقل من عشرين دقيقة .


سألته : (( هل أراك غداً؟))
ابتسم : (( نعم ... علي تقديم موضوعي أيضاً ... سأحجز لك كرسياً من أجل الغداء ))
كان سخيفاً بعد كل ما مر بنا الليلة أن يجعلني ذلك الوعد البسيط أشعر يتقلص في معدتي فأصبر غير قادرة على الكلام .


صرنا أمام منزل تشارلي . كانت أنواره مضاءة . وكانت سيارتي واقفة في مكانها . كل شيء كان طبيعياً . كان الامر أشبه بالاستيقاظ من حلم . أوقف إدوارد السيارة ، لكنني لم أتحرك .


(( هل تعدني أن تكون هناك غداً؟))
(( أعدك)) .
فكرت في وعده لحظة ثم هززت رأسي . خلعت سترته وأنا أشم تلك الرائحة مرة أخيرة .
قال لي : (( احتفظي بها ... ليس لديك سترة من أجل صباح الغد ))
ناولت السترة : (( لا أريد أن أضطر إلى شرح الامر أمام تشارلي ))
ابتسم وقال : (( أوه! صحيح))
ترددت وأنا أضع يدي على مقبض الباب ... كنت أحاول إطالة تلك اللحظة .
قال بنبرة مختلفة ... جادة ... لكنها مترددة : (( بيلا؟))
(( نعم؟)) ... استدرت نحوه بتوق زائد .
(( هل تعديني بشيء؟))
قلت : (( نعم)) ... وسرعان ما ندمت على موافقتي غير المشروطة . ماذا لو طلب مني أن أظل بعيدة عنه ؟ لست أستطيع الوفاء بهذا الوعد : (( لا تسيري في الغابة وحدك))
نظرت إليه بحيرة : (( لماذا؟))
عبس وجهه ، وضاقت عيناه ثم راح ينظر عبر النافذة من خلفي : (( أنا لست أخطر شيء هناك على الدوام ... لا حاجة لان نتكلم في هذا الامر أكثر من ذلك ))
ارتجفت قليلاً للبرودة المفاجئة في صوته ... لكنني ارتحت مع ذلك . فهذا وعد يمكنني الوفاء به ... قلت : (( كما تريد )) .
قال متنهداً: (( أراك غداً)) ... عرفت أنه يريد أن أذهب الان .
فتحت الباب دونما رغبة : (( إلى الغد )) .


((بيلا!)) ... استدرت فرايته يميل نحوي . كان وجهه لشاحب الجميل على مسافة سنتيمترات قليلة من وجهي . توقف قلبي عن الخفقان .
قال : (( نامي جيداً)) . أصابت أنفاسه وجهي فأذهلتني . كانت تلك الرائحة نفسها التي شممتها في سترته ... لكنها أكثر تركيزاً ... شعرت بدوار في رأسي ورحت أرمش بعيني . .. اعتدل جالساً .


لم أكن أستطيع الحركة قبل أن يستعيد دماغي بعض التوازن . خرجت من السيارة بتثاقل ممسكة بإطار النافذة . أظن أنني سمعته يضحك ، لكن ذلك الصوت كان خافتاً جداً ... وما كنت واثقة من سماعه .


انتظر حتى صرت عند باب البيت . ثم سمعت سيارته تتراجع إلى الخلف . استدرت فرأيت السيارة تختفي خلف الزاوية . أدركت أن الجو بارد جداً .


أخرجت المفتاح بحركة آلية وفتحت الباب ثم دخلت . صاح تشارلي من غرفة المعيشة : (( بيلا؟))
(( نعم يا أبي ، هذه أنا )) . دخلت لاراه ... كان يتابع مباراة بيسبول .
(( لقد عدت باكراً))
(( حقاً)) ... فوجئت بهذا .
قال : (( لم تبلغ الساعة الثامنة بعد ... هل استمتعتم ؟))
(( نعم ... استمتعنا كثيراً )) ... دار رأسي عندما حاولت أن أتذكر مخططاتي الخاصة ليوم الحفلة ... (( لقد عثرت جيسيكا و أنجيلا على فستانين مناسبة )) .
(( هل أنت بخير؟))
(( أنا متعبة جداً ... لقد مشيت كثيراً ))
(( طيب ! من الافضل أن تستلقي )) ... بدا عليه بعض القلق . تساءلت في نفسي عن شكل وجهي .
(( سوف أتصل مع جيسيكا أولاً )) .
سألني بدهشة : (( ألم تكوني معها الان ؟ ))
(( نعم ... نسيت سترتي في سيارتها . أريد تذكيرها بأن تجلبها معها غداً ))
(( لا بأس ! انتظري حتى تصل إلى منزلها )) .


ذهبت إلى المطبخ وسقطت في إحدى الكراسي خائرة القوى . كنت أشعر حقاً ببعض الضعف الان ... هل ستستولي علي الصدمة في النهاية ؟ قلت لنفسي : تماسكي!


رن الهاتف فجأة فأجفلني ... خطفت السماعة خطفاً .
قلت مبهورة الانفاس : (( ألو!))
((بيلا؟))
(( نعم جيسيكا .. . كنت على وشك الاتصال بك )) .
بدا على صوتها الارتياح ... والمفاجئة : (( هل وصلت إلى البيت؟))
(( نعم! لقد تركت سترتي في سيارتك ... هل تستطيعين إحضارها غداً إلى المدرسة ؟))
قالت تطالبني : (( طبعاً! ... لكن، قولي لي ما جرى))
(( همم! غداً ... في درس المثلثات ... موافقة؟))
فهمت الامر سريعاً : (( آه ، هل والدك في المنزل ؟))
(( نعم ... صحيح ))
(( لا بأس ، سأتحدث إليك غداً . إلى اللقاء)) . كان نفاذ الصبر واضحاً في صوتها.
(( إلى اللقاء يا جيسيكا))


صعدت إلى غرفتي ببطء ... كان ضباب كثيف يلف عقلي . رحت أستعد للنوم دون انتباه إلى ما كنت أفعله . لم أدرك أنني أتجمد برداً الا عندما صرت في الحمام ... كان الماء ساخناً جداً ... يحرق جلدي. ظللت أرتجف عدة دقائق قبل أن يتمكن الماء الساخن من إرخاء عضلاتي المتصلبة . وقفت تحت الدوش غير قادرة على الحركة لشدة تعبي حتى نفذ الماء الساخن .


خرجت بعد أن لففت جسدي بمنشفة كبيرة محاولة المحافظة على حرارة الماء الساخن حتى لا تعود تلك الرجفة المؤلمة . ارتديت ملابس النوم بسرعة ودسست نفسي تحت اللحاف ثم تكورت على نفسي لافة ذراعي على جسمي حتى أحتفظ بالدفء . هزت جسمي عدة رجفات صغيرة .


ما زال عقلي يدور بشكل مدوخ ... كان مليئاً بصور لم أستطع فهمها ... وبصور كنت أحاول إبعادها . لم يبد أي شيء واضحاً في البداية ... لكن بعض الامور المؤكدة بدأت تتضح مع اقترابي التدريجي من الاستسلام للنوم .


كنت متأكدة تماماً من ثلاثة أشياء . الاول ، إدوارد مصاص دماء . الثاني ، ثمة جزء منه يريد أن يشرب دمي ... لم أكن أعرف مدى قوة ذلك الجزء . الثالث ، أنا أحبه حباً غير مشروط ... أحبه حباً لا عودة عنه

ألم الخريف
07-22-2010, 08:44 PM
الفصل العاشر



الاستجواب






في الصباح، كان من الصعب علي كثيراً أن أجادل ذلك الجزء من عقلي الذي كان واثقاً من أن الليلة الماضية لم تكن إلا حلماً . لم يكن المنطق في صفي ... المنطق السليم . تشبثت بالاجزاء التي لا يعقل أنني تخيلتها ... كرائحته مثلاً . كنت واثقة من أنني لا أستطيع تخيل رائحة مثلها ... حتى في حلمي .


كان الضباب يخيم مظلماً خارج نافذتي ... هذا ممتاز . ما كان لديه سبب لعدم الحضور إلى المدرسة . ارتديت ثياباً ثقيلة عندما تذكرت أن سترتي ليست معي . هذا دليل جديد على أن ذاكرتي تعمل جيداً .


عندما هبطت إلى الطابق السفلي كان تشارلي قد ذهب ... كان الوقت أكثر مما ظننت . ابتلعت قطعة كعك بثلاث قضمات وأتبعتها برشفة حليب من العلبة مباشرة . ثم خرجت مسرعة من الباب . آمل ألا يهطل المطر قبل أن أرى جيسيكا .


الضباب أكثر كثافة من المعتاد ... كان مثل الدخان . وكان الرذاذ الضبابي بارداً كالثلج عندما يلامس الجلد المكشوف على الوجه أو الرقبة . لم أكن لأطيق الانتظار حتى تعمل التدفئة في سيارتي . كان الضباب كثيفاً إلى درجة جعلتني أسير عدة أقدام قبل أن أدرك وجود سيارة أمامي ... سيارة فضية . قفز قلبي من مكانه وارتجف ، ثم راح يدق سريعاً .


لم أعرف من أين جاء ، لكنني رأيته هناك فجأة ... كان يفتح باب السيارة من أجلي . سألني مسروراً بتعبير وجهي عندما فاجأني من جديد : (( هل تريدين ركوب السيارة معي اليوم؟)) ... كان في صوته شيء من عدم الثقة . لقد كان يعطيني الخيار حقاً ... كنت حرة في الرفض . وكان جزء منه يأمل أن أرفض ... أي أمل يائس!


قلت محاولة أن أحافظ على هدوء صوتي : (( نعم، شكراً)) . وعندما دخلت إلى السيارة الدافئة لاحظت سترته البنية الفاتحة نفسها معلقة على مسند الكرسي . أغلق الباب خلفي ... وبسرعة عجيبة صار جالساً في مقعده بجانبي وأدار السيارة .


قال بصوت حذر : (( أحضرت السترة من أجلك . لا أريد أن تبردي )) ... لاحظت أنه لم يكن يرتدي سترة ... كان يرتدي قميصاً رمادياً خفيفاً ذا ياقة مثلثة وأكمام طويلة . وكان قميصه ملتصقاً بعضلات صدره . شكراً لوجهه ، فهو يجعلني لا أنظر إلى جسمه .


قلت : (( لست رقيقة إلى تلك الدرجة )) ... لكنني وضعت السترة في حضني وأدخلت ذراعي في كميها الطويلين ... كنت أحاول معرفة إن كانت تلك الرائحة طيبة فعلاً بقدر ما تخيلت لقد كانت أطيب مما تخيلت !
(( ألست بتلك الرقة حقاً؟)) ... قال ذلك بصوت منخفض جداً إلى درجة جعلتني غير واثقة إن كان يقصد أن أسمعه فعلاً .


سرنا، مسرعين دائماً ، عبر الشوارع الغارقة في الضباب . كان إحساسنا غريباً ، إحساسي أنا على الاقل . لقد سقطت جميع الاسوار ليلة أمس ... تقريباً جميع الاسوار . لم أعرف إن كنا ما نزال بالصراحة نفسها اليوم . شعرت أنني معقودة اللسان فانتظرته حتى يتكلم .


استدار متصنعاً الابتسامة : (( ماذا؟ أليس لديك عشرين سؤالاً اليوم؟ ))
شعرت بالراحة فسألته : (( وهل تزعجك أسئلتي ؟))
(( ليس بقدر ما تزعجني ردود أفعالك )) . بدا مازحاً ... لكنني لم أكن واثقة من ذلك .
عبست وقلت : (( هل ردود فعلي سيئة؟))
((لا!... تلك هي المشكلة . أنت تتلقين كل شيء ببرودة أعصاب أكثر مما يجب ... هذا غير طبيعي . هذا يجعلني أرتاب في ما تفكرين حقاً )) .
(( أنا أخبرك دائماً ما أفكر فيه )) .
اتهمني : (( أنت تنقحين أفكارك )) .
(( ليس كثيراً)) .
(( بالقدر الكافي لدفعي إلى الجنون )) .
(( لن يعجبك سماعها كما هي !)) ... كهذا غمغمت شبه هامسة . لكني ندمت على كلماتي فور خروجها من فمي . كان الالم في صوتي خفياً جداً ... تمنيت ألا يلاحظه .


لم يبد أي استجابة . هل أفسدت مزاجه؟ كان وجه غير مقروء لي عندما وصلنا موقف السيارات في المدرسة . خطر لي خاطر متأخر فقلت : (( أين بقية أفراد أسرتك؟)) ... ألقيت هذا السؤال وأنا أكثر من سعيدة بوجودي وحيدة معه ؛ لكنني تذكرت أن سيارته تكون ممتلئة عادة .


قال مبتسماً بينما كان يوقف السيارة بجانب سيارة حمراء لامعة ذات سقف قابل للطي ... كان سقفها مرفوعاً ... (( هذه سيارة روزالي ... أليست باذخة؟ ))
همست : (( همم ، واو ! ... اذا كانت لديها هذه السيارة فلماذا تركب سيارتك أنت ؟))
(( كما قلت لك ... إنها باذخة جداً . نحن نحاول عدم التميز عن الاخرين )) .
(( لستم تنجحون في ذلك )) ... ضحكت وأنا أهز رأسي ثم خرجنا من السيارة . لم أكن متأخرة على الدروس على أي حال ... وفرت قيادته المجنونة كثيراً من الوقت ... (( لماذا إذن قادت روزالي السيارة اليوم اذا كنتم غير راغبين في التميز ؟))
(( ألم تلاحظي ؟ أنا أحطم جميع القواعد الان! ))


لاقاني عند مقدمة السيارة . وسار على مقربة شديدة مني بينما توجهنا إلى المدرسة . أردت أن ألغي تلك المسافة القليلة فأمد يدي لألمس يده ... لكنني خفت ألا يحب ذلك .


تساءلت بصوت مرتفع : (( لماذا تقتنون سيارات كهذه؟ اذا كنتم لا تريدون لفت الانظار!))
قال بابتسامة عابثة : (( إنه تسيب ! جميعنا يحب القيادة السريعة))
دمدمت بصوت خفيف جداً : (( شخصيات غريبة! ))


كانت جيسيكا تنتظرني محتمية تحت سقف الكافتيريا البارز إلى الخارج ... كادت عيناها تخرجان من محجريهما . ما أطيبها ... كانت سترتي على ذراعها .


قلت عندما صرنا على مقربة منها : (( مرحباً جيسيكا، شكراً لانك تذكرت السترة )) ... ناولتني السترة من غير كلام .
قال إدوارد بأدب : (( صباح الخير يا جيسيكا )) ... ليس ذنبه أن صوته لا يقاوم إلى هذه الدرجة . وليس ذنبه ما تستطيع عيناه فعله .
تلعثمت جيسيكا : (( آآآ ... مرحباً )) ... حولت عينيها المتسعتين صوبي محاولة استجماع أفكارها ... (( أراك في درس المثلثات )) ... رمقتني بنظرة محملة بالمعاني ... أما أنا فحاولت إخفاء تنهيدة ثقيلة ... ماذا أقول لها ؟ ... (( حسنا! أراك هناك )) .
ذهبت ... لكنها توقفت مرتين لتنظر إلينا من فوق كتفها .
تمتم إدوارد : (( ما الذي ستروينه لها ؟))
همست : (( مهلاً ! ظننت أنك لا تستطيع قراءة أفكاري !))
قال مجفلاً : (( أنا لا أستطيع قراءتها )) ... لكن فكرة لمعت في عينيه ... (( أستطيع قراءة أفكارها هي ... سوف تنتظرك لتنصب لك كميناً في الصف )) .


نزعت سترته وناولته إياها ... ثم لبست سترتي . طوى السترة على ذراعه .
(( إذن! ما الذي تعتزمين قوله لها؟))
(( ساعدني قليلاً ! ... ما الذي تريد هي معرفته؟))
هز رأسه مبتسماً بمكر : (( هذا ليس عدلاً )) .
(( غير صحيح ! اذا لم تطلعني على ما تعرفه ... يكون ذلك غير عادل )) .
فكر قليلاً بينما رحنا نسير . وقفنا أمام باب صفي .
قال لي أخيراً : (( تريد أن تعرف ما اذا كنا نلتقي سراً . وتريد أن تعرف شعورك ناحيتي ))
(( يا سلام ! وماذا أقول لها؟)) ... حاولت جعل تعبير وجهي يبدو بريئاً تماماً . كان الطلاب يمرون بنا داخلين إلى الصف ... لعلهم كانوا يحدقون فينا ، لكنني لم أكد ألاحظ وجودهم .


قال : (( همم...)) صمت لحظة والتقط خصلة من الشعر أفلتت من ربطة شعري فأعادها إلى مكانها . قفز قلبي من مكانه ... (( أظن أنك يمكن أن تجيبي بنعم على السؤال الاول ... اذا لم يكن لديك مانع ... هذا أسهل من أي تفسير آخر )) .
قلت بصوت ضعيف : (( لا مانع عندي )) .
(( أما سؤالها الثاني ... فسوف أصغي إلى أفكارها حتى أسمع إجابتك فأعرفها أنا أيضاً )) . ارتفعت زاوية فمه بتلك الابتسامة المعوجة التي أحبها . لم أستطع التقاط أنفاسي بالسرعة الكافية حتى أجيب على ما قاله ... استدار ومضى .


صاح من فوق كتفه : (( أراك وقت الغداء )) . توقف ثلاثة أشخاص عند باب الصف ينظرون إلي مستغربين.


دخلت الصف مسرعة ... كان وجهي محمراً ، وكنت مرتبكة . إنه غشاش! لقد جعلني الان أكثر قلقاً بشأن ما أقوله لجيسيكا . جلست في مقعدي وخبطت حقيبتي على الارض .


قال مايك من المقعد المجاور : (( صباح الخير بيلا)) ... نظرت فرأيت في وجهه نظرة غريبة ... شبه مستاءة .
(( كيف وجدت بورت آنجلس ؟))
(( لقد كانت ... )) لم أجد طريقة صادقة لتلخيص ما أريد قوله ... أكملت جملتي العرجاء ... (( عظيمة . اشترت جيسيكا فستاناً جميلاً جداً )) .
سألني وقد توهجت عيناه : (( هل قالت شيئاً عن ليلة الاثنين؟ )) ... ابتسمت مرتاحة لهذا التحول في الحديث .
أكدت له : (( قالت إنها أمضت وقتاً ممتعاً جداً ))
قال متحمساً : (( هل قالت ذلك حقاً ؟))
(( هذا ما قالته تماماً )) .


ارتفع صوت الاستاذ ماسون طالباً الهدوء . ثم طلب منا تسليم مواضيعنا . مر درس اللغة الانكليزية ثم درس السياسة كما يمر الحلم ... كنت مشغولة البال بالطريقة التي يجب أن أشرح بها الامر لجيسيكا... عذبتني فكرة استماع إدوارد إلى ما أقوله من خلال أفكارها . ما أسوأ هذه الموهبة التي عنده أحياناً ... إلا عندما تنقذ حياتي .


تبلد الضباب كله تقريباً بنهاية الساعة الثانية . لكن الجو بقي مظلماً بسبب الغيوم الكثيفة المنخفضة ... ابتسمت للسماء .


كان إدوارد محقاً طبعاً . عندما دخلت إلى درس المثلثات وجدت جيسيكا جالسة في الصف الاخير من المقاعد تكاد تقع عن مقعدها لشدة لهفتها . ذهبت مرغمة فجلست بجانبها محاولة إقناع نفسي بأن من الافضل الانتهاء من الامر سريعاً .
قبل أن أجلس في مقعدي قال بصوت آمر : (( أخبريني كل شيء)) .
(( ما الذي تريدين معرفته؟))
(( ما الذي حدث في تلك الليلة ؟))
(( دعاني على العشاء ثم أخذني إلى منزلي )) . راحت تحدق بي ... كان الشك ظاهراً على وجهها ... (( وكيف وصلتم إلى البيت بتلك السرعة؟))
((إنه يقود السيارة كالمجنون ... شيء مرعب )) ... قلت هذا وأنا أتمنى أن يسمعني .
(( هل كان ذلك موعداً بينكما ... هل قلت له أن يلاقيك هناك؟))
لم أفكر في هذا : (( لا! ... فوجئت تماماً برؤيته هناك )) .
تقلصت شفتاها من الخيبة بسبب الصدق الواضح في صوتي . ثم راحت تستحثني : (( لكنه أوصلك إلى المدرسة اليوم! )) .
شرحت لها : (( نعم ... كانت تلك مفاجئة لي أيضاً . لقد لاحظ ليلة أمس أن سترتي ليست معي )) .
(( وهل ستخرجان معاً من جديد؟))
(( عرض أن يأخذني إلى سياتل يوم السبت فهو يعتقد أن سيارتي لا تستطيع السفر هذه المسافة ... هل يعتبر هذا خروجاً معه؟))
أومأت برأسها : (( نعم!))
(( طيب!... الاجابة نعم)) .
(( وا...اا...او)) ... قالتها ممطوطة جداً ... (( إدوارد كولن !))
قلت مستسلمة : (( أعرف ! ... واو عادية لا تكفي ))
(( انتظري!)) ... رفعت يديها في وجهي كأنها توقف سيارة ... (( هل قبلك؟))
غمغمت : (( لا! ... ليس الامر هكذا)) .
بدت عليها الخيبة ... وبدت علي أنا أيضاً .
(( هل تظنين ... يوم السبت ...؟)) ... قالت ذلك رافعة حاجبيها .
(( أشك في ذلك...)) كان عدم الرضا واضحاً في صوتي .
(( عن ماذا تحدثتما؟)) ... قالت هامسة تستحثني على إعطائها مزيداً من المعلومات . بدأ الدرس، لكن الاستاذ فارنر لم يكن شديد التدقيق ... ولم نكن وحدنا من تابع الحديث .
أجبتها همساً : (( لا أدري يا جيسيكا ... أشياء كثيرة!)) ... (( تحدثنا قليلاً عن موضوع اللغة الانكليزية)) ... قليلاً جداً ... أعتقد أنه ذكر الامر عرضاً .
راحت ترجوني : (( من فضلك يا بيلا .. أعطني بعض التفاصيل )) .
(( طيب ... لا بأس . إليك هذه : كان عليك رؤية كيف حاولت عاملة الخدمة مغازلة إدوارد ... كان ذلك واضحاً جداً . لكنه لم يلتفت إليها إطلاقاً )) ... فليفهم من هذا ما يريد .
قالت : (( هذه علامة جيدة... وهل كانت جميلة ؟))
(( جميلة جداً ... تسعة عشر أو عشرين سنة! ))
(( هذا أفضل ... لابد أنه معجب بك)) .
(( أظن ذلك ... لكني لست واثقة ... إنه كتوم دائماً )) ... قلت هذا من أجله .
قالت همساً : (( لا أعرف من أين تأتيك الشجاعة حتى تكوني وحدك معه)) .
صدمني كلامها : (( لماذا؟)) ... لكنها لم تفهم رد فعلي .
(( إنه ... رهيب . لست أعرف ماذا يمكن أن أقول له لو كنت مكانك )) ... كشرت ... لعلها تذكرت نظرته هذا الصباح أو نظرته ليلة أمس عندما وجه قوة عينيه الطاغية نحوها .


قلت بتسليم : (( عندما أكون معه أعاني فعلاً مشكلة في ضبط أفكاري )) .
((آه ، صحيح! إنه جميل إلى حد لا يصدق )) . ابتسمت جيسيكا كما لو أن هذا يبرر أي خلل ... لعلها بررت أخطاءها معه بهذه الطريقة .
قلت : (( فيه أشياء كثيرة غير ذلك )) .
(( حقاً ! مثل ماذا؟))
تمنيت لو أنني تجاهلت الامر . تمنيت ذلك بقدر ما كنت آمل أنه كان يمزح بشأن الاصغاء ... (( لا أستطيع شرح ذلك بوضوح ... لكنه ... عدا عن شكله ... لا يصدق أيضاً )) ... إنه مصاص الدماء الذي يريد أن يكون طيباً ...إنه من يطوف محاولاً إنقاذ أرواح الناس حتى لا يكون وحشاً ... نظرت بعيداً صوب باب الصف .
قالت ضاحكة : (( هل هذا معقول؟))
تجاهلتها وحاولت أن أتظاهر بالاصغاء إلى الاستاذ فارنر .
لكنها لم تكن تنوي الصمت : (( إنه يعجبك إذن؟))
قلت باقتضاب : (( نعم )) .
راحت تحثني : (( أقصد ... هل يعجبك فعلاً ؟))
قلت مجدداً وقد احمر وجهي : (( نعم !)) ... تمنيت أن أحذف تلك الاجابة من ذاكرتها .
تعمدت طرح سؤال لا أستطيع الاجابة عليه بكلمة واحدة : (( إلى أي مدى يعجبك؟))
همست : (( يعجبني كثيراً جداً ... أكثر مما أعجبه . لكنني لا أعرف كيف أتجنب ذلك )) ... تنهدت ... وزاد احمراري .
لجسن الحظ ... طلب الاستاذ فارنر من جيسيكا الاجابة على سؤاله .


لم تسنح لها فرصة ثانية لفتح الموضوع من جديد أثناء الدرس . وعندما رن الجرس قمت بحركة للهروب فقلت لها : (( في درس الانكليزية سألني مايك إن كنت قد قلت لي شيئاً عن ليلة الاثنين )) .
نجحت في تحويل وجهة أفكارها تحويلاً تاماً ... لهثت تقول : (( هل تمزحين! وماذا قلت له؟ ))
(( قلت له إنك استمتعت كثيراً ... ولقد أعجبه ذلك ))
قالت بلهفة : (( أخبريني ما قاله بالضبط ... وماذا أجبته بالضبط؟))


أمضينا فترة الاستراحة بين الدرسين ثم درس اللغة الاسبانية نناقش تفاصيل ما قاله مايك . ما كنت لأمضي معها في هذا الكلام كله لو لم أكن خائفة من عودة الحديث إلى موضوعي أنا .


ثم رن جرس الغداء . لابد أن تعبير وجهي جعل جيسيكا تنتبه عندما قفزت من مقعدي ملقية كتبي داخل حقيبتي .


لقد عرفت : (( لن تجلسي معنا اليوم ، صحيح؟))
(( لا أظن!)) ... لم أكن واثقة من عدم اختفائه من جديد .
لكنه كان ينتظرني في الخارج قرب باب مستنداً إلى الجدار ... كان يبدو مثل تماثيل آلهة الإغريق . نظرت جيسيكا ... ثم مضت : (( أراك فيما بعد يا بيلا !)) ... كان صوتها محملاً بالمعاني .
(( مرحباً !)) ... كان صوته مرحاً ومنزعجاً في وقت واحد ... لقد كان يستمع إلينا ... هذا واضح .


(( مرحباً)) .
لم أستطع التفكير في شيء أقوله غير ذلك ... أما هو فلم يتكلم ... كان يتركني أنتظر ... كما افترضت ... لذلك ، سرنا نحو الكافتيريا صامتين . كان سيري مع إدوارد في فترة الغداء المزدحمة مثل يومي الاول في المدرسة ... كان الجميع ينظرون إلي .


تقدمني باتجاه صف الانتظار ... ما زال صامتاً ، لكن عينيه كانتا تستديران إلى وجهي من لحظة لاخرى ... كان الترقب بادياً فيهما . بدا لي أن انزعاجه راح يزداد فيغطي تعبير السرور في وجهه ... رحت أعالج سحاب سترتي بعصبية .
مضى فملأ صينية بالطعام .
قلت معترضة : (( ماذا تفعل ؟ هل تضع كل هذا الطعام من أجلي ؟))
هز رأسه وهو يتقدم ليدفع ثمن الطعام .
(( نصفه لي طبعاً )) .
نظرت بدهشة .
سبقني باتجاه الطاولة التي جلسنا إليها في المرة الماضية . ومن الناحية الاخرى لتلك الطاولة الطويلة نظرت إلينا مجموعة من الطلاب نظرة استغراب عندما جلسنا متقابلين . بدا إدوارد ذاهلاً : (( خذي ما تريدين !)) ... قال ذلك وهو يدفع الصينية باتجاهي .
قلت وأنا ألتقط تفاحة وأقلبها بين يدي : (( أشعر بالفضول ... ماذا تفعل لو تحداك أحد أن تاكل بعض الطعام ؟))


كشر قليلاً وهز رأسه : (( أنت فضولية دائماً !)) ... حدق في عيني ورفع شريحة من البيتزا من الصينية وقضم منها ملء فمه ... راح يمضغها ببطء ... ثم ابتلعها ... رحت أنظر إليه بعينين مشدوهتين .


سألني بتعطف : (( اذا تحداك أحد أن تأكلي تراباً ... فسوف تأكلين التراب . أليس كذلك؟))
جعدت أنفي : (( فعلتها ذات مرة ... بسبب التحدي ... كان طعمه سيئاً جداً )).
ضحك وقال : (( أظن أن هذا لا يدهشني )) . بدا أن شيئاً يجذب انتباهه من خلفي .
قال : (( جيسيكا تدرس كل ما أقوم به الان ... ستحدثك عن ذلك فيما بعد )) . دغع بقية البيتزا صوبي . جعل ذكر جيسيكا بعض الانزعاج السابق يعود إلى ملامحه .


وضعت التفاحة وتناولت قطعة البيتزا ... حولت نظري عنه عالمة أنه سيبدأ الكلام .
(( إذن، كانت عاملة الخدمة جميلة ، صحيح؟))
(( أم تلاحظ جمالها؟))
(( لا! ... لم أنتبه إليها . كان ذهني مشغولاً )) .
(( يا للفتاة المسكينة !)) ... صار بوسعي إظهار الكرم الان .
(( ثمة أمر قلته لجيسيكا ...إنه يقلقني)). إنه يرفض تشتيت انتباهه ... كان صوته مبحوحاً ... نظر إلي من خلال أهدابه ... كانت عيناه مضطربتين .
(( لا يدهشني أنك سمعت شيئاً لم يعجبك . تعرف ما يقال عن مسترقي السمع )) .
(( قلت لك إنني سأستمع )) .
(( حذرتك من أنك لن تكون مسروراً لسماع كل ما أفكر فيه)) .
قال موافقاً : (( صحيح!)) ... لكن صوته ما زال قاسياً ... (( لكنك لست مصيبة تماماً ، رغم ذلك . أرغب في معرفة كل ما تفكرين فيه . أتمنى فقط ... أن لا تفكري في بعض الاشياء )) .
(( ثمة تمييز إذن!)) .
(( لكن هذا ليس هو الامر الهام في هذه اللحظة )) .
(( ما هو الهام إذن؟)) ... كان واحدنا يميل صوب الاخر فوق الطاولة الان . كانت كفاه معقودتين تحت ذقنه ... أما أنا فكنت أميل إلى الامام واضعة يدي على رقبتي . كان علي تذكير نفسي بأننا وسط قاعة الطعام المزدحمة . لعل أعيناً فضولية كثيرة كانت نصوبة إلينا . كان من السهل جداً أن ننعزل ضمن حيزنا الخاص المتوتر .


تمتم قائلاً : (( هل تظنين حقاً أنك مهتمة بي أكثر من اهتمامي بك ؟)) ... كان يميل أكثر باتجاهي وهو يتكلم ... كانت عيناه الذهبيتان القاتمتان حادتين .
حاولت أن أتذكر كيف أتنفس . كان علي أن أنظر بعيداً قبل أن أستطيع التنفس من جديد .
قلت هامسة : (( ها أنت تفعلها من جديد ؟))
اتسعت عيناه بدهشة : (( ماذا أفعل ؟ ))
قلت معترفة : (( أنت تدوخني !)) ... حاولت التركيز عندما نظرت إليه من جديد .
عبس قائلاً : (( آوه!))
تنهدت : (( هذا ليس ذنبك ! ... لا تستطيع تفادي ذلك )) .
(( هل ستجيبين على سؤالي ؟))
أطرقت برأسي وقلت : (( نعم!))
ظهر عليه الانزعاج من جديد : (( نعم ستجيبين أم نعم بمعنى أنك تظنين ذلك حقاً ))
(( نعم أظن ذلك حقاً )) . ظلت عيناي مثبتتين إلى الطاولة تتبعان عروق الخشب ... طال الصمت ... رفضت بعناد أن أكون البادئة بكسر الصمت هذه المرة ... رحت أقاوم إغراء استراق النظر إلى تعبير وجهه .


تكلم أخيراً ... كان صوته مخملياً ناعماً : (( أنت مخطئة)) .
رفعت رأسي فرأيت نظرة لطيفة في عينيه . همست معترضة : (( أنت لا تعرف!)) ... هززت رأسي بشك مع أن قلبي ارتجف لكلماته ... أردت كثيراً أن أصدقها .
(( ما الذي يجعلك تظنين ذلك ؟)) ... كانت عيناه نديتين ثاقبتين ... كانتا تحاولان استخراج الحقيقة من عقلي .


نظرت إليه محاولة أن أحافظ على وضوح تفكيري رغم وجهه الذي أمامي ... محاولة العثور على سبيل للشرح . رأيت صبره ينفذ وأنا أبحث عن الكلمات ... كان صمتي مزعجاً له . بدأ يعبس ، أزحت يدي عن رقبتي ورفعت إصبعي : (( دعني أفكر!)) ... قلتها بإصرار . انفرجت تعابير وجهه . لقد أرضاه أنني كنت أرتب إجابتي . وضعت يدي على الطاولة ثم رفعت يدي اليسرى فشبكت كفي . رحت أنظر إلى يدي . .. أثني أصابعي ثم أفتحها ... تكلمت أخيراً .
(( حسن! عدا ما هو واضح ... أحياناً ... )) ترددت قليلاً ... (( لا أستطيع أن أكون واثقة ... لست أجيد قراءة أفكار الاخرين ... لكنك أحياناً تبدو كمن يحاول أن يقول وداعاً ... لكنك تقول شيئاً آخر )) . هذا كل ما استطيع قوله عن العذاب الذي تثيره في نفسي كلماته أحياناً .


همس : (( هذا كلام ذكي )) ... هاهو العذاب يظهر من جديد وهو يؤكد مخاوفي ... (( لكن، هذا بالضبط سبب كونك مخطئة )) ... بدأ بشرح لي ، لكن عينيه ضاقتا فجأة ... (( ماذا تقصدين بقولك " ماهو واضح"؟))


(( طيب! انظر إلي )) قلتها من غير داع لانه كان يحدق في وجهي فعلاً ... (( أنا فتاة عادية تماماً ... ربما باستثناء الاشياء السيئة من قبيل تعرضي للموت مرات كثيرة ومن قبيل حركاتي الخرقاء التي تجعلني شبه مقعدة ... أما أنت ...)) أشرت بيدي إليه ...إلى كل الكمال الذي فيه .
تغضن حاجباه بغضب في البداية ثم استويا وظهرت في عينيه نظرة مدركة : (( أنت لا ترين نفسك بوضوح ... هل تعرفين هذا؟ لكنني أعترف أنك فظيعة فعلاً من ناحية تلك الاشياء السيئة )) . ضحك بعصبية : (( لكنك لا تعرفين ما كانت تقوله كل أنثى في هذه المدرسة لنفسها في يومك الاول هنا )) .
رمشت عيناي بدهشة ... تمتمت لنفسي : (( لا أصدق هذا...))
(( ثقي بي ... هذه المرة فقط ... أنت لست عادية أبداً )) .
كان الحرج الذي شعرت به أقوى من سروري بالنظرة التي بدت في عينيه عندما قال تلك الكلمات .


ذكرته سريعاً بما كنت أقوله قبل قليل ... (( لكنني لست أقول وداعاً !))
هز رأسه : (( ألا ترين؟ هذا ما يثبت صحة قولي . أنا أهتم بك أكثر لانني لو كنت أستطيع فعل ذلك ... ))... بدا كمن يصارع الفكرة((... اذا كان تركك هو التصرف الصحيح ... إذن ... فأنا أسبب الالم لنفسي حتى لا أؤلمك ... حتى أحافظ على سلامتك )) .
حدقت فيه : (( أنت تعتقد أنني لن أفعل الشيء نفسه لو كنت مكانك؟))
(( لن تضطري إلى الاختيار أبداً )) .


وفجأة تغير مزاجه الذي لا أستطيع التنبؤ به . أعادت ترتيب وجهه ابتسامة عابثة مدمرة : (( طبعاً! بدأت المحافظة على سلامتك تصبح مثل وظيفة بدوام كامل تستلزم حضوري دائماً))
(( لم يحاول أحد أن يقتلني اليوم)) ... ذكرته بهذا وأنا أشعر براحة غامرة لاننا تحولنا إلى موضوع أخف . لم أكن أريده أن يتحدث عن الوداع أكثر من ذلك . اذا اضطررت ... سوف أضع نفسي تحت الخطر عمداً حتى أبقيه قريباً مني ... طردت هذه الفكرة سريعاً حتى لا تقرأها عيناه السريعتان على وجهي . ستوقعني هذه الفكرة في مشكلة من غير شك .


(( لكن!))


(( لكن!)) ... كنت أستطيع المضي في النقاش ... لكنني الان أردته أن ينتظر الكوارث .
ما زال تعبير وجهه عادياً : (( لدي سؤال آخر لك ))
(( هيا!))
(( هل أنت بحاجة حقاً إلى الذهاب إلى سياتل هذا السبت . أم أن هذا مجرد حجة تستخدميها لصد هؤلاء المعجبين كلهم ؟
تذكرت بانزعاج : (( هل تعرف ؟ لم أسامحك بعد على ما فعلته بتايلر )) ... قلت محذرة : (( أنت المذنب في جعله يظن أنني سأذهب إلى حفلة التخرج معه ))
ضحك : (( آوه ! كان سيجد فرصة حتى يطلب ذلك منك دون مساعدتي . لكنني أرغب في رؤية وجهك ))


لو لم تكن ضحكته ساحرة إلى ذلك الحد لكان غضبي أكبر .
سألني مستمراً في الضحك : (( لو أنني طلبت منك مرافقتي يوم ذاك فهل كنت سترفضين ؟))
قلت معترفة : (( على الارجح ، لا! لكنني كنت سألغي ذلك فيما بعد فأتظاهر بالمرض أو بأن قدمي تؤلمني ))


ظهرت عليه الحيرة : (( ولماذا تفعلين ذلك؟))
هززت رأسي بحزن : (( أعتقد أنك لم تشاهدني في صالة الرياضة إطلاقاً . لو شاهدتني لفهم قصدي ))
(( هل تقصدين أنك لا تستطيعين السير على سطح ثابت مستو دون أن تجدي شيئاً تتعثرين به؟))
(( طبعاً)) .
قال بصوت واثق تماماً : (( لن تكون هذه مشكلة ... هذا يعتمد على من يراقصك )) . رأى أنني على وشك الاحتجاج فقاطعني : (( لكنك لم تقولي لي ... هل أنت مصممة على الذهاب إلى سياتل ؟ هل تمانعين في قيامنا بشيء مختلف؟))
لم أكن لاهتم بأي شيء آخر بعد أن قال كلمة (( قيامنا)) .
قلت : (( أنا مستعدة لمناقشة خيارات أخرى ... لكن علي أن أطلب منك معروفاً )) .
بدا عليه القلق كما يحدث كلما سألته سؤالاً غير محدد ... (( ماهو؟))
(( هل أستطيع قيادة السيارة ؟))
عبس وقال : (( لماذا؟))
(( حسن! عندما قلت لتشارلي إنني ذاهبة إلى سياتل سألني تحديداً إن كنت ذاهبة وحدي ... وفي ذلك الوقت كنت أعتزم الذهاب وحدي . اذا سألني مرة ثانية فالارجح أنني سأكذب . لكن لا أعتقد أنه سيسأل مرة ثانية . واذا تركت سيارتي في البيت فسوف أجعله يطرح السؤال دون ضرورة ... وأيضاً لان قيادتك تخيفني )) .


قال مستغرباً : (( من بين كل الاشياء التي يمكن أن تجعلك تخافين مني ... لم تجدي الان سوى الخوف من قيادتي !)) هز رأسه متأففاً ؛ لكن عينيه صارتا جديتين : (( الا ترغبين في إخبار والدك أنك تمضين النهار معي ؟)) ... كان في سؤاله شيء لم أفهمه .
(( مع تشارلي ... الاختصار أفضل دائماً )) ... كنت واثقة من ذلك ... (( أين سنذهب على أية حال؟))


(( سيكون الجو جميلاً ... لذلك سأبتعد عن أعين الناس ... أما أنت فبوسعك البقاء معي ... اذا أحببت !)) ... من جديد .. كان يترك الخيار لي .
(( سوف تريني ما الذي تقصده ... بشأن الشمس؟)) ... سألته وقد أثارتني فكرة اكتشاف مجهول جديد .
ابتسم : (( نعم !)) ... ثم توقف قليلاً ... (( لكن ، اذا لم تريدي أن تكوني ... وحدك معي . فإنني أظل أفضل عدم ذهابك إلى سياتل وحدك . أرتجف عندما أتخيل المشاكل التي يمكن أن تقعي فيها في مدينة بهذا الحجم.))


استغربت : (( فينيكس أكبر من سياتل بثلاث مرات ... من حيث السكان ومن حيث الامتداد ... ))
قاطعني : (( لكن من الواضح أن أجلك لم يكن قد حان في فينيكس . لذلك أنا أفضل أن تظلي قريبة مني )) . عند ذلك فعلت عيناه ذلك الشيء المدوخ غير العادل من جديد .
لم أستطع المناقشة ... لامع عينيه ولامع فكرته .. . هذا عبث على أية حال ... (( الواقع أنني لا أمانع أن أكون وحيدة معك)) .
تنهد مفكراً : (( أعرف! لكن ، يجب أن تخبري تشارلي )) .
(( ولماذا أفعل ذلك؟))
غدت عيناه قاسيتين فجأة : (( حتى تعطيني حافزاً صغيراً يجعلني أعيدك إلى البيت )) .
ابتلعت ريقي ... لكنني صممت بعد لحظة : (( أظن أنني أقبل المخاطرة )) .
زفر غاضباً بعيداً .
اقترحت عليه : (( دعنا نتحدث في شيء آخر )) .
سألني : (( ما الذي تريدين الحديث فيه ؟)) ... ما زال منزعجاً .


نظرت من حولي لاتأكد من أن أحداً لا يسمعنا . وعندما تجولت عيناي في الغرفة رأيت أخته أليس تنظر إلي ... أما بقية إخوته فكانوا ينظرون إليه . حولت نطري بسرعة إليه وسألته أول سؤال خطر ببالي : (( لماذا ذهبتم إلى "صخور الماعز" الاسبوع الماضي ... أمن أجل الصيد ؟ قال تشارلي إن ذلك المكان ليس مناسباً للرحلات ... بسبب الدببة!))
نظر إلي كما لو كنت غافلة عن أمر شديد الوضوح ... فسألته همساً : (( الدببة ؟)) ... فابتسم ابتسامة ساخرة ... قلت حتى أخفي صدمتي : (( هذا ليس موسم الدببة كما تعلم )) .
قال : (( لو قرأت جيداً لعرفت أن القانون يمنع اصطياد الدببة بالاسلحة فقط )) .
راح يتسلى بمراقبة وجهي بينما رحت أستوعب الفكرة ببطء .
قلت بصعوبة : (( الدببة ؟))
(( إيميت يفضل الدب البني !)) ... ما زال صوته محايداً ، لكن عينيه كانتا تنتظران رد فعلي ... حاولت استجماع شتات نفسي .
قلت : (( همم!)) ... أخذت أمضغ قضمة جديدة من البيتزا ... حجة حتى أنظر إلى الطاولة . رحت أمضغ ببطء ثم شربت رشفة كبيرة من كأسي دون أن انظر إلى إدوارد .
أخيراً، قابلت نظرته المتسائلة وقلت بعد لحظة : ((إذن! وما الذي تفضله أنت ؟))
رفع حاجبه والتوت زاوية شفته ... لم يعجبه سؤالي : (( الاسد الجبلي )) .


قلت بنبرة مهذبة محايدة : (( آه !)) .. . ونظرت إلى كأسي من جديد . قال محاولاً تقليد نبرتي : (( علينا طبعاً أن ننتبه حتى لا نسبب الضرر للبيئة من خلال هذا الصيد غير القانوني . نحاول التركيز على مناطق فيها أعداد كبيرة من تلك الوحوش ... وفيها من الانواع بقدر ما نريد . ثمة غزلان ووعول كثيرة هناك ... وهي تفي بالغرض أيضاً ... لكن، ما المتعة فيها!)) ... راح يبتسم كمن يناكدني .
(( وأين ذلك ؟)) ... تمتمت وأنا أقضم البيتزا من جديد .


(( بداية الربيع هي موسم الدببة التي يفضلها إيميت ... عندما تستيقظ من سباتها الشتوي ... وتكون سريعة الاهتياج )) ... ابتسم كأنه تذكر نكتة قديمة .
أومأت برأسي مؤيدة : (( لا شيء أكثر متعة من دب بني مهتاج !))
ضحك وهز رأسه : (( أخبريني فيم تفكرين حقاً ؟ ... من فضلك )) .
قلت معترفة : (( أحاول تصور الامر ... لكنني لا أستطيع ... كيف تصطادون دباً دون أسلحة ؟))
(( لدينا أسلحة )) ... أظهر أسنانه اللامعة بابتسامة خاطفة مهددة .
حاولت كتم ارتجافي قبل أن يفضحني ... (( لكنها ليست من بين الاسلحة التي تخطر ببالهم وهم يكتبون قوانين الصيد . لو شاهدت هجوم الدب في التلفزيون لاستطعت تصور كيف يصطاده إيميت))


لم أستطع كبح الرجفة التي سرت في ظهري . ألتفت لأنظر إلى إيميت ... لحسن حظي لم يكن ينظر ناحيتي ... بدت العضلات الكثيفة التي تلف ذراعيه وجذعه أكثر هولاً الان .
تابع إدوارد نظراتي ثم ضحك ... حدقت فيه غاضبة ثم سألته بصوت منخفض : (( وهل أنت مثل الدب أيضاً ؟))
قال بخفة : (( بل أشبه بالاسد . أو هذا ما يقال لي ... ربما يكون هذا سبب تفضيلي صيد الاسود في حين يفضل إيميت صيد الدببة )) .
حاولت أن أبتسم ... كررت كلمته : (( ربما!)) ... لكن رأسي كان ممتلئاً بصور متعارضة لم أستطع التوفيق بينها ... (( وهل هذا شيء يمكن أن أراه؟))


(( قطعاً لا!)) ... صار وجهه أكثر بياضاً من المعتاد ... وغدت عيناه غاضبتين فجأة . ارتددت إلى الخلف مصعوقة خائفة من ردة فعله ... رغم أنني ما كنت لأقول له ذلك أبداً . ارتد إلى الخلف مثلي وعقد ساعديه على صدره .
سألته عندما استطعت التحكم بصوتي من جديد : (( هل هذا مخيف جداً بالنسبة لي؟))
قال بصوت قاطع : (( لو كانت هذه هي المشكلة ... لأخذتك اليوم ... أنت بحاجة إلى جرعة من الخوف . لا شيء يمكن أن يفيدك أكثر منها )) .
قلت بإلحاح محاولة تجاهل تعبير وجهه الحانق : (( ما المشكلة إذن؟))
حدق في دقيقة كاملة ... ثم قال : (( فيما بعد)) . وبلحظة واحدة صار واقفاً على قدميه : (( سنتأخر على الدرس )) .
نظرت حولي فدهشت عندما رأيت أنه محق وأن الكافيتريا صارت شبه فارغة . عندما أكون معه يصبح المكان والزمان ضبابيين فأعجز عن الانتباه إليهما . قفزت واقفة وأخذت حقيبتي عن مسند الكرسي .
قلت : (( إذن ، ... فيما بعد! )) ... لن أنسى ذلك .




انتظروني غدا لوضع الفصلين 11 و 12

قراءة ممتعة

hodhod_ali
07-23-2010, 02:15 AM
الفصل التاسع بيطير العقل كتتتتتتتييييييييييييييرررررررررر

hodhod_ali
07-23-2010, 02:45 AM
الفصل العاشر بيجنن انا كتيرعاجبنى ها الشى بس يا ريت ما تتاخرى

samar13
07-31-2010, 09:46 PM
fen el ba2y

طير قصة عشق الباكي
07-30-2011, 07:39 PM
شكرا لك
على القصة الرائعة
جزاك الله خيرا
في انتظار
جديدك
تحياتي
واحترامي

***

Layla Naili
08-16-2014, 07:18 PM
ألف شكر لك على مجهودك وعطائك
جـــــــــزاك اللـــه خيــــــرا
الله يعطيك العافية
أرق التحايا

YABANI
10-11-2014, 02:10 PM
كل الشكر لك على الطرح الرائع
والمجهــــــود المتميــــــز
يعطيــــــك العافيــــة
تحياتـــــي